ناشر مخادع أم كاتب متواطئ

يمارس بعض الناشرين العرب، للأسف، دوراً تخريبياً في عالم الثقافة العربية، عبر أساليب النصب والاحتيال في صناعة الكتاب، التي هي من أنبل الصناعات المدنية وأخطرها، لأنّ منتوجها لا يُسهم في النشاط الثقافي والاقتصادي، أو في تطوير المعارف ونموها فحسب، بل في توجيه المعارف وصناعة العقول أيضاً. ولذلك تُعدّ هذه الصناعة صناعةً قوميةً في الدول المتقدمة، وتوضع ضمن أولى اهتماماتها، مثلها مثل التعليم والأمن الغذائي والتسليح، وغيرها من الملفات الحسّاسة.
الجمعة 2015/07/10
طالب الرفاعي وإبراهيم خليل: قطاع النشر في العالم العربي يعاني الكثير من الهنات والنقائص تصل إلى درجة التحيل والخداع

في عالمنا العربي تأتي صناعة الكتب في موقع متأخر من اهتمامات الحكومات أو الدول، عدا بعض الاستثناءات، ويُترك شأنها لأهواء الأفراد وغاياتهم، يطوّرونها أو يعبثون بها طبقاً لأهدافهم التجارية. وقلما تجد كاتباً عربياً لا يشكو من تعامل هذا الناشر أو ذاك معه بسلبية وخداع ونهج تجاري مطلق.

دور تخريبي

قبل بضعة أيام قرأت، صدفةً، في أحد مواقع التواصل الاجتماعي، ثلاثة أمثلة على هذا الدور التخريبي، الأول كتبه الناقد الأردني زياد أبولبن يقول فيه “اتصل بي أحد أصدقائي من الكتّاب العراقيين، وأخبرني أن دار نشر كبرى في عمّان قد وقّعت معه عقداً على نشر كتابه مقابل نسخ فقط.

وكانت المفاجأة حين صدر الكتاب باسم كاتب آخر! حينها طلب مني التدخل للوصول إلى حلّ، فاتصلتُ بالناشر، وأطلعته على حقيقة الأمر، فادّعى أن هناك خطأ، ولا يستطيع طباعته من جديد، بعد أن باع نسخاً كثيرة منه.

في ذاك الوقت استعدّ الناشر لدفع مبلغ من المال مقابل تنازل الكاتب عن حقّه في الكتاب! فأخبرتُ صديقي بذلك، أو برفع قضية في المحكمة- ويا لسفالات الحرب والحصار- قبِل صديقي بالمبلغ، وانتهت القضية. الجوع كافر”.

ورغم أن الناقد أبولبن لا يذكر تاريخ هذه الواقعة، فإن من الواضح أنها حصلت خلال سنوات الحصار التي عاشها العراق.

المثال الثاني ورد في مقال كتبه الروائي الكويتي طالب الرفاعي بعنوان “ناشر مخادع وكاتب متواطئ” خلاصته أنه كان ذات يوم في الإسكندرية مع ثلاثة أصدقاء كتّاب، فتوقفوا قرب بائع كتب، ولفتت نظره رواية كُتب على غلافها “الطبعة الرابعة عشرة”، فسأل البائع “من هذا الكاتب؟” أجابه بشيء من الهزء “كاتب مهمّ”.

وحكى للرفاعي أن الرجل يطبع في كل مرة خمسين نسخة، يأخذ هو ثلاثين نسخة ويوزع عشرين نسخة على أربع مكتبات بواقع خمس نسخ لكل مكتبة، وما يلبث بعد شهرين أن يأتي حاملاً طبعة جديدة، وهكذا حتى الطبعة الرابعة عشرة، والنسخ لم تتجاوز 750 نسخة، وأكثر من نصفها موجود لدى الكاتب نفسه. وختم البائع حديثه قائلاً بنبرة لا تخفي ضيقه “النشر صار لعبة وشطارة للضحك على القارئ”.

الناقد الأردني زياد أبولبن: الجوع كافر

ويواصل الرفاعي كلامه عن حالات مماثلة لهذه الظاهرة وجدها في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، حينما كان يتوقف أمام دور نشر عربية، أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها أقامت وصلاً لا بأس به مع القارئ العربي، وإذ به يرى روايات عربية مكتوب على غلافها بالخط العريض: الطبعة الخامسة أو السادسة أو السابعة.

ولكي يطمئنّ على ما يدور جالس ناشراً عربياً يثق برأيه وصدقه، وسأله عن هذه النسخ التي تتوالد من تلقاء نفسها، فضحك الناشر وقال “شغل ناشرين. النشر تجارة، والناشر تاجر، وعلى أيّ تاجر أن يقرأ روح السوق بشكل دقيق. القارئ العربي صار يقف أمام أي كتاب مكتوب عليه الطبعة الرابعة أو الخامسة أو السابعة، فشيء ما خلف هذه العبارة يولّد في ذهن القارئ أهمية الكتاب مما يدفعه إلى الشراء”.

وحين سأل الرفاعي ذلك الناشر “كم عدد النسخ في كل طبعة؟” ابتسم الناشر هازاً رأسه وقال “لا تسأل، مهزلة”. وكما لو أنه يحادث نفسه، أضاف “كذب في كذب. أيّ طبعة محترمة يجب ألا تقل عن ألف نسخة، فهل تصدق أن كاتباً عربياً برواية بائسة يبيع سبعة آلاف نسخة خلال شهرين أو ثلاثة أشهر؟ حتى محمود درويش لم يكن يبيع بهذا العدد!.. (لكن) لا تتضايق، القارئ وحده قادر على كشف الزيف مهما طال الزمن، ومصير كل الفقاعات إلى تبخر”.

السخرية من الإبداع

المثال الثالث يرويه الناقد الأردني إبراهيم خليل، معلقاً على ما كتبه زميله زياد أبولبن “الأسوأ من هذا أن تقوم دار الكتاب الثقافي بإربد (مدينة في الأردن) بنشر رسالة دكتوراه عنوانها “الفضاء في شعر خليل الخوري” دون علم من المؤلفة التي راجعت الدار فقالوا لها نحن لا نلمّ من الشارع، وتهكّموا عليها بكلمات نابية.

والكتاب منشور فعلاً ويباع في بعض المكتبات”. وربما كان هذا المثال من أسوأ الأمثلة على أساليب الاحتيال التي يمارسها بعض الناشرين العرب.

14