ناسور الولادة يسرق من ملايين النساء صحتهن وكرامتهن في صمت

نساء يعانين العزلة والاكتئاب والتمييز بسبب الناسور الذي يمثل انعكاسا لفشل الأنظمة الصحية وعلامة محزنة على الظلم الاجتماعي العالمي.
الجمعة 2018/05/25
التخلص من الناسور يمنح النساء حياة جديدة

نيويورك - يهدف اليوم الدولي للقضاء على ناسور الولادة إلى إنهاء التهميش وعدم المساواة اللذين يؤديان إلى تأبيد هذه الإصابة، ويعتبر الناسور واحدا من أخطر الإصابات وأكثرها مأساوية التي يمكن أن تحدث أثناء الولادة، وتعاني النساء المصابات من الاكتئاب والعزلة الاجتماعية وينتهين إلى الفقر بسبب تهميشهن من أسرهن وهجرهن من الأزواج، وقد تستمر معاناتهن لسنوات وربما لعقود بسبب عجزهن عن السعي للعلاج.

تزوجت الشابة اليمنية أديبة وهي في الـ24 من عمرها، وشعرت بسعادة غامرة عندما أصبحت حاملا، إلا أنها عندما جاء موعد ولادتها، ظلت تواجه آلام الولادة ليومين في منزلها، بحسب تقرير حديث لصندوق الأمم المتحدة للسكان.

وتروي أديبة قصتها قائلة “كان الألم يفوق الاحتمال، كان علي أن أتوجه إلى المستشفى، سافرت إلى مستشفى عبس الذي يبعد 3 ساعات عن مدينة حجة، للحصول على المساعدة. وعندما وصلت هناك كان الألم قد تراجع بشكل كبير مع فتح الرحم وخروج رأس الجنين”.

وحاولت عاملة طبية في المستشفى، لا تعرف أديبة ما إذا كانت قابلة أم طبيبة، تحفيز انقباضات الرحم لمساعدتها على الولادة، إذ كان المولود عالقا.

وفي النهاية وضعت أديبة مولودها، لكنه كان ميتا، وكانت هناك تهتكات كبيرة قامت العاملة الطبية بخياطتها. وبقلب كسير عادت أديبة إلى منزلها، حيث شعرت بأن هناك مشكلة في تبولها.

وأفادت أديبة “أخذني زوجي إلى المستشفى في مدينة حجة حيث خضعت لأول عملية والتي لم أشعر بعدها بأي تغيير. استمرت مشكلة عدم قدرتي على التحكم ببولي، وبدأت أفقد الأمل”. ولم تكن أسرتها تستطيع تحمل نفقات نقلها للعلاج في صنعاء، حتى وإن كانت تعتقد بأنها قد تجد رعاية طبية أفضل هناك. فالنزاع المستمر منذ أكثر من 3 سنوات فاقم سوء الأحوال المعيشية للملايين من اليمنيين، ومن بينهم زوج أديبة، الذي لم يتحصل على أي راتب منذ نحو عامين.

وأضافت “كنت منهارة، أبكي كثيرا. كان من الصعب أن أتخيل أنني سأعيش حياتي كلها بهذا الوضع″. انفصلت أديبة عن زوجها والتمست المساعدة من أسرتها لنقلها إلى صنعاء، وقالت “لم أشأ أن أستسلم. كنت أستميت في سعيي لاستعادة حياتي الطبيعية”. وكان على أسرتها في النهاية أن تبيع ما لديها من حلي والاستدانة من أجل الوصول إلى حل لمشكلتها. وفي صنعاء، خضعت أديبة لثاني عملية جراحية لها، والتي لم تكلل بالنجاح كذلك.

أكثر من مليوني امرأة في أفريقيا جنوب الصحراء والمنطقة العربية والكاريبي وآسيا وأميركا اللاتينية، يتعايشن مع الناسور

كانت أديبة عازمة على أن تجد حلا لوضعها، وفي أثناء بحثها، قابلت الدكتور سعود في مستشفى الثورة الذي شخص إصابتها بالناسور الولادي وهو إحدى الإصابات الخطيرة والمأساوية التي تحدث أثناء الولادة. وتنجم هذه الحالة عن الولادة المطولة والعسيرة من دون الحصول على العلاج الطبي عالي الجودة وفي الوقت المناسب. وهو يؤدي لتسرب البول أو البراز أو كليهما، ويؤدي في الكثير من الأحيان لمشكلات طبية مزمنة والإصابة بالاكتئاب والعزلة الاجتماعية.

