ناس تحولت أفكارهم إلى وحي منزَّل لا يأتيه الباطل

من حق كل فرد أن يعترض وينتقد ويدافع عن أفكار يؤمن بها، ولكن دون أن يجعل نقده وأفكاره يقينيات، لأن اليقين مُنذر بشرور لا حصر لها.
الخميس 2019/10/31
الشك الفلسفي ضرورة فكرية (لوحة للفنان بسيم الريس)

الشك طريق إلى اليقين يقول الجاحظ، ولكن اليقين الذي لا يتأسس على نظر وتأمّل قد ينتُج عنه تعصّبٌ أعمى، يقود صاحبه إلى معاداة من لا يشاطره أفكاره، ورغبة فرض قناعاته على الآخر بأي وسيلة.

حتى وقت قريب، كانت المعلومات، وكذا المعارف، تصدر عمن هم جديرون بالثقة، فلا تقابل إلا بما تقابل به الأخبار الصحيحة من تسليم بفحواها، أو نقاش لمضمونها، قلّ أنْ يبلغ مبلغ الشكّ في المصدر نفسه، لأنه كما أسلفنا محلّ ثقة، وإن جادله بعضهم، فبطريقة علمية منهجية تروم الوصول إلى الحقيقة.

غير أن الثورة التكنولوجية غيّرت المعطيات، فصارت المعلومات تصدر عن كل الناس، حتى أولئك الذين ليس لهم في هذا المجال أو ذاك باعٌ ولا ذراع، وبات الشكّ عامّا يصدر عن الجميع تجاه الجميع، ومن الجهّال في أغلب الأحيان تجاه أهل الأدب والفكر والمعرفة، يجادلونهم بغير علم، ليس لهم من سلاح إلا حيازة صفحة على فيسبوك.

اليقين والشك

رافقت موجةَ الشك العارمة التي اجتاحت المجتمعات موجةٌ مماثلة من اليقينيات، لا يؤمن أصحابها إلا بما يرون، نجمت عنها خطابات وأعمال موسومة في عمومها بالهذيان والمغالطة واستغفال من لا يُعملون عقولهم لتحليل ما يُعرض عليهم. منهم الإسلاميون والجهاديون والإنجيليون المبشرون والنازيون الجدد، ومنهم المؤمنون بنظرية المؤامرة ونهاية العالم الوشيك وعلوية العرق الأبيض والمشككون في بعض الاكتشافات العلمية.

ورغم الاختلافات العميقة بين مختلف تلك الجماعات، فإنها تلتقي في إيمانها بيقينيات متعالية، واعتقادها الراسخ بامتلاك الحقيقة، وإيمانها بأنها منذورة إلى نشر معتقداتها بين الناس، ووضعها موضع تطبيق بأي طريقة.

الشك الفلسفي يخلق مسافة بين المفكر وقناعاته فلا يؤمن إيمانا أعمى بما يفكر بل يخضعه للفحص

والخطر لا يتأتى من الشك لأنه في جوهره النواة الصلبة للموقف الفلسفي من العالم منذ سقراط، كشكل مخصوص للوقوف موقف الحذر من كل اليقينيات، حتى أكثرها انتشارا وأبلغها تأصلا، ولكن انحرافه من وسيلة لبلوغ اليقين إلى موقف دغمائي خطير يبدأ عندما يُقدَّم المعتقدُ كمعرفة واليقينُ كحقيقة مطلقة.

فالملاحظ أن دعاة تلك الدغمائيات، ينطلقون من يقينية مشكوك في صحتها، يتصورونها فريدة، مكتملة، لا تقبل النقاش، ليضفوا على أنفسهم شرعية العمل على فرضها في شتى الأوساط، لأن قدرها أن تنتصر وتسود، شأن الوحي المنزَّل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ومن ثَمّ يستمدون مبرراتهم لإقصاء من لا يشاطرونهم دغمائيتهم، وتصفيتهم إن اقتضى الأمر، لأن الذين يضعون أفكارهم موضع شك، أو يعترضون عليها، أو ينتقدونها ويكشفون عن علاتها، يصبحون أعداء لا بدّ من قمعهم وإذلالهم وحتى القضاء عليهم القضاء المبرم.

أي أن اليقين يفقد صاحبه الصواب، فيحوله إلى وحش، كما لاحظنا في أعمال مقاتلي داعش، وكل الجماعات المتطرفة التي تغتال من لا يشاطرها يقينيتها.

