ناشطو البيئة يواجهون الأغنياء في ناديهم بدافوس

قادة دول ومؤسسات أعمال يكسبون المال على حساب سلامة كوكب الأرض.
الأربعاء 2020/01/22
نحن هنا من أجل جودة الحياة

في الوقت الذي تجمع فيه دول وشركات ورجال أعمال أموالا طائلة دون حساب للتلوث والنفايات التي تخلفها نشاطاتهم في إنتاج الوقود الأحفوري خاصة، يحاول ناشطون يسعون إلى الحفاظ على أمن الأرض ومستقبل البشرية، القيام باحتجاجات متواصلة، آخرها تحركاتهم في المنتدى الاقتصادي العالمي من أجل صحوة أصحاب المصالح الضيقة وانتباههم إلى الخطر البيئي الداهم.

دافوس (سويسرا) - دعا المنتدى الاقتصادي العالمي هذا العام، العديد من النشطاء الشباب الاجتماعيين والبيئيين من جميع أنحاء العالم إلى دافوس، كقوة موازية للقادة السياسيين الغربيين ورؤساء الشركات الذين يدعمون إنتاج الوقود الأحفوري مقابل التلوّث ومخاطره.

ونددت الناشطة غريتا تونبرغ الثلاثاء بالتقاعس الدولي في مكافحة التغيّر المناخي أمام كبار قادة قطاع المال والأعمال في العالم، فيما دانت منظمة غرينبيس المدافعة عن البيئة أيضا، قيام مصارف وشركات تأمين وصناديق تقاعد بتمويل الطاقات التي تساهم في ارتفاع حرارة الأرض.

وبدأت أعمال الدورة الخمسين لمنتدى الاقتصادي العالمي في المنتجع الواقع بجبال الألب السويسرية في مسعى إلى مواجهة تداعيات احترار الأرض على البيئة والاقتصاد.

وقال كبير خبراء الاقتصاد لدى “آي.إتش.إس ماركيت” كريس وليامسن، إن “التغيّر المناخي يعد موضوعا ساخنًا في دافوس”، مضيفا، أنه كان هناك “تبدّل في الجو العام” وكان هناك إدراك بأن التغيّر المناخي يشكّل خطرا على الاقتصاد.

وفي حفل ترحيب في دافوس، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إن “البشرية انتزعت لمدة طويلة موارد من البيئة وأنتجت في المقابل النفايات والتلوّث”.

ترامب يتهجم

تقاعس دولي في مكافحة التغيّر المناخي
تقاعس دولي في مكافحة التغير المناخي

تضع مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب المناهضة للطاقة المتجددة وانسحابه من اتفاقية باريس للمناخ التي تم التفاوض عليها في عهد سلفه باراك أوباما ودعمه لقطاع الوقود الأحفوري في مواجهة مع غالبية الحضور في المنتدى.

وخلال كلمته في مستهل الدورة الـ50، روّج ترامب للوقود الأحفوري ورفع الضوابط التنظيمية والتحسّن الذي يشهده الاقتصاد الأميركي في رسالة تتعارض بشكل صارخ مع التحذيرات التي أطلقها المدافعون عن البيئة.

وقال ترامب، “علينا رفض نذيري الشؤم الأزليين وتنبؤاتهم بنهاية العالم”، بعد ساعات على مخاطبة الناشطة السويدية تونبرغ المنتدى الاقتصادي العالمي، حيث أشارت إلى أن الحكومات لم تقُم بشيء لمواجهة التغيّر المناخي.

ووصف ترامب أمام جمهور كانت تونبرغ في صفوفه، المحذّرين من خروج الاحتباس الحراري عن السيطرة وغير ذلك من الكوارث البيئية بأنهم “ورثة عرّافي الأمس الحمقى”.

وصعد ترامب على المنبر في دافوس بعدما ألقى الرئيس السويسري خطابا دعا فيه العالم إلى الاهتمام بالأرض، متباهيا بالولايات المتحدة “كأول منتج للنفط والغاز الطبيعي”.

رئيسة المفوضية الأوروبية: إن البشرية انتزعت لمدة طويلة موارد من البيئة وأنتجت في المقابل النفايات والتلوّث

وانتقد زعيم حزب الخضر الألماني روبرت هابيك تصريحات الرئيس الأميركي، قائلا، إن خطاب ترامب ”كان كارثة بالنسبة للمؤتمر”، موضحا، “علينا أن نبدأ الحرب ضد دونالد ترامب لأنه يقف على الجانب الآخر”.

وقال ترامب “أنا مؤمن كبير جدا بالبيئة”، مضيفا “لكن علينا رفض أنبياء الشؤم الأزليين وتنبؤاتهم بنهاية العالم” دون أن يذكر كلمة التغيّر المناخي في حديثه.

وقال هابيك إن خطاب ترامب أوضح المشكلة “فبعض الساسة يسارعون في الاتجاه الذي وضع كوكبنا في الموقف الصعب الذي نحن فيه”.