وطمأن الدكتور سعود أديبة بأن هناك الكثير من حالات الناسور مثلها والتي تم علاجها بنجاح في وحدة الناسور في مستشفى الثورة في صنعاء. وكانت أديبة قلقة بشأن تكلفة العملية، لكن مخاوفها تبددت عندما عرفت بأن الجراحة مجانية.

خضعت أديبة لجراحة ناجحة في منتصف ديسمبر 2017 وغادرت المستشفى في بداية 2018، وعبرت عن شعورها قائلة “شعرت بأنني ولدت من جديد في 2018”.

وأديبة واحدة من بين مئات الآلاف من النساء اللاتي يعانين من الناسور، حيث يقدر بأن هناك أكثر من مليوني امرأة في أفريقيا جنوب الصحراء وآسيا والمنطقة العربية وأميركا اللاتينية والكاريبي، يتعايشن مع الناسور، فيما هناك ما بين 50 ألفا إلى 100 ألف حالة جديدة تظهر سنويا. ومع هذا فمن الممكن تماما الوقاية منه.

وتحيي الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم الدولي للقضاء على ناسور الولادة منذ 2013 في 23 ماي، بهدف رفع الوعي بهذه القضية وحشد الدعم حول العالم، وجاء موضوع هذا العام تحت شعار “كي لا نغفل أحدا: دعونا نلتزم بالقضاء على الناسور الآن!”.

وقالت المديرة التنفيذية لصندوق الأمم المتحدة للسكان، الدكتورة ناتاليا كانم، في بيان لها بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على ناسور الولادة، إنه من المفترض أن يكون الحمل والولادة من أسعد الأوقات في حياة المرأة، لكن للأسف، هذا ليس هو الحال بالنسبة للعديد من أفقر النساء وأكثرهن تهميشا في العالم.

 حيث يسرق ناسور الولادة- وهي إصابة تحدث أثناء الولادة المتعسرة التي تستمر لساعات طويلة دون الحصول على رعاية طبية فورية- من ملايين النساء والفتيات صحتهن وأملهن وكرامتهن في صمت. فغالبا ما تترك هذه الحالة المرأة تعاني من سلس البول المزمن وأحيانا ما تؤدي إلى وفاة المولود.

ويعد الناسور، الذي تم القضاء عليه فعليا في الدول الأكثر ثراء، انتهاكا خطيرا لحقوق الإنسان وهو انعكاس لفشل الأنظمة الصحية وعلامة محزنة على الظلم الاجتماعي العالمي وعدم المساواة.

وأفادت كانم أن العديد من الناجيات من الناسور، مثل أمينة مبا من الكاميرون، هن فتيات قد حملن بينما لا تزال أجسادهن غير ناضجة. فبعد أن تزوجت أمينة وهي طفلة، أصبحت حاملا وهي في سن الثالثة عشرة وأصيبت بالناسور بسبب ولادة متعسرة. وقد أدى ذلك إلى إصابتها بسلس البول وأدت وصمة العار إلى بقاء أمينة وحدها تتدبر أمورها بعد أن تخلى عنها زوجها وعائلتها.

وأضافت أن أهداف التنمية المستدامة العالمية هي دعوة جريئة وطموحة إلى عدم ترك أي شخص خلف الركب، ولا سيما أولئك الأكثر تهميشا والمنسيين والذين لا صوت لهم. ويبرز موضوع اليوم الدولي للقضاء على ناسور الولادة هذا العام “كي لا نغفل أحدا: دعونا نلتزم بالقضاء على الناسور الآن!” الحقيقة الصارخة في أن الفشل في القضاء على الناسور من شأنه أن يحد فرص العالم في تحقيق الكثير من هذه الأهداف.

وأوضحت قائلة “لقد قطعنا شوطا طويلا. فمنذ عام 2003 قام صندوق الأمم المتحدة للسكان، قائد الحملة العالمية للقضاء على الناسور، بالتعاون مع شركائه، بدعم ما يقرب من 100 ألف عملية جراحية لتحويل الحياة عن طريق علاج الجروح الجسدية والنفسية للناجيات من الناسور. ويشمل ذلك أمينة التي شُفيت العام الماضي بعد أن عاشت مع الناسور لمدة سبع سنوات. ومع ذلك مازال هناك أكثر من مليوني امرأة وفتاة في جميع أنحاء العالم يعانين من تلك الإصابة”.

21