أما الشكّ في صوره اليومية المتداولة، فهو صنو للحيرة والتردد وحتى الريبة، وقد يغدو وسيلة لتكذيب كل ما يصدر عن حكّام لم يوفوا يوما بوعد، والطعن في ما لا يمكن إدراكه كغزو الفضاء، أو ما يشتبه بمخالفته الدين كنظرية النشوء والارتقاء، كذلك الذي يجتاح المواقع الاجتماعية، غير أنه لا يذهب أبعد من ذلك، فلا يُضمر حقدا ولا يهدّد نَفْسا بقتل.

امتلاك الحقيقة

الشكٌّ المجّاني لا يؤسس لمعرفة (لوحة للفنان بسيم الريس)
الشكٌّ المجّاني لا يؤسس لمعرفة (لوحة للفنان بسيم الريس)

إن هو إلا شكٌّ مجّاني، لا يؤسس لمعرفة، بخلاف الشك الفلسفي الذي قام منذ الإغريق إلى يومنا هذا على فئتين متمايزتين: فئة الفلاسفة الشكوكيين الذين يمارسون شكّا دائما في كل ظاهرة، لاستحالة بلوغ الحقيقة في نظرهم، رغم ما يميز مذاهبهم من فروق في ممارسة ذلك الشك الفلسفي، من بيرّون (365-275 ق م) إلى سكتوس إمبريكوس (160-210)، ومن مونتاني إلى ديفيد هيوم، ومن برتراند راسل إلى الفلاسفة المحدثين.

وفئة الفلاسفة الذين جعلوا الشك أول مراتب اليقين، وطريقا لإدراك المعرفة الحقّ، وفق منهجية عقلانية استفاد منها العلم من بعدهم. وكان دعاتها ينطلقون من الشك في كل المسائل، لا يقنعون بظاهرها، ولا يؤمنون بحقيقتها إلا متى توصلوا إلى ما يثبت صحتها بالدليل المنطقي أو العلمي. ومن مشاهير من اتبع منهاج الفلسفة الشكوكية في العالم الإسلامي الجاحظ لاسيما في “الحيوان”، وابن سينا في “الشفاء والتعليقات والمباحث الشرقية والإشارات والتنبيهات”، وابن الهيثم في “المناظر”، والإمام الغزالي في “المنقذ من الضلال”. وقد استفاد من منهاجهم ديكارت في جعل الشك وسيلة لمعرفة الحقائق.

والشك الفلسفي في الحالين يخلق مسافة بين المفكر وقناعاته، فلا يؤمن إيمانا أعمى بما يفكر، بل يخضعه للفحص والتمحيص حتى يبلغ جوهره. ولذلك قال الغزالي “من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يُبصر، ومن لم يُبصر يبقى في متاهات العمى”. تلك المسافة التي كان سقراط أول من أوجدها للفصل بين ما نظن أنه حقيقة وبين ما لا نعرف هل هو فعلا كذلك.

أمّا ما نشهده اليوم من شكّ في كل شيء، فأطرافه يتوهمون أنهم يملكون المعنى الخفيّ للظواهر، ويعرفون مسبقا خداع الحكام والميديا وأساليبهم في الزيف والتضليل، ويزعمون فضحها لا بأدلة وبراهين ثابتة، بل انطلاقا من يقينية راسخة لا تقبل الجدل بأنهم يملكون الحقيقة.

فالداعشيّ لا يشك أن الخلافة قادمة وأن من لا يتبع ملّته عدوّ كافر، والمنذر بنهاية العالم على يقين من أن كل شيء سيتداعى وينهار بسبب الرأسمالية وتفرعاتها، والقائل بتفوق الجنس الأبيض مقتنع بأن الجنس الآري بات مهددا ولا بد من إنقاذه بأي وسيلة. ولا أحد من أولئك أو من سواهم يستطيع أن ينظر إلى تلك القناعات كمعتقدات.

أي أن المسافة التي يفرضها الشك الفلسفي لا غنى عنها كي لا يفقد المرء صوابه فيغدو عدوّا لمن يخالفه الرأي. من حق كل فرد أن يعترض وينتقد ويدافع عن أفكار يؤمن بها، ولكن دون أن يجعل نقده وأفكاره يقينيات. من حقه أيضا أن يعتبر ما يؤمن به خيارات مفضلة، ولكن ليس من حقه أن يوهم الناس بأن ما اختاره حقائق ثابتة لا تقبل الجدل، لأن اليقين مُنذر بشرور لا حصر لها. وهذا ما حذر منه نيتشه في “هو ذا الإنسان”، إذ كتب يقول “ليس الشكّ ما يصيب المرء بالجنون، بل اليقين”.

15