نادية مراد وجائزة نوبل للسلام

الخميس 2016/01/14

تتنامى القضية الإنسانية التي طرحتها الإيزيدية العراقية الشابة نادية مراد في أروقة المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان والجهات ذات الصلة بموضوع حقوق الأقليات في العالم. لكونها حالة فيها من الفظاعة ما يستوجب أن يلتفت إليها المجتمع الدولي وهيئاته الإنسانية المتعددة.

وفي مثل هذا الاهتمام الجماعي المكرّس لطرح قضية المرأة المعرضة للانتهاكات في الحروب والظروف العسكرية الملتبسة، بدت نادية في مجلس الأمن علامة من علامات الانتهاك بزواياه المتعددة، مثلما بدت أنها توجه رسالة سلام إلى العالم ولفت أنظاره إلى حقوق المرأة أينما كانت، بطريقة فيها دراما الواقع ومأساته السوداء التي طالت هذه الطائفة بعد احتلال داعش لمناطقها.

تعاطفت معها المجتمعات والدول شرقها وغربها، فقضيتها وقصتها وإن كانت فردية إلا أنها قضية عامة تهم مجتمعا أصيلا في العراق، وطائفة دينية تعدّ من أقدم الأديان في المنطقة بل وفي العالم، وأقلية لها حضورها التاريخي في الأمة العراقية.

ونادية مراد التي كانت أسيرة عند داعش في منطقة سنجار تعرضت إلى انتهاكات جسدية ونفسية تحدثت عنها بصراحة ووضوح أمام أعضاء مجلس الأمن مثلما ذكرتها في حضرة الرئيس المصري والرئيس اليوناني وحضرة شيخ الأزهر، مثلما عرضتها في فضائيات عربية وأجنبية بصورة واضحة وشجاعة قلّ نظيرها في الاعترافات الذاتية، وهي الخارجة من معتقل (جنسي) كل ما فيه شاذ ومتهرئ سلوكا وأخلاقا وأوضحت كيف أنها كانت “سلعة” تباع وتشترى بين عناصر داعش لأكثر من عشرين مرة.

الدعوات المستمرة لترشيح هذه الشابة المنهكة جسديا ونفسيا وروحيا إلى جائزة نوبل للسلام يتوجب على المؤسسات الثقافية العربية أن تساهم فيها وتواكب حملتها فهي الصوت الأكثر قوة وتأثيرا في إيصال الصوت الإنساني بنبرته الثقافية والاجتماعية إلى المحافل كلها، لا سيما وأن قصة قضية نادية مراد باتت معروفة عالميا، وقضية اغتصاب وسبي وبيع الإيزيديات في سوق النخاسة أمر لا مبالغة فيه، فداعش تجاهر بذلك علنا عبر وثائقه الفيلمية المستمرة، وعرفناه كذلك من الإيزيديات الهاربات من معتقلات داعش في السنة الماضية، اللواتي خضن التجربة المريرة بطريقة قسرية كانت قاسية فعلا.

قصة نادية في حد ذاتها قصة سلام لذا فترشيحها لجائزة نوبل سيضفي على الجائزة مصداقية وحيادية في النظر إلى أزمات الإنسان في الشرق الأوسط ولا سيما أزمات الأقليات الدينية التي تعاني من أكثر من حصار وحرب ليست بالضرورة عسكرية إنما مناطقية وطائفية وتعصبية، وهذا ما ثبت في العراق بعد 2003، والأكثر وضوحا هو حينما احتلت داعش المناطق الإيزيدية وعاثت فسادا فيها مثلما هو معروف وموثق مع صمت الحكومة العراقية التي يبدو أنها غير قادرة على فك مثل هذه الحالات أو التماهي مع معطياتها الكثيرة.

مثل هذا المفصل الحرج لم تتعرض له الثقافة العربية كثيرا ولم تُختبر آلياتها الإبداعية فيه عدا الشعور المتضامن بالإنسانية الشاملة التي يتبناها الجميع بلا شك. وأحسب أن قضية الإيزيديين في العراق تحتاج إلى مباضع جراحة ثقافية كثيرة؛ رواية وشعرا وقصة وفنا وسينما، فما وقع من نكبات على هذه الطائفة الدينية الفريدة في تكوينها التاريخي والجغرافي والإنساني يصلح أن تُكتب فيه ملاحم طويلة تستقرئ الكثير من المعطيات والتداعيات، لكن بفهم أخلاقي بعيد عن الأيديولوجيا المسبقة، فالإيزيدية عموما هي مجتمع صغير داخل مجتمع كبير متعدد الأعراق والطوائف والإثنيات والأقليات، لكنه مجتمع طقوسي وشعائري قائم على حركة الحياة وعناصرها الطبيعية. ونظنه مجتمعا بكرا صالحا للكتابة عن هذه الظروف المتداخلة. ولتكن نادية مراد هي البداية.

كاتب من العراق

14