ناشرون عرب: متى يستوعب المعنيون أن عصر الرقابة انتهى

تعد المعارض من أكبر الملتقيات الفكرية، التي يجتمع خلالها محبو الثقافة والفكر تحت سقف واحد للاستفادة من بعضهم البعض، والتعاقد على نشر الكتب وطباعتها وتوزيعها، ولمواصلة مسيرة الحركة الفكرية والعلمية والثقافية من خلال بوابة ضخمة يتوافد عليها العلماء والأدباء والمفكرون في مشهد لمعرفة توجهات الشعوب الفكرية، مما يساعد الناشرين وكذلك المؤلفين في صناعة ما يحتاجه كل شعب في كل دولة.
السبت 2016/09/10
مشكلات بالجملة يعاني منها قطاع النشر العربي

نظم اتحاد الناشرين العرب بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية على مدار يومين مؤتمر “مستقبل وتحديات معارض الكتب العربية”، وقد شهد مناقشة عدد من القضايا التي تشغل بال مديري المعارض العربية والناشرين العرب، منها تطوير المعارض العربية والوصول بها إلى مضمون المعارض الدولية حتى تقتصر على العرض فقط وذلك بأن تخصص صالة للعرض بجانب صالات البيع، واعتماد اتحاد الناشرين العرب ممثلا رسميا للناشرين، بما لديه من بيانات ومعلومات من خلال دليل الناشرين العرب، وأن تكون أولوية المشاركة في المعارض لأعضائه، ووضع معايير محددة لقبول أو رفض مشاركة الناشر.

الأعباء المادية

يوضح الناشر محمد رشاد رئيس اتحاد الناشرين العرب في افتتاح المؤتمر وبحضور حلمي النمنم، وزير الثقافة المصري، والباحث إسماعيل سراج الدين، مدير مكتبة الإسكندرية، ومدراء معارض الكتب في الدول العربية، وخبراء صناعة النشر وتسويق الكتب، أن الناشرين العرب تشغلهم قضية تخفيض الأعباء المادية، من ناحية رسوم الإيجار ومصروفات السفر والإقامة والشحن، ويدعو إلى ضرورة أن يسمح للناشر بسداد 25 بالمئة كمقدم اشتراك بالمعرض على أن يسدد باقي رسوم الاشتراك أثناء المعرض، والتوسع في تنظيم البرامج والندوات المعنية بصناعة النشر، وتحقيق التعاون بين مديري المعارض على عدم تداخل مواعيد بدايات المعارض ونهاياتها.

ويشير محمد رشاد إلى ضرورة إيجاد آليات جديدة للحد من الرقابة المفرطة على الكتب في المعارض حيث كثيرا ما يمنع عرض الكتب التي يطلبها القراء، والتطبيق الحازم في مكافحة الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية واعتماد قرارات اللجنة العربية لحماية الملكية الفكرية في اتحاد الناشرين العرب.

ويلفت إلى ضرورة الحد من البرامج الترفيهية وشركات ألعاب الأطفال لأنها تؤثر على ارتياد جمهور المعرض لأجنحة الناشرين، وتوفير كل وسائل الاتصال وخدمات الإنترنت في المعرض.

ويؤكد رشاد على أن الناشرين العرب يرجون إعادة النظر في السماح للناشرين السوريين والليبيين والعراقيين بالاشتراك في المعارض التي غابوا عنها بتعليمات محددة.

المعارض تعتبر المؤشر الحقيقي على الحالة الفكرية والثقافية التي تعيشها الدولة وهي مقياس لحركة صناعة النشر والتأليف

ويرى وزير الثقافة المصري الكاتب حلمي النمنم خلال كلمته، أن مدراء المعارض العربية والناشرين العرب يقومون بمهمة جسيمة في هذه الفترة، لأنهم ينقلون المعرفة إلى الناس، وجزء من صعوبة مهمتهم يتمثل في أن المواطن العربي لم يتعود على القراءة في تحصيل المعرفة.

