نادية عكاشة: سيدة حديدية تدير ديوان الرئاسة في تونس وتثير رعب الإخوان

صاحبة ميولات يسارية اجتماعية، تدافع دائما عن مبدأ المشروعية المعتمدة على إرادة الشعب، وتؤمن بالدولة الوطنية.
الخميس 2021/08/05
حاملة لمشروع نابع من إرادة الشعب

في استقبالات واجتماعات وزيارات وجولات الرئيس التونسي قيس سعيد، تبدو هناك سيدة في مقتبل العمر دائمة الحضور، يطلق عليها البعض لقب ظل الرئيس، ويقول آخرون إنها مهندسة كل ما يدور في قصر الرئاسة بقرطاج، ويصفونها بالسيدة الحديدية التي كان لها دور كبير في بلورة المشروع السياسي للرئيس وفي استقطاب الأنصار والمؤيدين الذين أوصلوه إلى سدة الحكم.

إنها نادية عكاشة الوزيرة مديرة الديوان الرئاسي، التي تنطلق من قاعدة فكرية مشتركة مع سعيّد، وكما كانت إحدى طالباته اللامعات، كانت كذلك ضمن تلك المنظومة الغامضة التي تحركت بقوة ضمن المجتمع المدني بعد العام 2011 وبدأت في تشكيل نواة لمشروعها الفكري والسياسي بعد انتخابات 2014 تحت شعار “السيادة للشعب” لتجعل من أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد جوادها الذي تخوض به رهان الانتخابات الرئاسية في العام 2019 كمستقل دون غطاء حزبي، وأعطته قصبة الفوز في مفاجأة مدوية لم ينتبه الفاعلون في الداخل والخارج إلى أسرارها الخفية وأدوات تشكيلها إلا بعد الإعلان رسميا عن النتائج النهائية.

امرأة صعبة المراس

الصورة

بعد الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، كانت هناك فتاة في الثلاثين من عمرها ترفع شعار “السيادة المطلقة للشعب” وتتحرك على أكثر من صعيد، ولاسيما في مستوى المتابعة للمسار الانتخابي والعملية الانتقالية بصفتها المحللة القانونية الوطنية لبعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات في تونس سنة 2011 ومستشارة لبعثة المساعدة الانتخابية للاتحاد الأوروبي سنة 2014، وفي الأثناء، لم تكن تنقطع عن الاتصال بسعيد أستاذها الذي تنسجم معه فكريا في تحليل الأحداث ومستجدات الأوضاع في البلاد ومثلها كمثل الكثير من الشباب الذي يحمل الكثير من الإعجاب والتقدير نحو شخصية “الأستاذ”.

وبعد توليه رسميا منصب رئيس للبلاد في الثالث والعشرين من أكتوبر 2019، أحاط سعيد نفسه في قصر قرطاج بفريق من المقربين منه ومن بينهم عكاشة التي كلفها بمهمة مديرة للشؤون القانونية بالديوان الرئاسي، وبعد حوالي 100 يوم، أعلن في الثامن والعشرين من يناير 2020 عن تعيينها مديرة للديوان الرئاسي خلفا لطارق بالطيب.

وفي الرابع من فبراير العام الماضي صدر بالصحيفة الرسمية أمر رئاسي يتعلق بإسناد  عكاشة، مديرة الديوان الرئاسي، رتبة وامتيازات وزير، غير أن وصولها الى ذلك المنصب وتلك الامتيازات تزامن مع بداية المواجهة المفتوحة بين الرئيس سعيد وجماعة الإخوان على خلفية تجاذبات تتعلق بصلاحيات المؤسسة الرئاسية ولاسيما في العلاقات الخارجية والديبلوماسية، وكذلك حول السلطات التنفيذية عندما فشلت حكومة مرشح حركة النهضة الحبيب الجملي في نيل ثقة البرلمان، وذهاب المبادرة إلى الرئيس سعيد الذي اختار وزير المالية الأسبق إلياس الفخاخ لتشكيل حكومة جديدة لم تشعر الحركة بالاطمئنان إليها، رغم مشاركتها فيها بستة وزراء، لتنطلق بعد ذلك معركة الإطاحة بحكومة الفخفاخ ولي ذراع الرئيس بالعمل على عزل الوزراء المحسوبين عليه في وزارات السيادة، فالإخوان كانوا يستشعرون خوفا من إمكانية أن يحاصرهم سعيد بملفات الفساد وشبهات الإرهاب، أو أن يسد أمامهم سبل التمكين والعبث بمقدرات البلاد.

