"ناس الغيوان" أربعون سنة من الأغنية الاحتجاجية المغربية

الأربعاء 2015/02/18
"ناس الغيوان" مجرد ذكرى لمجد سابق

كتاب “ناس الغيوان: 40 سنة من الأغنية الاحتجاجية المغربية”، للكاتب عبدالحي صديق مؤلف من 200 صفحة، هو تكريم يعيد تقفي مسار هذه المجموعة الأسطورية، ويمنح للقراء ترجمة باللغة الفرنسية لـ40 أغنية، و20 أغنية ترجمت لأول مرة إلى الأسبانية والإنكليزية.

“ناس الغيوان” مجموعة موسيقية مغربية ملتزمة رأت النور خلال سبعينات القرن الماضي بالحي المحمدي في الدار البيضاء، وقد كانت تتكون في البداية من خمسة موسيقيين، وهم أطفال غادروا المدرسة مبكرا، ولم يتعلموا الموسيقى في المعاهد.

معظمهم عاش طفولة قاسية في أحياء الصفيح، وبعضهم كان يُرش بمبيدات الحشرات أيام الاحتلال الفرنسي، لكنهم أسسوا أشهر فرقة غنائية في تاريخ المغرب؛ “ناس الغيوان”.

كانوا خمسة، ثلاثة منهم غادروا هذا العالم: بوجمعة أحكور، العربي باطما، عبدالرحمن باكو. وبقي علال يعلى وعمر السيد، شاهدين على تاريخ من الفوضى والجنون والموسيقى والأحلام التي تساقطت تباعا.

بوجمعة أحكور الشهير بـ”بوجميع”، الذي يعتبر الأب الروحي لـ”ناس الغيوان”، غادر الحياة شابا في سن الثلاثين (1944 /1974)، تاركا بصمته الخاصة في مسار الفرقة.

قال عنه صديقه عمر السيد: “كان فوق الخشبة إنسانا آخر، يستشعر بقوة الأغاني التي يؤديها”، ووصفه بالحركي الذي يتمتع بشخصية قوية، وبالفنان الذي يغنّي بأعلى درجة من الصدق.

كانوا خمسة، ثلاثة منهم غادروا هذا العالم، وبقي اثنان كشاهدين على تاريخ من الفوضى والجنون والموسيقى والأحلام التي تساقطت تباعا

ولا يزال البعض يرى أن “بوجميع” الجريء لم يمت بشكل طبيعي، حتى أن شقيق الراحل أشار في العديد من الحوارات الصحافية إلى ظروف وفاته الغامضة، مقدّما في هذا السياق بعض التفاصيل التي تشكك في رواية موته من جرّاء قرحة في المعدة، ثلاثة أيام بعد عودته من سهرة أحيتها المجموعة شمال المغرب، بتنظيم من طلبة اليسار.

حين رحل رائد “ناس الغيوان”، قرر العربي باطما التوقف عن الغناء، غير أن أصدقاءه أقنعوه بمواصلة ما بدؤوه معا، فعاد، لكنه كان يصرّ على أن يبقى هناك مايكروفون شاغر على الخشبة إكراما لروح صديقه الراحل، الذي جمعته به علاقة خاصة قبل الغناء، وكان ذلك على خشبة المسرح. لقد بدأ “بوجميع” منذ 1963 بتأليف نصوص مسرحية، وتأدية أدوار مختلفة في فرقة الطيب الصدّيقي.

وأثناء إحدى جولات الفرقة في باريس، أسرّ إلى باطما بأنه يفكر في شيء ما ينقل به إلى الناس ما يعتمل داخله، وبتأثير أكبر من تأثير المسرح، الذي سيغادرانه بعدما صرّح الصدّيقي للصحافة الفرنسية بأن الممثلين في فرقته ما هم إلاّ فئران تجارب.

كانت الفكرة التي توصّلا إليها، وسيناقشها “بوجميع” أيضا مع الكاتب الراحل محمد زفزاف، هي الغناء بروح جديدة ومختلفة، فتأسست الفرقة مطلع السبعينات تحت اسم “الدراويش الجدد”.

لكن هذا الاسم لم يعمّر طويلا، إذ سرعان ما سيعثر “بوجميع” على الاسم الجديد داخل الفن التراثي الخاص بصحراء المغرب، حيث تعني “ناس الغيوان” أهل الترحال والتجوال. وسيضيف عمر السيد على معناها “أهل المحبة والخير والسلام”.
"ناس الغيوان" في بدايتها أثرت الساحة الثقافية كلمة ولحنا

مع عبدالرحمن كيروش، الشهير بـ”باكو” -المتوفى في 2012-، وعازف آلة “الهجهوج”، وهي من تراث “كناوة” بمنطقة الصويرة، وبرائعة “غير خوذوني” دشنت فرقة “ناس الغيوان” مرحلة ما بعد “بوجميع”، حلقة المزج بين إيقاعات مغرب الشاوية والحوز والإيقاعات الأفريقية الكناوية.