ويوضح أن نجاح الناشر لا يتمثل في نشر الكتب لكبار الكتاب أو إعادة نشر كتب التراث، وإنما في أن يقدم للحياة الثقافية كاتبا جديدا أو فكرة جديدة، لأن الكثير من الكتاب الشباب يعانون حتى يصلوا إلى القراء. وأكد أن صناعة النشر تواجه خطر القرصنة والتزوير، وضياع حقوق المؤلفين، وينبغي أن يصل اتحاد الناشرين إلى صيغة تكفل حق الناشر والمؤلف على حد سواء.

بدوره يؤكد إسماعيل سراج الدين، على أن الناشرين العرب جنبا إلى جنب مع المؤسسات الثقافية والبحثية وهما في خندق واحد، في مواجهة تيار فكري ظلامي يريد أن يعيد صياغة التاريخ، وتيار سياسي يريد منع المجتمع من التقدم، كما أننا في مواجهة مع التطورات الهائلة في التكنولوجيا الحديثة، فالصورة العالمية للوصول إلى المعلومة أصبحت تتجه نحو الإنترنت، وصناعة النشر تتأثر بذلك ولا بد أن نكون منفتحين عليها حتى يصل الإبداع والكلمة إلى القارئ.

دور وزارات الثقافة

عقب الجلسة الافتتاحية عُقدت جلسة بعنوان “المعارض العربية.. من غياب الرؤية إلى توحيد الهدف” برئاسة هيثم الحاج، رئيس هيئة الكتاب ومدير معرض القاهرة الدولي للكتاب، وتحدث فيها كل من فتحي البس، مدير معرض عمّان الدولي، وحميدو مسعودي، مدير معرض الجزائر الدولي، وبشار جاسم، مدير معرض البحرين الدولي، ويوسف البلوشي، مدير معرض مسقط الدولي.

يشير فتحي البس إلى أن الوطن العربي يمر اليوم بأزمات اقتصادية حادة أثرت بشكل كبير على صناعة النشر في الوطن العربي، وشدد على أن يكون هناك دور للحكومات العربية ممثلة في الوزارات الثقافية في دعم هذه الصناعات.

وتحدث بشار جاسم عن أهمية التعاون بين اتحاد الناشرين العرب، ومديري المعارض في الدول العربية، وذلك لوضع قائمة محددة بأسماء دور النشر لمنع الدخلاء غير المختصين بالعمل في هذا المجال الذين يتم من خلالهم إفساد الذوق العام للقارئ، ونشر الفكر المتطرف.

من جهته يشير يوسف البلوشي إلى أهمية أن يكون اتحاد الناشرين العرب المظلة والمرجعية الأساسية للمعارض ودور النشر حتى يمكن من خلاله تحقيق طلبات مديري المعارض ودور النشر، وحل مشكلة الازدواجية بين المعارض الناتجة عن عمل كل معرض بمفرده دون أن تكون هناك مظلة يتم الرجوع إليها.

ويؤكد حميدو مسعودي على أن مدراء المعارض ليس باستطاعتهم حل جميع المشكلات التي تواجه دور النشر؛ حيث إن مدير المعرض ما هو إلا موظف حكومي لدى وزارة الثقافة، ويرجع إليها في كل كبيرة وصغيرة. ولا يستطيع أن يتخذ أي قرار دون الرجوع إليها.

معارض الكتاب هي الحاضنة لرسالة المبدعين والناشرين وتعاني من مشكلات مثل تشدد الرقابة

مشكلات بالجملة

في اليوم الثاني للمؤتمر استمرت المناقشات حول المشكلات التي تواجه الناشرين ودور مديري المعارض في تذليل هذه العقبات. وقد أدار الجلسة الأولى محمد رشاد.

