"ناس" مسرح المهمشين وإلى المهمشين المصريين

أصبح الفنانون وخاصة من المسرحيين الشباب لا يقفون على خشبة المسرح ينتظرون الجماهير حتى تصطف في الطابور بعد أن تقتطع التذاكر ثم تجلس في الكراسي لعرض قضية من قضايا المجتمع بأسلوبهم الفني الشيق، فذلك يعني أن المسرح سيظل حكرا على المثقفين والطبقات المرفهة من المجتمع، بل أصبحوا ينزلون إلى الشوارع ويسافرون إلى المناطق المهمشة يعرضون على الناس قضايا تمسهم بل يجعلونهم يتفاعلون معهم، تماما كما يفعل الممثلون من مدرسة “ناس” المصرية.
الخميس 2018/02/01
مصريون وأجانب يضعون أصابعهم على هموم الجماهير

القاهرة - في عدد من شوارع وميادين مصر، تقدم مجموعة من الممثلين الدارسين بمدرسة التمثيل المسرحي “ناس” التابعة لإحدى المنظمات الأهلية المستقلة، عروضا مسرحية بهدف إتاحة الفن المسرحي لعامة الناس والمهمشين.

ويختلف ما يقدمونه شكلا ومضمونا، فهم يأتون للكادحين بالمسرح إلى حيث يقطنون ويتحدثون بلغتهم ويناقشون همومهم وقضاياهم.

ويتجمهر المارة حول العرض الذي يكسر حاجز الزمان والمكان، ويبدأ من تلقاء نفسه، تحيطه نظرات دهشة يليها اقتراب ثم إعجاب وتفاعل، هو ما ترويه عادة وجوه المتفرجين من كادحي الطبقة الفقيرة والمتوسطة.

عروض تناقش مشكلات اجتماعية كالاختلاف وتقبل الآخر والهجرة، هي ما يقدمه للناس طلاب المدرسة التي تحمل الاسم ذاته “ناس”.

ويؤكد مدربو المدرسة أنهم يتعمّدون استخدام رمزية مبسطة بما يتناسب مع الشارع المصري، فلا يملي العرض على الناس حلولا، بل يترك لهم المجال للتفكير والنقد.

“هدفنا من المدرسة أن نصل للمهمشين في مصر، ممن لا يعرفون الكثير عن المسرح ولا يذهبون إليه، فأكثر من 90 بالمئة من الشعب المصري لا يذهب للمسرح، لذا نحن نذهب إليهم في الشوارع والمقاهي والمناطق الشعبية بمختلف محافظات مصر”.

بهذه الكلمات، يبدأ مصطفى وافي مدير مدرسة “ناس” للمسرح والمدرب بها، وهو فنان مصري، يعمل في مجال مسرح الشارع منذ 1996، وأحد مؤسسي المدرسة في 2013.

تاريخيا، اقتصر فن المسرح بشكل كبير في بداياته ومنذ أن عرفته مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، على قصور الحكام والطبقة الأرستقراطية والمثقفين من أجل الترفيه عن الأغنياء وتسليتهم. وعلى خلاف ذلك نشأت مدرسة “ناس” للمسرح، بهدف رئيسي يؤكده وافي، وهو “خلق تيار مسرحي يتفاعل مع القضايا المصرية الاجتماعية المختلفة”.

وتحاول المدرسة تجاوز المسافة بين المسرح والمجتمع، من خلال تدريب العارضين والعارضات على مختلف فنون الأداء.

المدرسة الواقعة في قلب العاصمة المصرية، هي جزء من عدة مدارس فنية ترعاها جمعية النهضة العلمية والثقافية جزويت (أهلية مستقلة)، التي أسستها مجموعة من المفكرين في 1998، بهدف تنمية العقل الناقد والواعي في المجتمع المصري من خلال الفنون، وفق ريهام رمزي منسقتها التنفيذية.

مجموعة من مدربي الفن المسرحي المحترفين، مصريين وأجانب، هم ما تعتمد عليه المدرسة لتعليم طلابها فنون الأداء المسرحي وتدريبهم على كيفية خلق عروض فنية تناسب الشارع المصري.

غالبية المصريين لا تذهب للمسرح، لذا اختار بعض الممثلين الذهاب إليهم في الشوارع

وتفتح المدرسة أبوابها لطلاب مصريين وعرب، في دراسة شبه مجانية، تمتد على مدار نحو 17 شهرا مقسمة إلى 6 فصول دراسية للتدريب على فنون الأداء التمثيلي، تتبعها ثلاثة أشهر مخصصة لمشروع التخرج.

ويرى وافي أن الاستعانة بمدربين أجانب، ووجود تنوع في جنسيات الطلاب كما هو الحال بالدفعة الحالية التي تضم طلابا من اليمن وجنوب السودان، من شأنهما إثراء المدرسة بثقافات مختلفة.

