نادي القاهرة للسينما في مرمى النيران

يوسف السباعي نجح في السبعينات في إغلاق المجلات الثقافية المرموقة، وامتد هذا المناخ إلى "نادي السينما".
الأربعاء 2020/03/25
محبّو السينما أرهقهم صراع النقاد في السبعينات

في هذا المقال استعراض لزمن الثقافة السينمائية في سبعينات القرن الماضي من خلال نادي القاهرة للسينما، وما كان يحدث في داخله من صراعات من أجل النشر في وقت ضاقت خلاله المساحات المخصّصة للنقد السينمائي.

في السبعينات كانت الصحف والمجلات قليلة العدد، وكان بعضها يُخصّص صفحات سينمائية مثل “الجمهورية”، ولكن كان سمير فريد هو الناقد الرسمي الذي يحرّر تلك الصفحة. وكان لغيره متنفس في صحيفة “المساء” التي كانت تتميّز بملحقها الأدبي والثقافي.

وكنا نستطيع أن “نتسلّل” أحيانا وننشر فيها بفضل رجل عظيم مثل عبدالفتاح الجمل، كان يلتقط الموهبة الصاعدة ويشجعها ويدعمها ويتعامل معها كما يتعامل مع أكبر الكتاب، وهو درس تعلمت منه وسرت عليه عندما أسّست موقع “عين على السينما”، بل وعندما رأست تحرير مجلة “السينما الجديدة” التي أصدرناها شهريا عن جمعية نقاد السينما المصريين في 2002.

غياب النقد

من المدهش مثلا أن صحيفة كبيرة مثل “الأخبار” وتوأمها “أخبار اليوم” لم تكن كلتاهما تخصّص صفحة للسينما، وهي لا تفعل حتى يومنا هذا. ولكنها تنشر تحقيقات سينمائية وأخبارا وطرائف عالم السينما والنجوم، وغير ذلك ممّا يدخل في باب “المنوعات” وليس النقد السينمائي.

كذلك تفعل “الأهرام” منذ نشأتها حتى يومنا هذا باستثناء فترة قصيرة في الخمسينات والستينات عندما كانت تصدر ملحق الأدب والفن، فهي لا ترحب بالنقد بل بنشر قطع صحافية صغيرة عن السينما المصرية والأميركية تحديدا، وما فهمته أن هذه الصحف كانت عيونها على إعلانات الأفلام وشركات التوزيع، وبالتالي كانت تتجنّب نشر نقد قد يساهم في “ضرب الفيلم”، حسب تعبيرهم الشهير.

كانت “الأهرام” في وقت ما تنشر النقد الأدبي والمسرحي (مقالات الباحث لويس عوض في هذا المجال مشهود لها)، لكنها لم تكن ترحب بمقالات النقد السينمائي. وكانت مجلة “الكواكب” الوحيدة التي تنشر لكتاب ونقاد مثل سعدالدين توفيق وعبدالمنعم صبحي وعبدالنور خليل. ولكن بشكل عام كانت مساحة النشر ضيقة للغاية.

رزق الله كان يُصاحب نقده مقابلة بترجمتها مع المخرج، ومادة تلقي الضوء على فيلمه من زاوية النقد الفرنسي
رزق الله كان يُصاحب نقده مقابلة بترجمتها مع المخرج، ومادة تلقي الضوء على فيلمه من زاوية النقد الفرنسي

وقد تعثّرت باستمرار إصدارات وزارة الثقافة لمجلات السينما المتخصّصة. فمع كل الزخم الذي نشأ في الواقع السينمائي مع تخرّج الدفعات المختلفة من معهد السينما منذ عام 1963، برزت الحاجة إلى وجود مجلة سينمائية تتبنّى الجانب النظري، أي توجّه وتقوّم التجارب السينمائية الجديدة، وتنشر الفكر السينمائي الجديد بحيث تساهم في رفع مستوى التذوّق، لا نبالغ فنقول عند “جماهير المشاهدين” بل على الأقل عند متذوّقي ومحبّي السينما من المثّقفين.

