ناريندا مودي رئيس وزراء الهند الجديد طاويا صفحة غاندي

السبت 2014/05/31
مودي وصعود اليمين في آسيا بعد أوروبا

عرفت الهند كأكثر الأمم تنوعاً وتعددية، كان من الصعب ضمها في دولة واحدة من غير بذل الكثير من الدماء والتضحيات، وكذلك الجهد الحضاري العملاق الذي بذله كبار ساستها على مر القرن العشرين، فكان غاندي ضحية تلك الجهود، وذلك الهدف، ثم تلاه السائرون على نهجه، جواهر لال نهرو وأنديرا غاندي وراجيف غاندي وآخرون… لتبقى الهند كريشنًا هائلاً يميل إلى الوداع والسلام.

ولكن ظهور التيار القومي الهندوسي في السنوات، تزامناً مع صعود اليمين القومي في أنحاء مختلفة من العالم سيما في أوروبا، بات أمراً لا يمكن إشاحة البصر عنه، توّج مؤخراً بفوز ساحق لرئيس وزراء يميني متعصب، هو ناريندا مودي الذي قدم إلى الحكم بوعود صارخة بالإصلاح الاقتصادي والنهضة المدنية للهند، وقد جاء مودي ليحدث زلزلة عنيفة في الهند التي تتركّب على التوافق السياسي والديني والحضاري.

ولد مودي بعد استقلال الهند، في بيت فقير، لبائع شاي هندوسي، والتحق بحزب الشعب الهندي (بهاراتيا جاناتا)، منخرطاً في رياضات روحية، قادته إلى الهيمالايا حيث الرهبنة والتأمل واليوغا التي يواظب على ممارستها بانتظام، ملتزماً نظاما غذائيا نباتيا، وانضم في بداياته إلى المنظمة القومية الطوعية (راشتريا سوايامسيفاك سانغ) التي تعتمد أساليب شبه عسكرية، متبعةً نهجاً هندوسياً متطرفاً، حيث تم حظرها عدة مرات منذ الاستقلال بسبب مواقفها وتصريحات قادتها ضد المسلمين أكبر أقلية دينية في الهند.

هندوسي متعصب قتل غاندي

رمز الهند السلمي، ونبي اللاعنف في القرن العشرين، الذي قتله ابن دينه، الهندوسي، بعد حرب غاندي السلمية ضد الاحتلال البريطاني، بدأت حربه الثانية ضد المجتمع الهندي نفسه، الذي بدأ يتفكك إلى هندوس ومسلمين، ولم يتمكن غاندي من إيقاف التقسيم، بعد أن حاول غاندي إقناع محمد علي جناح الذي كان على رأس الداعين إلى هذا الانفصال بالعدول عن توجهاته لكنه فشل، ومع بدء تقسيم الهند إلى هند وباكستان بدأت الاضطرابات الدينية تعم البلاد، وبلغت من العنف حدا تجاوز كل التوقعات فسقط في كلكتا وحدها ما يزيد عن خمسة آلاف قتيل.

أعلن غاندي رفضه لهذا كلّه، وألمه الشديد من جنوح شعبه إلى العنف والتخلف والتحارب الديني، لتظهر مشكلة كشمير بين الهندين، ليعود غاندي للمطالبة بالوحدة الوطنية بين الهنود والمسلمين “طالبا بشكل خاص من الأكثرية الهندوسية احترام حقوق الأقلية المسلمة”.

أثارت دعوات غاندي للأغلبية الهندوسية باحترام حقوق الأقلية المسلمة، غضب متعصبي الهندوس، واعتبرتها بعض الفئات الهندوسية المتعصبة خيانة عظمى فقررت التخلص منه، وفي 30 كانون الثاني ـ يناير من العام 1948 أطلق ناثورم جوتسى وهو هندوسي متعصب ثلاث رصاصات قاتلة سقط على أثرها المهاتما غاندي صريعا عن عمر يناهز 78 عاما.

مودي رفض الاعتذار عن قتل المسلمين

مع صعود ناريندا مودي، تصعد تلك الروح الهندوسية التي قتلت غاندي، ولكن بعد احتجاب طويل، ولا يعرف ما الذي طرأ عليها من تغيير منذ العام 1948، حتى اليوم، فمودي خاض حملته الانتخابية على أساس قدرته على حكم الهند وإنعاش الاقتصاد ولكنه كان قد تعرّض لانتقادات حادة بسبب موقفه خلال الاضطرابات الطائفية التي وقعت في العام 2002 في ولايته غوجارات، التي كان مودي يرأس حكومتها وتتركز الانتقادات حول عدم تدخّله لضبط الاضطرابات التي قتل فيها ألف هندي غالبيتهم من المسلمين.

