نادية لطفي شقراء السينما وسيدة المواقف السياسية والإنسانية

الفنانة نادية لطفي صادقت معظم أدباء عصرها وتعلمت منهم، وأسهموا في تغذية موهبتها وصقلها فأشعلت أنوثة النساء بلغة الجسد.
الخميس 2018/10/11
مهرجان الإسكندرية يكرّم ذات النظارة السوداء نادية لطفي

عبرت الفنانة المصرية القديرة نادية لطفي عن سعادتها الكبيرة بعد احتفاء مهرجان الإسكندرية السينمائي بها في دورته الـ34 والتي حملت اسمها خلال الأيام القليلة الماضية. أما الأمير أباظة رئيس مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط فقد رد على رسالتها الشاكرة قائلا “نادية لطفي صانعة البهجة والسعادة شكرا لك”.

ذات مساء دخلت بولا محمد مصطفى شفيق منزل صديق للعائلة، وقابلت هناك المنتج الشهير رمسيس نجيب، بعد مضي وقت قصير، خرجت من المنزل مع اسمها الجديد؛ نادية لطفي. شقراء السينما وسفيرة الفن الراقي، مواقفها الإنسانية والسياسية جعلتها أيقونة في السينما والحياة، وملكة متربعة في قلوب الكثير من عشاق الفن السابع.

قالت إن المصادفة لعبت دورا محوريا في حياتها، فالحیاة “كلها مجرد مصادفة، لم أسع یوما للظهور في السینما، التمثیل لم یكن من هوایاتي وأنا طفلة، ربما كرهته، بعد (خیبتي الثقیلة)، لما فشلت في تمثیل مسرحیة (البخیل) في حفلة المدرسة السنویة”.

ولدت في 3 يناير 1937 بحي الوايلي بمنطقة عابدين، لأب من صعيد مصري وأم اختلفت الأقوال حول جنسيتها، فمرة يقال مصرية ومرة يقال تركية أو بولندية. حازت دبلوم المدرسة الألمانية، وتزوجت ثلاث مرات انتهت بالانفصال، بعد أن أنجبت ابنها الوحيد أحمد من زواجها الأول. أما اسم ‘نادية لطفي’ فهو وليد تعلقها بشخصية بطلة فيلم “لا أنام”، للكاتب إحسان عبدالقدوس. أما مساحة الألم فهي كبيرة في حياتها، فالحب يبقى في قلب الفنان ليحترق به إلى الأبد.

لويزا وترامب

الفن رسالة، ضلع في معادلات القيم والفكر، عصب تطور أي مجتمع، ومن ثم قد يتخذ الفنان مواقف في الواقع لا تقل أهمية عن أدواره داخل الكادر، مشاهد حياة نادية أثبتت صحة هذه الفرضية، حتى أطلق عليها الشاعر المصري كامل الشناوي “مواقف لطفي”.  عندما اعتزلت رفضت الاختفاء “وراء الشمس″، وامتازت عن الكثير من بنات جيلها، بمشاركاتها في النشاط الاجتماعي والسياسي والوطني.

دورها في شخصية "لويزا" في فيلم "الناصر صلاح الدين"، يجسد ضميرا أوروبيا يستيقظ، بعد أن أفزعته جرائم الفرنجة بأهل القدس، مبرقا عن إمكانية اللقاء بين الشرق والغرب
دورها في شخصية "لويزا" في فيلم "الناصر صلاح الدين"، يجسد ضميرا أوروبيا يستيقظ، بعد أن أفزعته جرائم الفرنجة بأهل القدس، مبرقا عن إمكانية اللقاء بين الشرق والغرب

في مداخلة هاتفية بإحدى الفضائيات، بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أوضحت الفنانة أنها لم تتفاجأ، فالانحياز لإسرائيل راسخ، المفاجأة الحقيقية أننا متفاجئون، والمفاجأة الأكبر أننا لم نعمل حساب شيء على الإطلاق، وطالبت العرب بموقف واضح بشأن فلسطين والقدس.

ألم تكن هي لويزا في فيلم “الناصر صلاح الدين”، والتي جسدت ضميرا أوروبيا يستيقظ، بعد أن أفزعته جرائم الفرنجة بأهل القدس، وأبرق دورها لإمكان اللقاء بين الشرق والغرب، في تكذيب لمقولة البريطاني كيبلينغ عن استحالة ذلك، ولمقولة هنتنغتون عن ضرورة “صدام الحضارات”.

