ناشرون بلجيكيون يبثون الحياة في الصحف الورقية خارج بلادهم

نجحت دور النشر البلجيكية في الاستحواذ على معظم سوق الصحافة المطبوعة في هولندا، واستطاعت إنعاش العديد من الصحف المحلية ومنعها من السقوط بعد الاستحواذ عليها بفضل طريقتها في إدارة الصحف والتحرير، وتؤكد أن عصر الصحافة الورقية لن ينتهي.
الأربعاء 2017/07/12
المحتوى المتميز يضمن مستقبل الصحيفة

أمستردام - تشكل الاستثمارات الصحافية لدور النشر البلجيكية في هولندا، مثالا فريدا على قوة الصحافة المطبوعة وقدرتها على شق طريقها والاستمرار في ظل المنافسة الرقمية، وقدمت دفعة قوية للناشرين حول العالم بأن بإمكانهم الرهان على مستقبل الصحافة المطبوعة.

ويشتهر الناشرون البلجيكيون بأنهم مهووسون بصناعة الصحف، ولكنهم معروفون أيضا بدقة حساباتهم التجارية وحرصهم على تحقيق أرباح، فهم ربما يوفرون في تكاليف إدارة الصحف ولكنهم يستثمرون في إدارات التحرير.

ونجحت هذه الاستراتيجية بشكل فعال حيث أصبحت معظم سوق الصحف الهولندية الآن في أيدي دارَي نشر ميديا هويس ودي بيرسغروب البلجيكيتين، ففي شهر يونيو الماضي اشترت دار نشر ميديا هويس البلجيكية، دار النشر تلغراف ميديا غروب “TMG”، كما نجح البلجيكيون في نزاعهم القضائي ضد ملياردير الإعلام الهولندي جون دي مول بعد سجال قضائي مرير وذلك بعد أن استحوذوا بالفعل على صحيفة هاندلزبلات ” NRC ” والعديد من صحف الأقاليم الهولندية.

ويعد نجاح دور النشر البلجيكية في الاستحواذ على سوق الصحافة الهولندي، مفارقة طريفة نظرا إلى سخرية الهولنديين وتندرهم على جيرانهم البلجيكيين بأنهم لا يعرفون آخر التطورات والمستجدات التي تجري من حولهم.

ويرى خيرت يزيبرت رئيس مجلس إدارة مجموعة TMG الإعلامية بما فيها صحيفة “دي تليغراف” الشعبية، أشهر صحف المجموعة والتي تعاني من أزمة مالية، أن الاستحواذ على صحيفة دي تليغراف كان “أصعب مهمة تقوم بها مجموعة ميديا هويس” الإعلامية حتى الآن.

وتعتبر صحيفة “دي تليغراف” بما توزعه من نحو 380 ألف نسخة يوميا أقوى الصحف الهولندية توزيعا، غير أنه بينما تجاوزت الصحف الأخرى الأزمة تدريجيا فإن هذه الصحيفة الشعبية الواسعة الانتشار لا تزال تنزف جراء الخسائر حيث فقدت أكثر من نصف نسخها منذ عام 2000 وحتى الآن، وخسرت الصحيفة 8 بالمئة من النسخ عام 2016 أي نحو ضعف ما خسرته صحف أخرى في المتوسط.

وهبت ثورة الإنترنت العارمة في ساحة الصحف الهولندية منذ أواخر التسعينات وكانت صحيفة “دي تيلغراف” أكثر من عانى منها حيث أصبح باستطاعة القراء الحصول على المعلومات والمواد المسلية والرياضة مجانا عبر الإنترنت.

وكان رد فعل مجموعة النشر على الثورة الرقمية بطيئا، فلم تنتقل صحيفة “دي تليغراف” كآخر صحيفة غير محلية في هولندا إلى شكل التابلويد السهل إلا عام 2014.

القراء يريدون تحليلات وتفسيرا للأحداث وليس مجرد أخبار. وهذا هو بالضبط الطريق الذي تسلكه الصحف الهولندية

ويرى رئيس تحرير الصحيفة الجديد أنها يجب أن تعود مرة أخرى لبؤرة الاهتمام وأن تصبح علامة قوية.

