نازلي مدكور فنانة تحررت من الوصفات الجمالية الجاهزة

الأحد 2016/04/03
نازلي مدكور رسامة الأقلية السعيدة

لندن - مثلما فعل الرسام الفرنسي كلود مونيه مع زهوره المائية فإن نازلي مدكور يمكنها أن تستمر في رسم الربيع إلى ما لا نهاية، من غير أن يتكرّر المشهد الذي ترسمه. ما من ورقة وما من زهرة وما من شجرة ترسمها إلا وتظهر مرة واحدة. من لوحة إلى أخرى لا شيء يتكرر حتى وإن كان الموضوع واحدا.

العالم لن يتغير

“العالم لم يتغيّر” يمكنها أن تقول وهي تقصد “نحن الذين نتغيّر”. تهبنا مدكور العالم الذي ألفناه وعشنا فيه لتقنعنا بصريا أننا لم نره من قبل. متعة الرسم لديها تنتقل مثل عدوى إلى المشاهد لتضعه في جوهر الطبيعة. ذلك الجوهر الذي لا تصل إليه الحواس مباشرة.

لا تهمّها التفاصيل كثيرا، بالرغم من أن كل ضربة فرشاة لا تخطئ طريقها إلى مكانها المناسب. المكان الذي يستدعيها على سطح اللوحة.

المشاهد التي ترسمها تظل حيّة، طازجة وليّنة تنعش العين برذاذها اللوني. غير أن تلك المشاهد لا تحيل إلى الطبيعة. صحيح أن كل شيء في تلك المشاهد مستلهم من الطبيعة، غير أن الفنانة صنعت من كل ما رسمته شيئا آخر عن طريق الارتجال.

كل هذه الخفة التي تظهر في رسوم مدكور ليست من نتاج النظر المباشر. إنها خفة روحية تزيح عن المرئيات كثافتها المادية. تعرّيها من زينتها لتحتفي بجمالها الحقيقي، وهو الجمال الذي يقترحه الفن.

تكمل نازلي مدكور الطريق الذي بدأه أسلافها الانطباعيون، غير أنها تنحرف بالانطباع إلى هدف مختلف. وهو ما يؤهلها أن تكون الفنانة العربية الوحيدة التي تنتمي إلى تيار الانطباعية الجديدة. وهو تيار حداثوي يكسر الحدود بين التشخيص والتجريد، ذاهبا إلى ما هو أبعد من المشهد الطبيعي من غير أن يجرده تماما.

لذلك تستلهم نازلي مدكور حريتها من علاقة يقيمها الرسم بالطبيعة هي مزيج من الشغف المجنون بالجمال الطبيعي والرغبة في أن يتحرّر ذلك الجمال من صورته الجاهزة، ليخلص إلى جوهره.

رائدة الانطباعية الجديدة

ولدت نازلي مدكور في القاهرة عام 1949. درست السياسة والاقتصاد وعملت خبيرة في المجالين بمكتب الأمم المتحدة في مصر، ثم أصبحت خبيرة اقتصادية في مركز التنمية الصناعية التابع للجامعة العربية. تزوجت وأنجبت. غير أن كل تلك النجاحات الاجتماعية والمهنية لم تنسها ولهاً قديما بالرسم.

المشاهد التي ترسمها مدكور تظل حية، طازجة ولينة تنعش العين برذاذها اللوني. غير أن تلك المشاهد لا تحيل إلى الطبيعة. صحيح أن كل شيء في تلك المشاهد مستلهم من الطبيعة، غير أن الفنانة صنعت من كل ما رسمته شيئا آخر عن طريق الارتجال
التحقت بمدرسة فنية لمدة سنة ونصف السنة ثم سافرت إلى إيطاليا لتلتحق بجامعة متخصصة بالطلاب الصيفيين. حين أقامت معرضها الشخصي الأول وفوجئت بالأقبال عليه قررت أن يكون الفن مصيرها فاعتزلت العمل الإداري في مجال الاقتصاد لتتفرغ للفن. حياة ليست عادية، فهي تنطوي على قدر عظيم من التضحية من أجل الفن في بلد مثل مصر، الوظيفة فيه، إن كانت من نوع الوظائف التي شغلتها نازلي تعني وضعا اقتصاديا مريحا.

تذكّرني نازلي هنا ببول غوغان الرسام الفرنسي الذي ترك وظيفته في البورصة ليستسلم لرياح الرسم الذي أخذته إلى آخر الأرض في تاهيتي.

بدلا من أن تذهب إلى آخر الأرض ذهبت نازلي إلى آخر الرسم. وهو ما يجعلها من وجهة نظري مطمئنة إلى أنها لن تكون جزءا من الوصفة الجمالية المصرية. نازلي هي امرأة أخرى بالرغم من أنها تكمل بنضالها وكدحها اليومي مسيرة نساء مصريات عظيمات ناضلن من أجل أنوثة الرسم. جاذبية سرّي وتحية حليم وإنجي أفلاطون وسواهن من رائدات الرسم في مصر.

