نادين لبكي

الأربعاء 2014/01/29

نادين لبكي مبدعة ذكية، قد تحبها، عزيزي القارئ جملة أو بالتقسيط الممل، فهي مخرجة بارعة وممثلة قديرة وفوق هذا وذاك هي امرأة بجمال صاعق. أتفهم إعجابك الكبير بها حين تتابع حلقة تلفزيونية عن أعمالها، وهي في قمة إشراقها، سواء باعتبارها نجمة سينمائية كبيرة، أو مجرّد مخرجة فيديوكليبات غنائية خفيفة.. تبدو فتنتها خارجية حين تصنع نجومية امرأة أخرى، لها آلاف المعجبين اسمها “نانسي عجرم”، لا تقل عنها سحرا ونعومة طفولية محببة.

استقطبت “نادين لبكي” عبر فيديوكليباتها التجريبية المختلفة، آلافا مؤلفة من المشاهدين العرب. وفي لحظة تلق مستغرق، لا يسأل المشاهد/ المستمع، عن صاحب الكلمات ولا مؤلف الألحان ولا الموزع، يرسخ في ذاكرته فقط صانع الفرجة الخالدة،.. أي نادين لبكي،.. ولهذا يبدو للعموم أن فتنة العمق الموضوعي امتزجت برحلة الإيقاع الشهواني لتلك الغادة الفاتنة التي تؤدي بخفة أغنيات للوقت.

من هنا عزيزي القارئ، لولا أنك استمعت في محفل مليء بما يخلد في الفؤاد من تفاصيل طربية، وضعتك في منزلة بين الخفيف والعابر، قد تكون مستمعا وقارئا وقورا، إنما فقه جمال الضرورة، اضطرّك لتجرّع ما لا يقاوم، وهو ما أدركته منذ البداية “نادين لبكي”، حين وضعتك بين سندان العقلانية المقيمة، ومطرقة التجريب الغنائي السافر الذي يتسلل بصمت إلى القرار العميق.

تبدو في النهاية كل هذه الأشياء خليطا من الجدّ والهزل، لكن في لحظة ما وبما أننا نتحدث عن صور تتعلق بمفارقات اللحظة الثقافية مع نوازع الارتياح والاستجابة، فإن ما جرى ليس ببعيد عن تجاذبات الانتكاسة المقيمة والحبور المثلوم في زماننا.

لقد صنعت نادين لبكي لحظة الفرحة المؤقتة التي شاهدها الملايين عبر أغنيات “نانسي عجرم” وغيرها، في الآن ذاته الذي صاغت فيه عملين سينمائيين روائيين، عبرا مرور الكرام (أو غير الكرام)؛ إذ لم يشاهد فيلميها “سكر بنات” و”هلأ لوين” إلا عدد قليل، في إعلام عربي مشاهدوه بالملايين. الفيلم الأول هو انتقاد لذكورية الحرب، وإصغاء لتلك الانكسارات اليومية الهامشية للبنات في محيط محطم بالكامل، أما الثاني فهو استشراف لصراعات طائفية مقيمة بيننا اليوم، لا تفتأ تنهض من الرماد كالعنقاء في مختلف الأقطار العربية.. يحكي “هلأ لوين” عن قرية في لبنان يستيقظ فيها الصراع الطائفي بعد خفوت خادع لسنوات، إثر حادث بسيط، ويفسد حياة عادية كانت تمضي إلى مستقبلها بطمأنينة، لولا ذاكرة مريضة لا تحفظ من تعاليم الله إلا العقاب.

تنقلنا نادين بفيلمها لإشكال كبير، هو أننا محكومون بمصيرنا الجماعي الذي يستبدّ به الماضي الآفل، حيث يبدو المثقف شخصا دون امتدادات، مجرّد فرد، منبوذ، ومحاصر من قبل عائلته الصغيرة، غير قادر على إقناع الأقرباء. بل هو بالنظر إلى كونه ذكرا أقرب ما يكون إلى الحلول القصوى المدمّرة. من هنا بات مفهوما أن مأساة المثقف العربي اليوم هي تورطه الكبير في ثورة لم يعلن يوما أنها ضدّ ذكوريته المطلقة، ولا ضدّ نزوعه إلى أن يكون قائدا سرمديا بصيغة المذكر. وبالتالي فإن جزءا كبيرا من أسباب الفشل الظاهر لثوراتنا العربية اليوم هي عدم التصالح مع أنثوية عميقة في العمل اليومي، وفي النضال، وفي المنتج الثقافي. هكذا تذكرنا نادين لبكي، بصيغة جمالية رقيقة، ومفعمة بالسخرية المرّة، بأن كل الحروب الطائفية والمذهبية قادها طغاة ذكور من أجل الانتصار لأفكار هي دوما ضدّ الحرية وضدّ العدل وضدّ التشارك. لذا كان أكبر مجاز مدهش وبديع في فيلم نادين لبكي “هلأ لوين”، المحتفى به خارج نطاق التلقي العربي اليومي، هو ذلك المشهد الافتتاحي والختامي أيضا، والذي تشيّع فيه نسوة باكيات مسربلات بالسواد عشرات الصناديق، لشهداء الحرب اليومية الذكور، من الآباء والأزواج والأبناء، ممن حوّلوا دوما مصير المدن والقرى والوطن إلى مجرد مثوى أخير.

كاتب وناقد من المغرب

14