في أوائل عام 1968، أي مع إنشاء “نادي السينما”، صدرت مجلة “المسرح والسينما”، كان يرأس تحرير قسم السينما فيها سعدالدين وهبة، وتكوّنت هيئة التحرير من أحمد الحضري ومصطفى درويش وصبحي شفيق وكان محفوظ عبدالرحمن سكرتير التحرير.

لكن هذه المجلة توقّفت بعد صدور ثمانية أعداد، أي بعد أن أكملت العامين، لتصدر بعدها مجلة “السينما” منفصلة برئاسة تحرير سعدالدين وهبة أيضا وتكوّن مجلس التحرير من أحمد كامل مرسي وأحمد الحضري وصبحي شفيق وسمير فريد ويوسف شريف رزق الله.

ولم تستمر هذه المجلة أكثر من سنة بل أقل وتوقّفت في أكتوبر 1970 بعد وفاة جمال عبدالناصر. أما ما صدر بعد ذلك من مجلات سينمائية فلا يعتدّ به ولا يمكن أخذه على محمل الجد. فقد ظهر بعد أن أسفر الوضع الثقافي الجديد عن وجهه الحقيقي، مع تولي الكاتب يوسف السباعي منصب وزير الثقافة، فقد اتضح أنه جاء بتعليمات من الرئيس السادات لإسكات أصوات مثقفي اليسار. وفي ذلك الوقت كان كل شاب يحمل كتابا ويضع على عينيه نظارات طبية، يُنظر إليه باعتباره شيوعيا خطير الشأن. كان هاجس تعقّب الشيوعيين في الجمعيات والتجمّعات والمنتديات الثقافية قد صنع مناخا محموما.

وقد نجح السباعي في إغلاق المجلات الثقافية المرموقة مثل “الطليعة” و”الفكر المعاصر” و”الكاتب”. ولا شك أن هذا المناخ قد امتد بالضرورة إلى “نادي السينما”.

وأصبح المنبر الوحيد البديل الذي ينشر النقد السينمائي الجاد المتخصّص التحليلي، هو نشرة نادي السينما. وكان النادي نفسه، قد نجح، بعد ست أو سبع سنوات من تأسيسه، أي بحلول عام 1973 - 1974، في تكوين جيل من الشباب المهتم بالنقد السينمائي والتعامل العلمي مع السينما كفن يستحقّ أن يكون له نقاده المتخصّصون شأنه شأن الأدب والمسرح والفن التشكيلي.

من ناحية كان هناك الجيل الأقدم، ولا نقول “القديم”، لأن معظم آبائه كانوا في الثلاثينات أو الأربعينات، ومن هؤلاء على سبيل المثال: سمير فريد (كان في الثلاثين من عمره عام 1973)، وسامي السلاموني (37 سنة)، وهاشم النحاس (36 سنة)، وفتحي فرج (37 سنة)، وربما كان أكبرهم صبحي شفيق (42 سنة) وأحمد الحضري (47 سنة).

ومن الناحية الأخرى كان هناك الجيل “الأصغر” وكان معظم أبنائه في أوائل العشرينات، والبعض تجاوز منتصف العشرينات بقليل مثل فايز غالي وعلي أبوشادي والفاروق عبدالعزيز. وكان هذا الجيل الذي نشأ وتكوّن وعيه في نادي السينما وجمعية الفيلم والمراكز الثقافية الأجنبية مثل المركز الفرنسي والإيطالي والألماني الشرقي والتشيكي، يبحث عن فرص للنشر، للتعبير وللتأثير. ولا أظن أن الأمر كان يتعلّق بمكافآت النشر المالية، وكانت ضئيلة للغاية على أي حال، ولكن الأمر صوّر في وقت ما على أنه صراع حول “الرزق” من قبل بعض المنتسبين للجيل الأول!