ومن جانبه، يعتبر بيتر فان دير ميرش رئيس تحرير صحيفة NRC هاندلز بلات أن “الصحف التي تتميز عن غيرها هي الصحف الأفضل حالا بشكل واضح الآن”.

وتنتمي صحيفته الليبرالية هي الأخرى إلى مجموعة ميديا هويس. كما أن مجموعة بيرسغروب الإعلامية البلجيكية الأكبر بكثير من مجموعة ميديا هويس تحقق نجاحا وهي موجودة منذ عام 2009 في السوق الهولندية، حيث استحوذت مثلا على صحف محلية مثل صحيفة “ألجيمين داجبلاد” و صحيفتي “تروف” و”دي فولكسكرانت” غير المحليتين.ونجحت إدارة الصحيفتين في كبح عملية السقوط، رغم استمرار تراجع نسخ التوزيع، حيث كانت صحيفة “دي فولكسكرانت” اليومية الكبيرة ذات التوجه اليساري الليبرالي تخسر أكثر من ربع نسخها سنويا في الفترة بين عام 1998 و2008.

وتراجعت مبيعات الصحف الورقية عام 2016 وحده بنسبة 3 بالمئة، ولكن تم تعويض هذه الخسارة بتحقيق زيادة 23 بالمئة في الاشتراكات الرقمية.

وينظر فيليب ريمارك رئيس تحرير صحيفة فولكسكرانت إلى مستقبل الصحيفة بشكل متفائل حيث أن الحاجة إلى “صحافة جيدة تتزايد بتزايد سيل المعلومات”.

كما يرى ريمارك أن القراء يريدون “تحليلات وتفسيرا” للأحداث وليس مجرد أخبار. وهذا هو بالضبط الطريق الذي تسلكه الكثير من الصحف الهولندية حيث تقدم خلفيات وتعليقات والكثير من التحليلات التي تضعها بالفعل على صفحاتها الأولى. أما الأخبار الآنية فيجدها القارئ على الموقع الإلكتروني للصحيفة بشكل خاص أو على تطبيق للهواتف الذكية.

وتعتبر هولندا بلد صحف حتى الآن حيث أن هناك أربع صحف يومية هولندية غير محلية توزع إجمالا نحو 2.5 مليون صحيفة يوميا وهو عدد لا بأس به بالنسبة إلى بلد صغير نسبيا به 17 مليون نسمة. تضاف إلى ذلك صحف الأقاليم والصحف المحلية التي تغطي مناطق محدودة فقط وصحيفة مجانية.

ولا يزال 95 بالمئة من السكان في هولندا يحصلون على المعلومات بشكل منتظم عبر وسائل الإعلام التقليدية مثل الراديو والتلفزيون والصحف، وذلك حسب ما أظهرت دراسة حديثة لمعهد أبحاث SCP في يوليو الجاري.

ولكن الانتقال لوسائل الإعلام الإلكترونية في هولندا تم بالفعل حيث أن 11 بالمئة من الهولنديين وخاصة الشباب يحصلون على معـلومـاتهم عبـر تطـبيقات الأخبار وحـدها.وهناك مبادرات لحث القراء على الدفع من أجل الصحافة أشهرها ما تقوم به مجموعة بليندل للأخبار عبر الإنترنت حتى على المستوى العالمي، حيث يستطيع مستخدمو هذه الخدمة اختيار عناوين الأخبار من إجمالي الأخبار الهولندية والدولية وقراءة مقالات بسعر يبدأ بـ15 سنت للموضوع الواحد.

ويقول ريمارك إن “العصر الذهبي للصحافة الإلكترونية لم يحن بعد، ولكن الاهتمام بالصحافة الجيدة لا يتراجع.. فستكون الجريدة موجودة دائما”.

ويعطي ريمارك رئيس تحرير صحيفة “فولكسكرانت” دفعة قوية للصحافة المطبوعة في أنحاء العالم بأنها تستطيع البقاء بل والمنافسة، لكن الرهان دوما سيكون على المحتوى المتميز والأفكار الإبداعية التي تستقطب القارئ وتحمله على دفع مقابل مالي للحصول عليها.

18