رفض مودي الاعتذار عن تلك الأحداث، وعن تقصيره في تحمل مسؤولياته حينها، وقد قاطعته الولايات المتحدة وأوروبا على مدى عقد قبل أن تستأنفا الاتصالات معه مع احتمال فوزه في الانتخابات، ليدافع عنه متعصبون في حزبه، مثل أرون جايتلي الذي قال إن: “الذين يطالبون باعتذارات يريدون أن يجعلوا ذلك يبدو وكأنه اعتراف” مذكرا بأن القضاء لم يتهم مودي. وأضاف أن الهنود تجاوزوا هذا الأمر وأصبحوا الآن يركزون على الآداء الاقتصادي لمودي خلال حكمه ولاية غوجارات على مدى 13 سنة.

ولد مودي بعد استقلال الهند، في بيت فقير، لبائع شاي هندوسي، والتحق بحزب الشعب الهندي (بهاراتيا جاناتا)، منخرطا في رياضات روحية، قادته إلى الهيمالايا حيث الرهبنة والتأمل واليوغا التي يواظب على ممارستها بانتظام، ملتزما نظاما غذائيا نباتيا، وانضم في بداياته إلى المنظمة القومية الطوعية (راشتريا سوايامسيفاك سانغ) التي اعتمدت أساليب عسكرية متطرفة حيث تم حظرها عدة مرات منذ الاستقلال بسبب مواقفها وتصريحات قادتها ضد المسلمين

إدارة أم تسلط

يميل كثير من المحللين إلى اعتبار مودي فرصة كبيرة لأثرياء الهند، فهو مثلهم يركّز على التنمية والرفاه، وقد أعلن باكياً في خطاب له إن الهند “أمّه” التي يريد لها أن تترقى وتزدهر، إذ عاش مودي طفولته في قرية في ولاية غوجارات في مكان بلا كهرباء. واضطر لمغادرة المدرسة في سن السابعة عشرة من عمره، ولم يدرس مودي في الخارج بل حصل على شهاداته العليا بفضل نظام الدراسة بالمراسلة، وهو لا يفضّل التحدّث بالإنكليزية، بل يستعمل لغة مسقط رأسه غوجارات التي انتخبه شبابه، وصوتوا له بناء على إنجازاته في التنمية، حيث شهدت الولاية نموا سنويا بنسبة 10.13 بالمئة بين عامي 2005 و 2012 أي ثاني أعلى معدل نمو في ولايات هندية، مع أن من ينتقدونه يعتبرون “حسن إدارته” نوعاً من الدكتاتورية والتسلّط، بحيث أنه لم يقبل بتشكيل مفوضية لمكافحة الفساد في ولايته، بحيث تبقى الأمور محصورة في يديه، رغم أن وزير داخليته أحمد شاه اتهم بالقتل والابتزاز حين كان مقرباً منه.


الهند ما بعد حزب المؤتمر


وحين يعترف حزب المؤتمر العريق بالهزيمة أمام التقدّم الكبير لحزب بهارتيا جاناتا المعارض، فإن هذا سيعتبر نقطة تحول في تاريخ الهند، خسر راهول غاندي آخر زعماء آل غاندي، فحزب المؤتمر حافظ على تقاليد ثابتة تؤمن بوحدة الهند ووحدة هندوسها ومسلميها، وقال زعيم الحزب والمتحدث باسمه “رجيف شوكلا” أمام الصحافيين: “إننا نقبل بهزيمتنا وإننا مستعدون للجلوس في مقاعد المعارضة” مضيفا أن “مودي وعد الشعب بالقمر والنجوم والناس صدقوا هذا الحلم”، بينما يظهر اليوم من يقال عنه إنه “مستبد يؤمن بتفوق الهندوس”، ليحصل على عدد مقاعد يزيد ست مرات على أقرب منافسيه في انتخابات اعتبرت الأكبر في تاريخ الممارسة الديمقراطية في العالم إذ يحق لـ 814 مليون ناخب التصويت أي بزيادة مئة مليون ناخب عن الانتخابات الماضية، وقد بذل حزب بهاراتيا جاناتا، جهوداً كبيرة في الترويج لمودي الذي ترحّل لأكثر من 300 ألف كيلومتر وتحدث أمام 457 اجتماعا حاشدا في حملته، وقال مودي بعد انتصاره: “مضى عهد السياسات المسببة للشقاق، من الآن فصاعدا سنبدأ سياسة توحيد الناس، نريد مزيدا من القوة لمصلحة البلاد”.