في عام 1982 استقلت “شقراء السينما” سفينة إلى بيروت، وانضمت إلى الفلسطينيين، عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وأسهمت بالكاميرا في فضح مجازر اريل شارون رئيس وزراء إسرائيل الأسبق. في عام 2003، قررت إعداد كتاب وثائقي عن الحروب ضد العالم العربي، منذ عام 1956 وحتى 2003، خصوصا الغزو الأميركي للعراق.

جيوش الشمس

لأن الفنان الأصيل يتفاعل بإحساس مع معطيات البيئة الاجتماعية، فقد مارست نادية لطفي التمريض لعلاج المصابين في حروب مصر، بدءا من العدوان الثلاثي 1956 إلى أكتوبر 1973، وسجلت شهادات الجنود في فيلم وثائقي“جيوش الشمس” مع شادي عبدالسلام، بمستشفى قصر العينى، ثم جمعت رهطا من كبار الكتاب والفنانين إلى الجبهة.

وفي عز سطوة الإخوان المسلمين في مصر، قالت إن “محمد مرسي (الرئيس الإخواني) ينفع يكون كوميديا، لأنه بيموتني من الضحك”.  ووصفت ثورة الشعب ضدهم، في 30 يونيو 2013، بأنها “معجزة إلهية”، ولم يمنعها المرض من حضور مراسم تسليم الحكم، من الرئيس المؤقت عدلي منصور إلى الرئيس المنتخب عبدالفتاح السيسي، بالقصر الجمهوري.

وهمس لها الإعلامي مفيد فوزي: كيف عبرت قلة الحركة وقاومت المرض؟ ردت في عفوية “كنت خايفة المشهد ده يروح مني”.  أما إنسانيا، فقد وقفت إلى جوار نجوم بلا حصر، سندا ومعينا في أوقات الشدة والمرض، مثل جورج سيدهم وكمال الشناوي الذي كانت تراه فتى أحلامها خلال المراهقة.

مازالت تفعل ذلك بالحماس نفسه، برغم أزماتها المرضية، وتتبنى جمعيات لرعاية مرضى الكلى، والرفق بالحيوان. حتى صرح أشرف زكي نقيب الممثلين أنها رفضت أن يدفع أحد مليما من تكلفة علاجها، وهاتفها الرئيس السيسي للاطمئنان عليها، وزارتها حرمه في المستشفى، وبعد ذلك تم نقلها لمستشفى المعادي العسكري الذي تعالج به حاليا.

ضد القبح

الجمهور العربي لا ينسى مشاهد خالدة لنادية لطفي مثل مشهد "زنوبة" جالسة على "طشت الغسيل" الذي أثار إعجاب نجيب محفوظ نفسه
الجمهور العربي لا ينسى مشاهد خالدة لنادية لطفي مثل مشهد "زنوبة" جالسة على "طشت الغسيل" الذي أثار إعجاب نجيب محفوظ نفسه

عبر مشوارها الفني، حصدت الكثير من الجوائز: جائزة المركز الكاثوليكي وجائزة المؤسسة العامة للسينما وجائزة مهرجان طنجة، والتقدير الذهبي من المغرب، والتقدير الذهبي من الجمعية المصرية لكتاب السينما، وأطلق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي اسم “نادية لطفي” على دورته السادسة والثلاثين عام 2014، وحمل بوستر المهرجان صورة “عيني نادية”.

ومؤخرا، منحتها أكاديمية الفنون الدكتوراة الفخرية، وحرص مشاهير الفنانين على حضور تكريمها، تقديرا لمشوار حافل بالفن الراقي والمواقف المشهودة.

 لم تسقط يوما في فخ الابتذال والتسطيح، منذ أن قامت بدور البطولة في أول أفلامها “سلطان” عام 1958. واصلت العطاء لمدة ثلاثين عاما، قدمت مسلسلا تلفزيونيا واحدا “ناس ولاد ناس”، ومسرحية واحدة “بمبة كشر”، و75 فيلما آخرها “الأب الشرعي” عام 1988؛ ثم اعتزلت لتتفرغ لنشاطاتها الخيرية والسياسية.