نادية عكاشة تعتبر نفسها على استعداد دائم للدفاع عن رؤية الرئيس سعيّد التي تشاركه إياها

وفي منتصف يوليو 2020، اضطر الفخفاخ إلى تقديم استقالته إلى الرئيس حتى لا يمنح النهضة وحلفاءها فرصة سحب الثقة منه تحت قبة البرلمان، وبعد 10 أيام، قرر الرئيس ترشيح وزير الداخلية في الحكومة المستقيلة هشام المشيشي لتشكيل حكومة جديدة، تضمنت لائحة أعضائها شخصيات لم ترض عنهم النهضة مرة أخرى، وسعت منذ البداية إلى عزلهم، عبر الاستحواذ على المشيشي ونقله من فلك الرئاسة إلى فلك معارضيها ليصبح تحت رحمة حزام برلماني يقوده راشد الغنوشي، وهو ما زاد من حدة الأزمة السياسية في البلاد، بينما لم يكن مؤشر الإخوان وحلفائهم قادرا على التقاط أي ذبذبات سوى تلك المتعلقة بعكاشة، فهي بالنسبة إليهم المسؤولة عن كل مواقف وقرارات الرئيس سعيد، وعن التعيينات الحكومية، وعن التسريبات عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لتتحول إلى هدف لسهام الإسلاميين ومن يقفون معهم على نفس الناصية.

وتعتبر عكاشة من نساء تونس المتشبعات بمفاهيم الحداثة، ولها ميولات يسارية اجتماعية، تدافع دائما عن مبدأ الشروعية المعتمدة على إرادة الشعب، وتؤمن بالدولة الوطنية وتاريخها ورموزها ونضالات قادتها وزعمائها، وهي معروفة بموقفها الرافض للإقصاء، وكانت في العام 2013 أكدت أنها ضد ما سمي آنذاك بمشروع قانون تحصين الثورة الذي حاول الإخوان استعماله للضغط على حركة نداء تونس وزعيمها الباجي قائد السبسي، كما أنها من المؤمنات بالواقعية السياسية، ويعتبرها البعض امرأة حديدية وصعبة المراس، حتى أن الاتحاد العام لطلبة تونس اقترح في يوليو 2020 على الرئيس سعيد ترشيحها لرئاسة الحكومة بعد استقالة الفخفاخ لتكون أول امرأة تتولى هذه المسؤولية في البلاد.

 هدف رئيسي للإخوان

فشل حملات الشيطنة
فشل في حملات الشيطنة

هناك من يعتبر أن عكاشة استطاعت تشكيل شبكة ضغط قوية، والواقع أنها استفادت من شبكة كانت هي ذاتها واحدة من أبرز ناشطيها خلال السنوات الماضية، ألا وهي تلك التي حملت مشروعا ودفعت سعيد إلى تصدره، لتصنع حالة من التغيير بالاعتماد على المجموعات المغلقة على مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك عبر الاتصال المباشر مع العناصر التي شكلت نظام العناقيد بتفرعاته المدهشة كما ظهرت في الانتخابات في 2019 وفي الخروج الاحتجاجي ضد الإخوان ومنظومة الحكم في الخامس والعشرين من يوليو الماضي.