خطتان للحكم

يعتمد مودي على خطتين لحكم الهند، الأولى هي التنمية الاقتصادية، والثانية التصعيد القومي، ولذلك فإن “كريستوف جافريلو” الباحث بمعهد «كينغز كوليدج» في لندن يرى أن مودي: ” سيحكم عليه في مجال الاقتصاد، وماذا لو فشل في إعادة إطلاق الاقتصاد؟ الخطة البديلة قد تكون البرنامج القومي الهندوسي”.

وهنا يكمن خطر صعود اليمين في الهند، التي أصبحت قوة نووية وصناعية، إضافة إلى كونها سوقاً عملاقة للعمل والبضائع، وقد يؤدي اضطرابها إلى إحداث خلل في التوازن العالمي اقتصادياً وسلمياً.

حين كان الحزب القومي الهندوسي في المعارضة قبل عشر سنوات، عرض علنا مشروعا لخلق تحالف ثلاثي بين إسرائيل والهند والولايات المتحدة، ولكن الطبقة السياسية الحاكمة وقتها رأت أن هذا سيضر بمصالح الهند مع أًصدقائها العرب


الباكستان الشقيق العدو

حرص مودي على إعلان رغبته في علاقات أفضل مع باكستان التي حضر رئيس وزرائها نواز شريف حفل تنصيبه كرئيس لوزراء الهند وأدائه اليمين، ليبدأ عهد جديد حذر بين البلدين النوويين، بحيث يتوجّس الباكستانيون من مودي وهو سليل ثقافة مضادة لفكرة باكستان أصلاً كدولة إسلامية مقتطعة من الهند حسب وجهة نظر المتعصبين الهندوس. وقال نواز شريف عن محادثاته مع مودي إنها “لحظة وفرصة عظيمة وهذا يمكن أن يساعد في فتح صفحة جديدة في علاقتنا”.

ومن المتوقع أن يكون مودي قد بدأ حواره مع شريف بالحديث عن علاقة باكستان بالميليشيات المسلحة مثل “لشكر طيبة” والتي تدير عملياتها من باكستان ضد الهند، التي تتهمها بالمسؤولية عن هجمات مومباي الدموية في العام 2008، ويعد حضور نواز شريف حفل التنصيب حدثاً بحد ذاته، لأنه الأول منذ استقلال الهند وباكستان عن بريطانيا في العام 1947.

إسرائيل ومودي

المكان الذي خرجت منه أولى إشارات استقبال التغيير في الهند لم يكن الولايات المتحدة التي رحبت بمودي وأعلن أوباما دعوته لزيارتها بعد أن رفضت حكومته منح مودي قبل سنوات تأشيرة دخول على خلفية علاقته مع أحداث ولايته ودوره فيها ضد المسلمين، ولا من عواصم أوروبا، ولكن جاءت من تل أبيب التي سارع محللوها وسياسيوها إلى اعتبار المعبر الهندي اليوم، معبراً نوعياً وكبيرا، حيث تأمل إسرائيل في أن يؤدي انتخاب “مودي” تحديداً إلى تغيير السياسات الهندية الداعمة للقضايا العربية، وهو الثابت الذي رسّخه جواهر لال نهرو من خلال علاقاته بجمال عبدالناصر، ومشت عليه السياسة الهندية حتى هذه اللحظة.

وحين كان الحزب القومي الهندوسي في المعارضة قبل عشر سنوات، عرض علناً مشروعاً لخلق تحالف ثلاثي بين إسرائيل والهند والولايات المتحدة، ولكن الطبقة السياسية الحاكمة وقتها رأت أن هذا سيضر بمصالح الهند مع أًصدقائها العرب، وأعلن التلفزيون الإسرائيلي أن إسرائيل تطمح إلى تعزيز التعاون العسكري مع الهند في عهد مودي، رغم الترابط الوثيق ما بين الهند ودول الخليج العربي في مجالات اقتصادية وعسكرية وسياسية مختلفة.

سيؤدي انتصار مودي إلى تغييرات كبيرة في السياسة الآسيوية، وسينعكس هذا على المصالح العربية دون شك، لتكون الكرة اليوم في ملعب المشروع العربي المفتقد الذي سيكون موازياً للمشاريع الأممية الناشئة والتي تصعد بقوة في جغرافيا العالم.

12