نادني باسمي

الخميس 2015/08/20

في صباي كنت أجد متعة قصوى حين يناديني أحد أفراد العائلة باسمي عوضا عن الألقاب الكثيرة التي كانوا يطلقونها علي. وكان ذلك يشعرني بالتميز والخصوصية، من جهة، وبالفخر والمسؤولية من جهة ثانية، على نحو لم أكن أجد له تفسيرا، إلى أن قرأت دراسة أميركية تقول إن مناداة الشخص باسمه علامة من علامات الاحترام، والجدية وهما عاملان مهمان في أي علاقة، أيا كانت طبيعتها، فالاسم حميمي أكثر مما قد يخيل لنا، وهو من أكثر الأشياء التصاقا بالشخص، وربما لهذا السبب تحديدا لم يكن آباؤنا ينادون بعضهم بالاسم ويكتفون بـ “يا” مثلا كما في المجتمعات التونسية، لإحساس داخلهم بأن مناداة الشريك بالاسم لا يقل حميمية عن تبادل القبل أو اللمس مثلا.

تكثر في ثقافتنا العربية، مناداة الأزواج لبعضهم بعضا بألقاب وألفاظ ومسميات من قبيل”حبيبي أو حبيبتي”، “يا عمري”، “يا روحي”، “يا حياتي”، “يا ماما” وغيرها من الألفاظ والمصطلحات التي يقصد بها التدليل والمجاملة، وتلطيف أجواء البيت وبث نوع من الود والمحبة في مخاطبات الأسرة اليومية.

يبدو الأمر عاديا، بل ولطيفا أيضا، إلا أن الواقع يقول إن مناداة الشخص باسمه أيا كانت علاقتنا به يأتي بنتائج أفضل ويؤسس لحوار متوازن وبناء.

أسباب ذلك كثيرة، من بينها أن الاستعمال المفرط لهذه الألفاظ “الغزلية” يفقدها حمولتها العاطفية، ويفرغها من كل دفقة أو شحنة شعورية، ومع التعود، تصبح مرادفا وبديلا للاسم لا غير، والأجدر أن تستعمل هذه العبارات في مواقف ومواضع عاطفية ورومانسية حقيقية، ليكون وقعها على المتلقي أقوى وأصدق.

السبب الآخر هو أن تبدل المواقف والحالات النفسية للشريكين، ومرورهما بلحظات غضب أو عتاب أو شجار، مع الإصرار على مناداة الطرف الآخر بمصطلحات مثل”حبيبي” و”روحي”، يجعلها تبدو كما لو كانت نوعا من الرياء والتزلف، وقد تعطي انطباعا بعدم أخذ الطرف الآخر الحالة مأخذ الجد، إذ يبدو الأمر كما لو أنه تلطيف سطحي لها بدل الغوص في مسبباتها ومعرفة دواعي الغضب أو العتاب، وقد تأتي بنتائج عكسية وتزيد الموقف تعقيدا.

يوجد أيضا لدى البعض اعتقاد بأن الإكثار من هذه المصطلحات يقصد به التمويه والتغطية، مما قد يثير الريبة أكثر ويجعل الطرف الآخر في حالة تحفز وشك مستمرة.

وقد تنشأ بين الطرفين مراقبة لصيقة لاستعمالات هذه الألفاظ وربطها بمواقف وحالات معينة، وتحدث ارتباطات شرطية لدى المتلقي فتفسر كثرتها أو قلتها على غير وجه، وتؤخذ تأويلات وقراءات ليست صحيحة بالضرورة.

وقد انتبهت علوم التواصل الحديثة إلى أهمية الاسم وحساسيته، فقامت بتوظيفه في مجالات عديدة بغية تحقيق نتائج أفضل سواء لأغراض تسويقية أو في علم التفاوض والخطابة والإبلاغ وغيرها من الميادين.

21