وتعرضت عكاشة إلى واحدة من أشرس حملات الشيطنة التي أدارها الإخوان على مختلف الأصعدة، وشاركت جهات عدة من الداخل والخارج في تلك الحملة، وتم الترويج لتسريبات مزعومة بهدف إرباك مؤسسة الرئاسة وإظهارها للعموم على أنها مخترقة، وكذلك بهدف إقناع الشعب التونسي بأن لا شيء يخفى عن الإخوان، وتحولت عكاشة إلى هدف يومي للقصف من خلال الصفحات الممولة على موقع الفيسبوك، وحاول البعض اشتكاءها إلى السفارات الأجنبية، ونعتها باليسارية الاستئصالية والدكتاتورية كما حدث سابقا مع بعض المقربين من الرئيس قائد السبسي، عندما أعلنت حركة النهضة دعمها للمترشح سعيّد في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية للعام 2019 بعد فشل مرشحها عبدالفتاح مورو في الدور الأول، أطلقت العنان لأنصارها وحلفائها في الداخل والخارج لتقديمه على أنه الزعيم المؤمن الزاهد الديمقراطي المدافع عن الهوية والقريب من الإسلام السياسي وصولا إلى حد تلقيبه بعمر بن الخطاب الجديد، ولكن ما إن كشف عن استماتته في الدفاع عن استقلاليته وصلاحياته ورفضه للابتزاز وانحيازه للشعب ورفضه لمحاولات أخونة الدولة والمجتمع وعدم سماحه باستعمال أراضي بلاده كمنطلق للتدخل التركي المسلح في ليبيا وفتحه جسور تواصل جدي مع الشركاء التقليديين لتونس ولاسيما محور الاعتدال العربي، حتى التفت الإخوان والدائرون في فلكهم إلى تلك المرأة التي تدير الديوان الرئاسي وتتولى أمانة سر الرئيس، متهمين إياها بالعمل على عزل سعيّد وإبعاده عنهم ومنعه من الاستجابة لطلباتهم وتنفيذ رغباتهم.

قليلا ما تتكلم عكاشة، ولكنها عندما تتكلم تحسب كلماتها جيدا، وتعرف كيف توجه رسائلها، وهي لا تكتفي بوظيفتها الرسمية، وإنما تحمل على كاهلها مشروعا تشترك فيه مع الرئيس ومع جيل من الشباب يثق في سعيّد، ويراه كفؤا لإحداث تحولات جديدة في المسار السياسي والديمقراطي، تعطي للجيل الصاعد الموقع اللائق به في التأسيس للغد الأفضل، وتحقق تجربة تونسية قد تكون متفردة في الديمقراطية الشعبية التي تقطع مع الفساد وتمنع الجانب الدكتاتوري من الديمقراطية الفاسدة التي تجعل من الفوز في الانتخابات منطلقا للانقلاب على أهدافها باستخدام الحصانة البرلمانية للتهرب من القانون، والسياحة الحزبية لتغيير الولاءات ونكث الوعود الانتخابية، وتحويل الأحزاب السياسية إلى مجرد شركات لبيع الوهم تدار من قبل لوبيات تحترف نهب المال العام والعبث بمقدرات الدولة.

نادية عكاشة تعرضت إلى واحدة من أشرس حملات الشيطنة التي أدارها الإخوان بهدف إرباك مؤسسة الرئاسة وإظهارهاعلى أنها مخترقة

ولدت عكاشة في الأول من يوليو 1981 بتونس، ويقول المقربون منها إنها كثيرا ما عرفت بالجدية والهدوء والانضباط، ربما من أجل ذلك اختارت دراسة القانون بعد نيلها شهادة الباكالوريا (الثانوية العامة) سنة 2000، وفي العام 2004 حصلت على بكالوريوس في العلوم القانونية من كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس العاصمة حيث كان سعيد من بين أساتذتها البارزين بعد أن التحق بها للتدريس في اختصاص القانون الدستوري منذ العام 1999 بعد سنوات طويلة من التدريس والإدارة بكلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية بسوسة.