وقد تحدث الناقد حسن بحراوي، أحد المتتبعين للتجربة الغيوانية، عن الراحل “باكو” في تثمين القيمة الهارمونية لآلة الهجهوج ليس فقط كأداة مصاحبة، بل كفاعل مبدع في الهندسة الموسيقية للأغنية إلى جانب “سنيترة” علال و”طمطم” باطما و”بندير” عمر السيد.

حين غنّت “ناس الغيوان” في بداية السبعينات، وتحديدا خلال محاولات الانقلاب على الحسن الثاني، “فين غادي بي أخويا؟” و”علاّم القبيلة خرّف”، بدا للناس أنهم أمام فرقة سياسية، كان ذلك في حقبة ما سُمي “سنوات الرصاص”.

أغاني المجموعة كانت فعلا مشحونة بمفردات التمرّد والاحتجاج، لكنها لم تكن وحدها توحي بهذه اللمسة الثورية، بل أيضا إيقاعات الفرقة الفريدة وشكل ظهورها على الخشبة.

لكن “ناس الغيوان”، وعلى مدار عقود، لم تقف عند حدود السياسة، بل تغنّت بالحياة والوجدان والتراث والأحلام والهموم الصغيرة للناس. ذاع صيت “ناس الغيوان” في السبعينات والثمانينات، وانتشرت أغانيهم بسرعة غريبة، رغم الحصار الإعلامي الذي واجهوه في البداية.

وجدت أعمالهم صداها لدى شرائح مختلفة من المجتمع: مال اليساريون إلى الأغاني التي كانت تنتقد الظلم والتسلّط والفوارق الطبقية، المتصوّفون والمتديّنون أحبّوا المدائح النبوية والمكاشفات الروحية، الشباب كانوا أكثر ميلا إلى الأغاني التي تبدأ وتنتهي بطعم الثورة والتمرّد على الأنساق التقليدية الجامدة، والقوميون تفاعلوا مع الأغاني التي تستنهض همّة الإنسان العربي وتدعو إلى الوحدة، وتذكّر بالقضية الفلسطينية التي أفردت لها المجموعة قطعا عديدة، مثل “صبرا وشاتيلا”، “دومي يا انتفاضة دومي”، “الشمس الطالعة”، “القَسم”، وغيرها.

"ناس الغيوان"، وعلى مدار عقود، لم تقف عند حدود السياسة، بل تغنّت بالحياة والوجدان والتراث والأحلام والهموم الصغيرة للناس

يضاف إلى ذلك كمّ هائل من الأغاني التي تعبّر عن غربة الكائن داخل عالم كان الجميع يحلم بأنه سيتغيّر، مثل “الماضي فات”، “ما يدوم حال”، “هاجت الأحزان”، “الهموم حرفتي”. لتعرف المجموعة نجاحا كبيرا سواء على الصعيد الوطني أو العالمي، فحصلت سنة 1975 على الإسطوانة الذهبية، ووساما رئاسيا من الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة.

بعد رحيل العربي باطما سنة 1997، بدأ بريق “ناس الغيوان” يخفت تدريجيا، وزاد هذا الخفوت حين انفصل عبدالرحمن باكو، صاحب الصرخة الشهيرة في أغنية “لله خذوني”، عن المجموعة وعاد إلى فن “كَناوة” الذي جاء منه مطلع السبعينات.

وفي السنوات الأخيرة، تغيّرت الملامح العامة للفن في المغرب وفي العالم العربي عموما، ولم تعد لفكرة الفرق الغنائية على شاكلة “ناس الغيوان” و”جيل جيلالة” و”المشاهب” الأهمية ذاتها والتأثير السابق نفسه، وصار الأعضاء الجدد للفرقة التي لم يتبقّ من روادها سوى عمر السيد يكررون الأغاني القديمة في أغلب حفلاتهم.

بعد تاريخ من الغناء الثوري والروحي والوجداني، والتعبير الفني عن هموم الناس وآمالهم، عن المعاني العميقة والأحلام الكبيرة، صارت “ناس الغيوان” في شكلها الحالي مجرّد ذكرى عن الفرقة القديمة، تلك التي كانت تشعل الساحات والمسارح والقلوب.

16