نادر كاظم وكتابه: نحن بحاجة دائمة إلى خدمات فرويد

ونحن نتأمل الواقع العربي، يبدو أننا لن نستطيع أن نتخلى عن خدمات فرويد بعد وقت طويل من الآن، ونحن نوثق في كل يوم غرائزنا التي تنحدر بمرور الوقت، حتى يخشى المرء أنه قد يعود حيوانا غير معقلن في يوم من الأيام. الكراهية كانت موضوع كتاب الباحث نادر كاظم “كراهيات منفلتة”.
الخميس 2016/01/21
انتعاش الكراهيات بين الناس يستمد قوته من العزلة الجغرافية

يعيدنا كتاب الباحث نادر كاظم “كراهيات منفلتة” الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون بقوة إلى المصائر التي تنتظرنا نحن سكان هذه المنطقة من العالم التي تزدهر فيها الكراهيات المجنونة مثل الفيروس. لن نبحث للقارئ عن أمثلة فهي كثيرة ويعيشها يوميا من المغرب إلى العراق.

إذا كانت الكراهية بحسب فرويد غريزة غير قابلة للاستئصال من النفس البشرية وإن “المجال العام” أو الرأي العام العالمي، كما يسميه يورغم هابيرماز، لم يستطع أن يعقلنها حتى هذه اللحظة وفي أكثر الديمقراطيات مثل أميركا وأوروبا، فإنها تتجلى هنا عندنا بطريقة أقل ما يقال عنها إنها تجاوزت المرحلة الحيوانية بكثير حين نتعرف على ما يحدث في العراق مثلا أو في سوريا أو فلسطين أو لبنان أو السودان على كراهيات يتفنن الكارهون في استنباطها وتقديمها على الأرض كما لو أنها براءة اختراع. ما حدث في العراق إبان الحرب الأهلية لا يمكن أن نجد له أمثلة نقارنه بها لأنها غير مسبوقة حتى في المجتمعات ما قبل الإنسانية لأن فيها خيالا لم يراود خيال أي مخرج سينمائي.

انتعاش الكراهيات بين الناس يستمد قوته من العزلة الجغرافية كما يقول الباحث نادر كاظم، من الانكفاء والسرية والتقية، لكن التطور الحاصل في العالم الحديث خصوصا في تقنيات الاتصال لم يستطع القضاء على هذه الكراهية، إن لم يكن قد وفر لها وسيلة سريعة لتوصيلها في أقل وقت ممكن. وإذا كانت العزلة توفر طريقة مثالية لنمو الكراهيات داخل هذه الجماعات فإن وسائل الاتصال الحديثة تعينها على إعادة إنتاج كراهياتها عن طريق هذه الوسائل بسهولة أكثر مما كان يتوقعها علماء النفس والاجتماع والفلاسفة.

من الملفت للانتباه أن الكراهية لا تتجه إلى أشخاص غير مهمين بقدر اتجاهها إلى أكثر الناس أهمية، وإلا لماذا يكرهك الناس إن لم تكن مؤثرا في محيطك أو إذا كنت نكرة؟ ولا تتعدّى الكراهية الأشخاص بوصفهم أصحاب أفكار أو زعماء ولكن تتقدم إلى المفاهيم والقيم والانتماءات واللون واللغة حتى. فيمكن أن تقع ضحية لمجرد أنك تؤمن بفكر معين أو أنك تنتمي إلى جماعة محددة لتكون مصدر كراهية. أكثر الأمثلة جدية حول هذا الأمر يناقشها الباحث نادر كاظم من خلال تصورات ماركس وإنجلز عن البرجوازية والبروليتارية والمجال العام وقدرته على إلغاء هذه الكراهيات بعد تسلم العمال سلطة العالم.

لا ينفي نادر كاظم أن فكرة ماركس وإنجلز لم تكن صالحة لمثل هذا التفسير ولا يخفي انحيازه إلى فرويد في تقدير هذا الأمر، لأنه لا يملك خيارا آخر لإثبات ما يريد أن يصل إليه، وقد فعل حسنا حين اختار الحقيقة العلمية بدل الأوهام التي عاشتها أجيال كثيرة لم تحصد طيلة عقود غير الإذلال والمهانة والتكفير لمجرد أنها كانت تنمّي هذه الأفكار.

أهمية هذا الكتاب تنبع من أن المنطقة التي نعيش فيها تمرّ بحالة غير معقولة من الاضطراب وتجتاحها حالة من الكراهية أقرب إلى الفيروس وتنذر بتصاعد كراهيات منفلتة وعريقة قد تنقل المنطقة كلها إلى حالة سماها الجاحظ “نفس العرب” تلك التي لا تبقي ولا تذر لأن نفس العرب هذه الكراهية الموغلة في التاريخ لا تضع حاجزا مهما كان في حسبانها إذا أرادت أن تنطلق حتى لو كان الشخص مصدر الكراهية أخاك.

15