ما تتميز به نازلي أنها وهبت الرسم المصري الحديث شيئا من خارجه، في إمكانه أن يغيّر الكثير من العادات البصرية. ربما لأنها لم تدرس الرسم أكاديميا في مصر فلم تنتقل إليها عادات المعلمين. وربما لأنها جاءت من خارج المزاج الثقافي بمزاج تصويري مختلف.

غير أن المؤكد أن هذه الفنانة وهبت الرسم المصري الحديث فرصة أن ينفتح على تيار الانطباعية الجديدة. وهو تيار لم يتعرف عليه الفن في العالم العربي.

نازلي وهبت الرسم المصري الحديث شيئا من خارجه

سليلة الشغب

من أجل أن يكون الربيع ممكنا تخترع نازلي مدكور ورودها. من وجهة نظرها فإن ذلك يعني أن يكون الفنان معاصرا وأيضا أن يكون الفن قادرا على صنع صورة مستعارة من الحياة المتخيّلة.

تحيلنا رسوم نازلي إلى انطباع يقع في لحظة إشراق أو انخطاف شعري. وهي لحظة عابرة لا تستند إلى شيء من الواقع. الواقع الوحيد الذي تؤمن به الفنانة هو ذلك الذي يتشكّل على سطوح لوحاتها. من خلاله نستطيع أن نستغرق في تفاصيل حياة مجاورة.

نكتشف أيضا لذائذ تأمّل طبيعة مجاورة. وهنا بالضبط يكون الفن ضروريا. إذ أنه بطريقة أو بأخرى يعيدنا إلى اكتشاف ما كنّا رأيناه بطريقة عابرة من غير أن نقف أمام سحره. ما تفعله نازلي ليس غريبا على الفن العالمي.

هناك تجارب فنية سعيدة حاولت أن تظهر إعجابها بالطبيعة، لكن بطريقة متمردة ومشاغبة، تقدم هذيان الفن على العواصف التي ينطوي عليها صمت الطبيعة. الانطباعيون الفرنسيون كلهم حاولوا أن يستفزوا الطبيعة حين استعرضوا مفاتنها وهي تتغير وفق مزاج متقلب. غير أن الأميركيين، وفي مقدمتهم سي تومبلي، سعوا إلى القبض على مزاج الطبيعة في حالته التجريدية الصافية. وكما أرى فإن المصرية نازلي مدكور تسعى إلى التعريف بذلك المزاج عربيا. هي طراز آخر من الفنانين.
ذلك الطراز الذي يعيد تخيل العالم لا من جهة كونه أيقونة ثابتة بل باعتباره مجموعة متلاحقة من التركيبات، التي تتمكن الفنانة من إعادة تركيبها في كل لحظة رسم. ولا أبالغ إذا ما قلت إن روحا متفائلة تتخلل الهواء الذي يحيط برسوم مدكور، كما لو أنها الرسالة الخفية التي تسعى الفنانة إلى إيصالها إلى المتلقي لتجعله سعيدا. يمكنني القول إن نازلي تنتمي إلى الأقلية السعيدة في العالم العربي.
نازلي مدكور تستلهم حريتها من علاقة يقيمها الرسم بالطبيعة وهي مزيج من الشغف المجنون بالجمال الطبيعي والرغبة في أن يتحرر ذلك الجمال من صورته الجاهزة، ليخلص إلى جوهره

تعيد صياغة ما تتخيله

منذ سنوات طويلة تركت نازلي مدكور العادة التقليدية في رسم تخطيطات مسبقة للوحة. ليس لديها مصغرات قلمية. تتجه كما تقول مباشرة إلى قماشة اللوحة لترسم. وهو عمل يتطلب استعدادا روحيا مسبقا للرسم. لتلقي صدماته غير السارة وأخباره المفرحة على حد سواء. غير أن خبرة نازلي بعالمها هي ليست من النوع الرياضي الذي يستند على فرضيات مسبقة. ما ينقص لديها يكمله ما يزيد. وهي تعترف أن خبرتها تتبلور مع كل لوحة جديدة تقبل عليها. رسامة من نوع نازلي إنما تقوم باستخراج رسومها من داخل السطح كما لو أن ذلك السطح يمثل بالنسبة إليها خزانة لخيالها المشبع بالمشاهد الطبيعية.

وهي مشاهد لا زمن محددا لها. ما تسمّيه الفنانة بالربيع هو الزمن كله. وهو مقياسها لجمال الحياة التي إن لم تكن جميلة في الواقع فعليها أن تكون كذلك في الرسم. ولأنها تدرك أن اللعبة يمكن أن تنزلق بها إلى العبث فإن نازلي تمارس الكثير من الانضباط وهي تراقب كائناتها وهي تنمو أثناء الرسم. فهي لا تكتفي بإعادة صياغة ما تراه بل وتعمل جاهدة على إعادة ما تتخيله. وهو ما يجعلها تقف في أحيان كثيرة على حافة التجريد.

نازلي مدكور التي صنعت من الرسم الخالص قضية لها وهبت الرسم المصري فرصة مثالية للخروج من عنق زجاجة الوصفة الجاهزة لتنفتح به على العالم.

10