بدأ بشار شبارو الأمين العام لاتحاد الناشرين العرب كلمته بالتأكيد على أن معارض الكتاب هي الحاضنة التي تحتضن رسالة المبدعين والناشرين وتعاني من مشكلات مثل تشدد الرقابة في المعارض العربية، وهنا طرح سؤالا مهما: متى تستوعب الجهات المختصة أن عصر الرقابة انتهى؟ وأن السياسة أصبحت هي أساس البلاء وتفرقة الشعوب؟

ويضيف أن هناك تمييزا في الأسعار بين الناشر المحلي والدولي، ولذلك نريد وضع معايير مهنية وأسس واضحة لخدمة أهداف سامية مرتبطة بتلك الصناعة الثقافية، وأهمية مواجهة القرصنة والكتب المزورة، ووضع لائحة سوداء للمخلين بالقواعد وأنظمة المعارض.

من جهته طالب جوزيف، رئيس اللجنة العربية للملكية الفكرية باتحاد الناشرين العرب، بضرورة إصدار تشريعات خاصة في مجال النشر الإلكتروني وما يتعلق بالنشر بشكل عام، واعتبار التقليد جناية وليس جنحة، متسائلا كيف أن سرقة ملكية عقار جناية وسرقة ملكية كتاب جنحة؟

وقال خالد قبيعة رئيس لجنة المعارض العربية والدولية الأسبق “نحن في أمس الحاجة إلى ابتكارات جديدة في معارض الكتاب، من أجل ربط العلاقة بين جمهور القراء والمسؤولين عن الإسهام في كل المشاريع التي من شأنها أن تعيد أمة اقرأ إلى القراءة، وعن إنجاح مشاريع القراءة واستعادة مجد الكتاب، فالقراءة أو الكتاب مفتاح كل نهضة وبوابة كل حضارة ورقي”.

وحذر ناصر عاصي رئيس لجنة الإعلام والعلاقات العامة باتحاد الناشرين العرب من أن تتحول صالات المعارض إلى صالات للألعاب الإلكترونية والأدوات الترفيهية وغيرها، ويصبح الكتاب مادة للمتحف، مؤكدا “أننا إذا لم ننتبه إلى حجم الأزمة التي نعيشها في ظل الأمواج المرتدة إلى الخلف، على مستوى النشر والتوزيع، سنتجه إلى محو الثقافة بدلا من محو الأمية الذي عملنا ونعمل لإنجازه منذ زمن بعيد”.

ويرى أحمد فهد الحمدان رئيس جمعية الناشرين السعوديين ونائب رئيس اتحاد الناشرين العرب أن معارض الكتب في أي دولة تعتبر المؤشر الحقيقي على الحالة الفكرية والثقافية التي تعيشها الدولة وهي مقياس لحركة صناعة النشر والتأليف التي تعيشها الدولة وترجمة حقيقية لواقع الدول العلمية والثقافية مما يساعد على معرفة المجتمع من خلال ما تتضمنه معارض الكتب من إنتاجات فكرية وعلمية وثقافية وأدبية.

وفي نهاية المؤتمر خرج المشاركون بمجموعة من التوصيات، أهمها: لن يتم اعتماد أي معرض في المستقبل إلا باعتماد لجنة مديري المعارض العربية باتحاد الناشرين العرب، واعتماد اتحاد الناشرين العرب الممثل الرسمي للناشرين العرب وأولوية المشاركة لأعضائه، ووضع معايير واضحة للمشاركة في المعارض ومراجعة التراخيص أو التدقيق في البيانات، وتحقيق رسوم الاشتراك على ألا تتجاوز 110 دولارات للمتر كحد أقصى بسبب الظروف الاقتصادية، والتعاون بين المعارض على تنسيق مواعيد بدايات ونهايات المعارض حتى لا يحدث تضارب بين معرض وآخر، وضرورة وضع آلية للحد من الرقابة على الكتب، والتطبيق الحازم لحقوق الملكية الفكرية، والعمل على تسهيل مشاركات السوريين والعراقيين والليبيين واليمنيين بسبب ظروفهم ومنعهم من المشاركات.

16