ناشرون في مهب العواصف بمعرض القاهرة الدولي للكتاب

تشير الأرقام الرسمية الصادرة من وزارة الثقافة المصرية إلى أن معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته التاسعة والأربعين (26 يناير-10 فبراير 2018)، يشهد حضورا جماهيريّا كبيرا بمعدل أكثر من 400 ألف زائر يوميّا، لكن الناشرين يعانون مجموعة من المصاعب والمشكلات تؤثر على حركة البيع ومعدلات التسوق، وفق ما أوضحوه في لقائهم مع “العرب”.
الاثنين 2018/02/05
قراء لا يقبلون على شراء الكتب

القاهرة – يشارك في هذه الدورة الـ49 من معرض القاهرة الدولي للكتاب 867 ناشرا و7 مؤسسات صحافية و33 مؤسسة حكومية مصرية و117 كشكا في سور الأزبكية.

وتهدف الهيئة المصرية العامة للكتاب، برئاسة هيثم الحاج علي، إلى تحقيق رقم قياسي جديد من حيث الحضور الجماهيري هذا العام، على الرغم من سوء الطقس وضعف التنظيم ومعاناة الناشرين، وكانت الدورة الماضية من المعرض شهدت حضور 4 ملايين زائر، وفق البيانات الرسمية لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار.

وتسعى دور النشر الحكومية التابعة لوزارة الثقافة وغيرها من الوزارات والهيئات الدينية والمدنية الرسمية، إلى تجاوز محنة كساد الكتب على مدار العام بتوفير عروض خاصة وخصومات كبيرة على الكتب لتنشيط حركة البيع خلال أيام المعرض، وقالت وزارة الثقافة إنها حققت زيادة في المبيعات عن الأعوام السابقة بنسبة 16 بالمئة.

وتوجهت دور النشر الخاصة بـ”قائمة مطالب” إلى إدارة المعرض من أجل الدورات المقبلة، ولمست في هذه الدورة صعابا ومشكلات متعددة، لأسباب تتعلق بالظروف الاقتصادية للبلاد بشكل عام، وأخرى تتعلق بالمعرض ولوائحه وتنظيمه، فضلا عن هشاشة قوانين حماية الكتب وملابسات أخرى كثيرة.

ظروف مؤثرة

حديث الناشرين، في مهب عواصف الدورة الـ49 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، هو حديث ذو شجون، فمن جهتها توضح الناشرة فاطمة البودي مديرة دار “العين” أن عشاق القراءة والتثقف في مصر يعانون ظروفا اقتصادية بالغة الصعوبة تؤثر على صناعة الكتاب بطبيعة الحال.

وتقول البودي لـ”العرب” إن هذه الأوضاع القاسية ازدادت سوءا بارتفاع أسعار الورق والطباعة وزيادة سعر الدولار، ومع ذلك “جاهدنا للمشاركة في المعرض بـ35 عنوانا جديدا ما بين الرواية والقصة والشعر والكتب الفكرية وكتب السيرة والأعمال المترجمة”. وتوضح فاطمة البودي أن كل جديد للناشرين لا يلاقي للأسف الشديد المعرض المناسب من حيث التجهيز والنظافة والنظام، وتقول “يفتقر المعرض لآلية ترقيم أجنحة العرض، وتلك أولى البديهيات للتسهيل على الجمهور الوصول لهدفه، وعموما هناك نقص معلوماتي كبير في ما يخص الكتب والفعاليات”.

عشاق القراءة والتثقف في مصر يعانون ظروفا اقتصادية بالغة الصعوبة تؤثر على قدرتهم الشرائية وعلى صناعة الكتاب

كما تنتقد فاطمة البودي الفوضى والعشوائية في إدارة الأنشطة المصاحبة، مشيرة إلى أن البرنامج الثقافي غير معلن عنه، ويُترك للزوار التعرف على الندوات بالصدفة أو العلم بها بعد انتهائها.

وتقول “نأمل في مستوى أرقى من التنظيم، ونتطلع إلى أن ينتقل المعرض إلى مكان يليق بالضيوف والناشرين وجمهور الكتب والثقافة”.

وتلتقط خيط الحديث الناشرة كرم يوسف مديرة مكتبة “الكتب خان”، مشيرة إلى بقاء وتفاقم مشكلات السنوات الأخيرة المتعلقة بتنظيم المعرض وبرامجه الثقافية، وتقول “لا بد من وجود مقرات دائمة لأجنحة وسرايات المعرض، فليس معقولا عرض الكتب في خيام وفراشات، وقد شاهدنا كيف أدى المطر إلى خسائر وأصاب الكتب بأضرار كبيرة، قبل أن يبدأ المعرض وفي أيامه الأولى”.