ويضيف “عادة ما يكون عدد المقبولين نحو 30 طالبا، ويتحمل الطلاب مصروفات رمزية، ألفي جنيه مصري (نحو مئة دولار)، فيما تتحمل جمعية النهضة تكاليف الدراسة بالكامل وأجور المدربين”.

داخل أسوار المدرسة خلية نحل؛ تدريبات شاقة وورش عمل تهدف إلى تطوير مهارات المتدربين الجسدية والتقنية في الممارسات المسرحية المختلفة، وتنتهي كل ورشة بعرض تطبيقي في المجتمعات المحلية، حسب ما يؤكد وافي.

وبحسب مدير المدرسة فإن القدرة على العمل الجماعي والتفاعل، هي أبرز ما تختبره “ناس” في الملتحقين بها، فالموهبة دون القدرة على العمل في مجموعات مختلفة والتفاعل مع الآخرين، لا تكفي لقبول الطلاب. وحتى الآن، تخرجت من المدرسة دفعتان، ولا تزال الدفعة الثالثة قيد الدراسة، وتتناول الدفعة الواحدة موضوعا واحدا تقوم عليه كل العروض المختلفة على مدار الدراسة.

وفي ديسمبر الماضي، عرضت الدفعة الحالية عرضا بحي “الزبالين” الشعبي (جامعو القمامة) وسط القاهرة، تناول قضية الهجرة ومشكلات المهاجرين، واجهه سكان المنطقة بدهشة تلتها ألفة واستحسان، وفق المدربين.

ونظمت “ناس” عروضا سابقة متنوعة في عدد من المناطق المهمشة والفقيرة بالقاهرة ومحافظات أخرى كالمنيا (وسط) وأسوان (جنوب).

ويقول عادل البهدلي مدرب “الأكروبات” (فن الحركة والإيحاء) بالمدرسة، إن “هناك العديد من التقنيات والمناهج يتم تدريسها للطلاب لمحاولة كسر الحدود بينهم وبين التمثيل في الشارع، لأن إسعاد الناس مهمتهم الأولى، والعرض الجيد هو وسيلة للتغيير في المجتمع”.

فنون عديدة يتزود بها الممثلون لإقناع الجماهير

ويضيف “نعلم طلابنا كيفية التقرب للغة الشارع، والتواضع والاندماج مع المجتمع، ونختار موضوعات مناسبة لثقافة الجمهور، نعتمد فيها على تعلم حصيلة ثقافية تناسب الجمهور حتى لا يشعر باغتراب”.

ويوضح “نسعى لتعليم الطلاب وإكسابهم خبرة لفت أنظار الناس في الشارع عن طريق مهارات جذب مختلفة، منها الحركة والإيقاع والرقص”.

ويتابع ملقيا بالضوء على بعض ما يتم تعليمه للممثلين من مهارات “نعمل على تنمية المهارات الحركية للعارض والمرونة والعلاقة مع الجمهور، بالاضافة إلى مهارات السيرك التي عادة ما تجذب المتفرجين”.

فن آخر يتزود به ممثلو “ناس” هو الإيقاع، وفي هذا الصدد يقول مدربه إيهاب عبدالحميد، إنه “تدريب على الإيقاع الصوتي للتعبير عن المشاعر المتباينة، والتمارين على الآلات الإيقاعية التي تكون أحيانا من إمكانيات محدودة كاستخدام الجسم لإخراج صوت أو دلو بلاستيكي، وهي إيقاعات تساعد على الارتجال”.

ويقول رأفت بيومي مسلطا الضوء على تدريبات الحركة والرقص المعاصر التي يقدمها لطلاب المدرسة، “هذه التدريبات تساعد الفرد على معرفة جسمه، لاستخدام التعبير بالجسم، والرقص قد يمكّن عارضا من القيام بعرض مسرحي كامل ومفهوم في مجتمع ربما لا يتحدث نفس اللغة، فقط عن طريق التعبير بالجسم”.

وبجانب ذلك، يدرس طلاب “ناس” قوالب مسرحية مختلفة، لإعدادهم لأن يكونوا ممثلي شارع من الطراز الأول، وهو ما يعتبره المدربون المهمة الأصعب.

مسرح المهرج، أحد تلك القوالب، ويتعلم فيه الطلاب كسر القوالب والقواعد الاجتماعية، والعمل على أكثر القضايا تعقيدا، بشكل هزلي، كما يتعلمون مهارات الحكي المسرحي والحكي الجسدي. أما مسرح المقهورين فهو قالب مسرحي آخر، يحاول فهم القضايا الاجتماعية، من أجل خلق حلول بديلة، ويحاول هذا القالب تحويل المتفرجين من عنصر متلق إلى جزء من العرض المسرحي.

20