سئلت مرة عن سر اعتزالها مع أنها يمكن أن تقدم الكثير، فقالت “لم أعتزل الفن بل اعتزلت (العفن)، لا أستطيع أن أوقع عقدا على سيناريو مسموم، الجمهور بالنسبة لي أمانة، وأبسط الأشياء أن أمتنع عن تداول المواد السامة، والفنان الذي يفعل عكس ذلك، يقتل أفكارا، يقتل أرواحا، يضيع أمانة ويعطي لجمهوره مفتاح الانحراف والسقوط”.

احترمت فنها وجمهورها، فصانا قدرها “أيقونة سينمائية”، لكن إغداق التكريم تلو التكريم عليها يندرج في إطار توجه للاهتمام بمكامن القوة الناعمة لمصر، وهي رأس مال ضخم معنويا وماديا.

بدأت في ثلاثينات القرن الماضي، ومرت صناعتها بمراحل صعود وهبوط، ارتبطت بتحولات المجتمع المصري والعربي، طيلة الخمسين عاما الماضية، مثلما رصد الدكتور جلال أمين، في كتابه “ماذا حدث للمصريين”.

حراك اجتماعي اقترن بانفتاح اقتصادي وتغير سياسي، انحدر الذوق العام عندما ضربته “هوجة” أفلام “الوجبات السريعة أو المقاولات”، “كولاج” من الكوميديا المسفة والعنف الجارف والجنس والمخدرات، بشكل مبالغ فيه، منتجون لا تعنيهم سوى إيرادات الشباك، مثل ذلك الجزار الشهير الذي صار منتجا، ولفت الأنظار بطرق غريبة وقبيحة، بهدف عزيز الطلب.

 شكا الكاتب الراحل محفوظ عبدالرحمن أيضا، قبل وفاته ببضعة أشهر، من أن السينما “بيعت لأناس يكسبون منها كثيرا، على حساب الأخلاق والفن والرؤية والإبداع”، مطالبا بعودة الدولة للإنتاج السينمائي.

اسم "نادية لطفي" وليد تعلقها بشخصية بطلة فيلم “لا أنام”، للكاتب إحسان عبدالقدوس
اسم "نادية لطفي" وليد تعلقها بشخصية بطلة فيلم “لا أنام”، للكاتب إحسان عبدالقدوس

غير أن الاحتفاء بأفلام نادية لطفي يعكس انحيازا وحنينا للقيم الجمالية، في مواجهة القبح والإسفاف، ملأت “سيدة المواقف” الشاشة بأعمال متميزة، كثير منها ضمن كلاسيكيات السينما، لم يخل أي فيلم من قضية، ولم يخل أداؤها من إدراك لماهية تلك القضايا، لم تكن تملك فطرة فنية فقط، بل مواقف تحمل مبادئ.

في “المومياء” أحد أهم مئة فيلم مصري، وافقت على دور لا يتجاوز دقائق، تظهر فيه عابرة دون حوار، عيناها تنطقان بالمكنون، وتشي بالمسكوت عنه. يرى بعض فلاسفة الجمال أن القيمة الجمالية قيمة اجتماعية، وقد احتاج المخرج شادي عبدالسلام دعم نجمة تكون قاطرة للمشروع الحلم، وأرادت نادية أن يرتبط باسمها بشيء من التاريخ، لم يكن ذلك عشوائيا، بل عن إدراك لدورها كفنانة ملتزمة اجتماعيا.

التراسل الفني بين السينما والأدب لا سيما الرواية، سبب آخر لاكتساب أفلامها قيمة جمالية واجتماعية؛ الفيلم سرد بالصور مثلما الرواية سرد بالكلمات، والاختلاف بينهما ينبع من طبيعة الأداة نفسها.

صادقت نادية معظم  أدباء عصرها وتعلمت منهم، وأسهموا في تغذية موهبتها وصقلها، قدمت عدة أعمال  لإحسان عبدالقدوس، مثل “النظارة السوداء”، “لا تطفئ الشمس”، “وسقطت في بحر العسل”، و“أبي فوق الشجرة” الفيلم الذي حطم أرقام الإيرادات التي سبقته في السينما المصرية.