وكانت الهيئة المصرية العامة للكتاب شكلت لجنة بالتعاون مع اتحاد الناشرين المصريين لبحث الأضرار التي تسببت فيها الأمطار بأجنحة دور النشر، وقررت تعويض الناشرين بنسبة 50 بالمئة من إجمالي الخسائر المحصورة، الأمر الذي اعترضت عليه دور النشر المتضررة، ووصفته بالتعويض غير العادل، خصوصا أن التلفيات تعود في جانب منها إلى رداءة تجهيزات وخلل تصميمات أجنحة المعرض، بما سمح بإصابة الكتب بخسائر كبيرة جراء هطول الأمطار.

وتستطرد الناشرة كرم يوسف، موضحة أن من مشكلات معرض الكتاب هذا العام أيضا ارتفاع الأسعار في ظل تعويم العملة المصرية، بما أدى بشكل واضح إلى انخفاض القدرة الشرائية للقارئ، ومثل هذه المتاعب والمعوقات الاقتصادية تواجهها دور النشر طوال شهور العام وليس في أثناء المعرض فقط.

وتنوه كرم يوسف بتعدد دور النشر وكثرة العناوين الجديدة رغم الظروف الصعبة، بوصفها من أهم مميزات المعرض، وتصف المبيعات بالمعقولة في ظل حالة الكساد العامة في سوق الكتاب على مدار العام.

وتخاطب الناشرة كرم يوسف إدارة معرض القاهرة للكتاب بإعادة النظر في “المظهر غير الحضاري” للمعرض، من حيث الخدمات كالمقاهي ومناطق الطعام ودورات المياه، الخ.

وتستطرد “لا يوجد مكان واحد لائق يمكنك أن تتحدث فيه مع كتّاب أو مثقفين أو غيرهم، الضوضاء سمة، وكذلك العشوائية”.

الزيادة العددية لجمهور معرض القاهرة للكتاب لا تقابلها زيادة شرائية مقارنة بالعدد الضخم الذي يزور أجنحة بيع الكتب

حماية صناعة الكتاب

يشير الكاتب والناشر خليل الجيزاوي المدير العام لدار سندباد للنشر والتوزيع، إلى أن الزيادة العددية لجمهور معرض القاهرة للكتاب لا تقابلها زيادة شرائية مقارنة بالعدد الضخم الذي يزور أجنحة بيع الكتب، فالمتابع الجيد والراصد للكثير من زوار المعرض يجدهم يكتفون بالاطلاع على أغلفة الكتب، دون أن يكون هناك إقبال حقيقي على عملية الشراء، وذلك لأسباب عدة.

من هذه الأسباب أن الدولة لا تزال تنظر إلى الكتاب باعتباره سلعة ترفيهية تفرض عليها الكثير من الضرائب على الناشرين ومكتبات التوزيع، وعلاج ذلك أن تصدر الدولة تشريعا قانونيا باعتبار أن الكتاب سلعة أساسية وخدمية ثقافية، وبناء عليه يجب إعفاء صناعة الكتاب من الضرائب الكثيرة المفروضة.

والسبب الثاني، ارتفاع أسعار الورق والأحبار وماكينات الطباعة وقطع الغيار الخاصة بها، بعد زيادة سعر الدولار مقابل هبوط الجنيه المصري، ومعظم مستلزمات صناعة الكتب مستوردة.

والحل من وجهة نظر الجيزاوي أن تصدر الدولة تشريعا قانونيا بإعفاء مستلزمات الطباعة المستوردة من الرسوم الجمركية، على اعتبار أن صناعة الكتاب صناعة قومية تعمل على نشر الفكر التنويري الوسطي، وتقدم خدمة ثقافية وطنية في مواجهة فكر الجماعات المتطرفة التي تعمل على نشر إرهاب الفكر بين الملايين من الشباب.

كما لا يوجد في القانون القديم نص يُجرم تزوير الكتاب، وفق الجيزاوي، بينما يطالب ناشرون بنص مادة في القانون المقترح تجرم التزوير.

ويرى الكاتب والناشر عبدالنبي فرج مدير دار “ألف ليلة”، أن حركة النشر في الوطن العربي عموما مهددة بشكل خطير وجدي، فبالرغم من تدني عدد الكتب المطبوعة والحاجة الملحة إلى نشر الثقافة لمواجهة الأمية والجهل وغياب الوعي والتطرف، نجد أن الورق مثلا يخضع للجمارك وقوانين السوق مثل أي سلعة، لذلك ارتفعت التكلفة جدّا وقام الكثير من الناشرين الصغار بغلق الدور الشابة التي تؤدي دورا مهمّا رغم الكثير من السلبيات.

ويتساءل فرج “لماذا لا تقوم الهيئة العامة للكتاب مثلا في المعرض باستضافة الدور الصغيرة من خلال تأجير رف داخل الهيئة، خاصة أنها تأخذ مساحة كبيرة جدّا، والكثير من الأرفف فارغة؟ ولماذا لا تقوم الهيئة بشراء نسخ محدودة وعرضها في المعرض؟ ولماذا لا يتم دعم الدور الصغيرة كي تواجه غول الأسعار؟”.

15