وفي العام 2005 حصلت نادية على شهادة الأكاديمية الدولية للقانون الدستوري بتونس ثم على الماجستير في القانون العام والمالي في العام 2006 ثم على دكتوراه في القانون في العام 2017 بعد تقديمها أطروحة حول السلطة المعيارية للقضاء، وتولت التدريس كأستاذة مساعدة قارة بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس منذ يوليو 2017، كما كانت قبل ذلك مساعدة دائمة بجامعة تونس المنار منذ 2011 مكلفة بالدروس الميسرة في القانون الدستوري. وأشرفت على تسيير قسم القانون بجامعة تونس الدولية الخاصة من سبتمبر 2017 إلى مارس 2019.

وإلى جانب ذلك، تنشط عكاشة كباحثة في معهد “ماكس بلانك” للقانون العام والقانون الدولي المقارن في هايدلبرغ بألمانيا، وهي مهتمة بالقانون الدستوري والعدالة الدستورية والقانون الدستوري الدولي، كما كانت باحثة بمعهد لوي فافورو ضمن فريق الدراسات والأبحاث المقارنة حول العدالة الدستورية بكلية القانون والعلوم السياسية بجامعة إكس مرسيليا من ديسمبر 2012 إلى يناير 2013 ومستشارة لدى البعثة الأوروبية لتقييم الانتخابات بليبيا بين يوليو 2012 ونوفمبر 2012.

وتم اعتمادها كخبيرة لدى برنامج مؤسسة كونراد أديناور لدعم دولة القانون بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا من السادس عشر من أكتوبر إلى السادس والعشرين من ديسمبر 2017، مكلفة بإعداد دراسة مقارنة حول إجراءات حماية الحقوق الأساسية أمام المحاكم الدستورية وآلياتها، وكذلك خبيرة قانونية لدى العديد من المنظمات الدولية، كما شغلت خطة مساعدة للخبير القانوني لدى بعثة ملاحظة الانتخابات التابعة للاتحاد الأوروبي بتونس بين العاشر من سبتمبر 2011 والعشرين من نوفمبر 2011 ومستشارة لدى الاتحاد الأوروبي حول مشروع التقرير الختامي المتعلق ببعثة ملاحظة الانتخابات بتونس، ديسمبر 2011.

نادية عكاشة من نساء تونس المتشبعات بمفاهيم الحداثة وتدافع دائما عن مبدأ الشروعية المعتمدة على إرادة الشعب

ولنادية بحوث ومؤلفات أكاديمية فردية جماعية من أبرزها “مساهمة القاضي الدستوري في الوظيفة التشريعية” وهي رسالة لنيل الماجستير في القانون العام والمالي بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، وقد صدر عن المنشورات الجامعية الأوروبية 2011، ومساهمة في مؤلف “القانون الدستوري الأفريقي”، تحت إشراف الأستاذ رافع بن عاشور والأستاذ موريس كامتو، 2017. وهو قيد النشر، ومساهمة في تأليف المعجم الدستوري، تحت إشراف الأستاذ بن عاشور، وقد صدر عن مركز النشر الجامعي 2011، ومساهمة في تأليف المعجم المبسط للقانون الدولي والمؤسسات الدولية، وصدر عن مركز النشر الجامعي 2006.

وتحظى عكاشة بعضوية الجمعية التونسية للقانون الدستوري، وجمعية قدماء الحضور بالأكاديمية الدولية للقانون الدستوري، وجمعية قدماء كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، وهي عضو سابق بالجمعية الفرنسية للقانون الدستوري.

وتتمثل العلاقة بين عكاشة وسعيد في علاقة الطالبة المجتهدة بأستاذها في مادة القانون الدستوري الذي ترى فيه مثلا أعلى، ثم بزميلها الذي تحترم اختياراته، وفي نفس الوقت تتحرك معه من داخل منظومة فكرية واحدة، وطموح سياسي واحد، وتعتبر نفسها على استعداد دائم للدفاع عن رؤيته التي تشاركه إياها، وتعتقد أن أغلب التونسيين يؤمنون بها، وهي التي تتأسس على مبدأ قوة الدولة وحق الشعب في تحقيق إرادته، ووفق نظرة حداثية متقدمة تقاوم سطوة الأيديولوجيا وتحترم مبادئ الحرية.

6