وقامت ببطولة فيلمين ليوسف إدريس، هما “قاع المدينة”، وهو نقد جارح لصور غياب العدالة في المجتمع، والثاني “على ورق سوليفان”، وكان نجيب محفوظ أحد المشاركين في كتابة “الناصر صلاح الدين”، ومن أعماله قدمت “السمان والخريف” و“قصر الشوق”.

طوق نجاة للسينما المصرية

ولا ينسى الجمهور مشهد “زنوبة” جالسة على “طشت الغسيل”، وعبدالمنعم إبراهيم “يخرط الملوخية”، وهي تغني وترقص بخفة “بس قولوا لأمي، طب وأنا مالي، طيب يا غزالي”، أداء حار أثار إعجاب محفوظ نفسه.

اليوم تتعالى الأصوات بضرورة العودة إلى الأدب كطوق نجاة للسينما، شكلا ومضمونا، بعيدا عن فكرة “الجماهير عايزة كده”، التي حولت السينما المصرية على أيدي أمثال السبكي إلى سلعة تجارية، محشوة بالتابوهات الاستعراضية والعنف الطافح والعري، بلا مناسبة درامية، تيار مدمر للذوق والأخلاق والقيم.

هذه الدعوات بدأت تلقى استجابة، اتجه بعض المخرجين، خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة إلى إعادة بناء الجسور مع الأدب، وبرغم محدودية المحاولات، فإن النتائج كانت جيدة، تتوالى تباعا أفلام مأخوذة عن “روايات” مثل “الفيل الأزرق” و“تراب الماس” للكاتب أحمد مراد، و”هيبتا” لمحمد صادق و“مولانا” لإبراهيم عيسى.

لا أحد يدري في ما كان يفكر المخرج محمود ذو الفقار حينما قرر أن تكون نادية لطفي وسعاد حسني بطلتي “للرجال فقط”، يحكي الفيلم عن فتاتين تحاولان إثبات أن المرأة مثل الرجل، فتتنكران في هيئة رجلين وتعملان بمواقع التنقيب عن البترول.

نادية لطفي لم يخل فيلم لها من قضية ولم يخل الأداء من إدراك لماهية القضايا وملكت فطرة فنية ومواقف تحمل مبادئ
نادية لطفي لم يخل فيلم لها من قضية ولم يخل الأداء من إدراك لماهية القضايا وملكت فطرة فنية ومواقف تحمل مبادئ

كيف يمكن أن تأتي بنادية وسعاد، لتصبحا رجلين؟ أين ستخفي كل تلك الأنوثة يا ذو الفقار؟ ربما كان هذا التناقض الكبير والأنوثة التي تفوح في كل كادرات الفيلم سببا في صنع حالة كوميدية، كإطار لفضح الظلم الاجتماعي ضد المرأة، وتلك القضية حاضرة شكلا ومضمونا.

أشعلت نادية لطفي أنوثة النساء بلغة الجسد، وكانت قادرة بـ”ملاية لف” أن تثير حولها زوبعة من إعجاب الرجال، لا تثيرها بنت عصرية ترتدي فستان سهرة أو ديكولتيه يكشف عن صدرها.

لتتصدر صورتها “الأفيشات” وتترات الأفلام، هي ونجمات غيرها، بينما تجاهد ياسمين عبدالعزيز وهند صبري ومي عزالدين ونيللي كريم، في الوقت الراهن، لمقاومة هيمنة الرجل على الساحة السينمائية هذه الأيام.

 كثيرة هي المواعظ الحسنة المستقاة من مسيرة “الأيقونة” نادية لطفي، دروس كبيرة في الإبداع والوطنية والإنسانية، قبل أن تكون شريطا سينمائيا عابرا للأجيال، شريطا ممتعا من الذكريات عن عالم من الشخوص والبشر.

لا نزال نستنشق رحيق سيرتها العطرة، مع توالي العروض وتكرار المشاهدة، ومازالت إبداعاتها تفوح شذى “وردة” لا تذبل مع مرور الزمن، بل تزداد عطرا وجاذبية، إنها إحدى بنات زيوس ربات الإلهام والخيال حتى حين كانت تختفي خلف نظارتها السوداء.

12