صدّ الاحتكار

كان هناك كتاب ثابتون في النشرة هم أساسا سامي السلاموني ويوسف شريف رزق الله وسمير فريد (إلى أن قلّل من كتاباته نسبيا بعد أن كان قد شقّ طريقه مبكرا للنشر في المجلات العربية خارج مصر في منتصف السبعينات)، وبدرجة أقل هاشم النحاس ورفيق الصبان وفتحي فرج وصبحي شفيق وأحمد الحضري. وكان سامي السلاموني تحديدا يذهب يوميا إلى مركز الصور المرئية مقر نادي السينما، ليكتب مقالاته هناك، أو على مقهى “لاباس Lapas” في وسط القاهرة، وكان غزير الكتابة، يمكنه أن يكتب بلا توقّف عن كل ما يصادفه من أفلام أو ظواهر أو أحداث، لا يهم إن كانت مرتبطة بما يعرضه النادي من أفلام أو بما يُعرض في الصالات التجارية وغير ذلك من نشاطات سينمائية.

وكانت هذه الكتابات مفيدة دون شك، وبعضها كان ممتعا أيضا. لكن سامي اعتقد أنه لقربه من الحضري رئيس النادي وعلاقته اليومية بمقر النادي، وأساسا، عضويته في لجنة النشر التي تشرف على ما ينشر في نشرة نادي السينما، تملك أن تجيز أو تمنع أو تختصر، أن من حقه أن يحتل مساحات واسعة من النشرة على حساب مقالات غيره خاصة أبناء الجيل الصاعد ومنهم كاتب هذه السطور، وكنت وقتها لا أزال طالبا في الجامعة.

والملاحظ أيضا أن سامي السلاموني رغم نشاطه الكبير في النادي وفي “جمعية الفيلم”، لم يكن طرفا على الإطلاق سواء في مجلة “المسرح والسينما” (1968 - 1969) أو مجلة السينما” (1970)، أي لم يشارك بالكتابة أبدا في المجلتين. صحيح أنه كان يعمل في مجلة “الكواكب” ثم انتقل منها إلى “الإذاعة والتلفزيون” الأسبوعيتين، لكنه كان أيضا لا يشعر بوفاق مع سعدالدين وهبة ولا مصطفى درويش. وقد يكون هذا هو السبب.

أما يوسف شريف رزق الله فكان يملك مخزونا متجددا باستمرار من المجلات السينمائية الفرنسية كان يحصل عليها عن طريق الاشتراكات أو الشراء خلال أسفاره خارج مصر، ولا بد أنه كان شديد التنظيم في ما يتعلّق بالمواد التي كانت تضمنها هذه المجلات. وكان يعرف جيدا أين يحصل على مقابلة أو موضوع عن مخرج ما، لذلك كان الأكثر نشاطا في موضوع ترجمة كل ما يتعلّق بالمخرجين الفرنسيين وغيرهم ممّن تُعرض أفلامهم في النادي.

لذلك كان يصاحب نقد الفيلم مقابلة أو أكثر ترجمها يوسف مع مخرجه، أو مادة إضافية تلقي الضوء على الفيلم من زاوية النقد الفرنسي. وكان هذا الجهد مفيدا دون شك.

مع تراكم الضغوط والمطالبة بضرورة الانفتاح على كتابات الجيل الجديد والتخلّص من “احتكار” البعض لنشرة النادي، كان لا بد أن ينفجر الوضع، فقد أصبحت هناك شكاوى يتم التعبير عنها بصوت عال من قبل بعض أعضاء النادي ممّن يرغبون في التعبير عن أفكارهم بالكتابة.

لذلك، وفي 19 يونيو عام 1974، دعت لجنة النشرة النادي “أعضاء النادي الذين سبق لهم الكتابة في النشرة أو الذين يرغبون في الكتابة لها وكل المهتمين إلى اجتماع عام آخر بمركز الصور المرئية في أول يوليو 1974 لمناقشة ما يتعلّق بالنشرة وتطويرها. وفتح هذا الباب أمام حملة متبادلة من الانتقادات التي شابها التوتّر بين الطرفين.

16