وانتهت أحدث جولة من محادثات المناخ برعاية الأمم المتحدة بخيبة أمل، وتحسّر الناشطون على ضعف طموح بعض الحكومات، لكن ولأول مرة، توصل تقرير المخاطر السنوي، الذي أعدّه المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى أنّ أهم خمس قضايا تتصدر قائمة الاهتمامات تتعلق جميعها بالبيئة، من تقلبات الطقس الحادة إلى فقدان التنوّع البيولوجي والحوادث مثل تسرّب النفط والتلوّث الإشعاعي.

جاء ذلك في الوقت الذي أشار فيه فريق يضمّ أكثر من 750 من الخبراء وصنّاع القرار الذين شملهم التقرير إلى أنّ الحروب التجارية وصعود التيارات القومية في أنحاء العالم، يزيد الصعاب أمام البلدان للعمل معا على إيجاد حلول.

وأكد علماء أميركيون هذا الأسبوع، أن العقد الثاني من القرن الـ21 أكثر عقود الكوكب حرارة، وأن عام 2019 ثاني أكثر الأعوام المسجلة حرارة، وهو ما تجلّى في ذوبان ثلوج غرينلاند، وموجات الحر في شمال أوروبا، والعواصف والفيضانات التي ضربت عدة جزر وسواحل، وحرائق الغابات في مناطق منكوبة بالجفاف في أنحاء من العالم.

وقال رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغيه برنده، “المشهد السياسي يعاني من الاستقطاب، في وقت يرتفع فيه منسوب مياه البحر، وتشتعل حرائق بسبب المناخ. هذا العام، ينبغي على قادة العالم العمل مع جميع قطاعات المجتمع لإصلاح وتنشيط أنظمة التعاون بينهم، ليس من أجل منافع قصيرة الأجل فحسب، وإنما لتناول المخاطر العميقة التي نواجهها”.

ممولون منافقون

الاحتجاجات ستتواصل طيلة أيام المنتدى
الاحتجاجات ستتواصل طيلة أيام المنتدى

قالت إميلي فارنورث، مديرة مبادرات تغيّر المناخ في المنتدى، إن “القدرة الواضحة على رؤية الأحداث المرتبطة بالتقلّبات الحادّة في الطقس، وحرائق الغابات والفيضانات تؤدّي إلى زيادة الوعي”، مضيفة، “ما نراه الآن هو حقيقة ما يعنيه الأمر”.

المخاطر البيئية التي نبهت لها فارنوث، وينبه عليها الخبراء وناشطو البيئة تزداد سوء بفعل مواصلة الشركات والدول على إنتاج الوقود الأحفوري.

ودانت منظمة غرينبيس المدافعة عن البيئة الثلاثاء، إنتاج الوقود الأحفوري ومصارف وشركات تأمين وصناديق تقاعد تساهم في تمويله وهو ما يساهم في ارتفاع حرارة الأرض.

وقالت المنظمة، إن المنتدى الاقتصادي العالمي، يسعى إلى تغيير صورته “كناد للأغنياء”، بدعوته لناشطين عن البيئة، لكنّ عددا من شركات القطاع المالي التي تحضر بانتظام إلى دافوس تستثمر بلا هوادة في صناعات استخراج الطاقات الأحفورية مع أنها المسبب الرئيسي للاحترار في الأرض.

وفي تقرير بعنوان “إنه القطاع المالي الغبي”، أشارت غرينبيس إلى استثمارات هذه الشركات منذ توقيع اتفاق باريس الذي يهدف إلى الحد من ارتفاع حرارة الأرض، في ديسمبر 2015.

وأوضحت المنظمة غير الحكومية، أن عشرة مصارف تحضر دائما لقاءات دافوس، موّلت وحدها بين 2015 و2018 قطاع الطاقات الأحفورية بما يصل إلى ألف مليار دولار.

وتشمل هذه المصارف حسب المنظمة غير الحكومية “جي.بي مورغان تشيز” و”سيتي” و”بنك أوف أميركا” و”آر.بي.سي رويال بنك” وباركليز و”ميتسوبيشي يو اف.جي” و”تي.دي بنك” و”سكوتيابك” و”ميزوهو” و”مورغان ستانلي”.

وتابعت، أن هذا المبلغ يعادل تقريبا المخاطر المالية المرتبطة بتأثيرات المناخ التي تواجهها أكبر 215 شركة عالمية خلال السنوات الخمس المقبلة. وفي ما يتعلّق بصناديق التقاعد، تملك ثلاثة منها شاركت في المنتدى العام الماضي، صندوق المعلمين في مقاطعة أونتاريو الكندية ومجلس خطة التقاعد الكندي و”بنشن-دنمارك” أسهما بقيمة 26 مليار دولار في شركات نفط مثل “شل” و”شيفرون” أو “إكسون”، وفي مصارف عدة تمول استغلال طاقات أحفورية وتدين غرينبيس أيضا دعم شركات تأمين عالمية كبرى لهذه المشاريع وخصوصا تلك المرتبطة بالفحم، التي لا يمكن أن تتم دون ضمانات منها.

وذكرت خصوصا “ايه.آي.جي” و”برودنشال” و”سومبو” و”طوكيو مارين” و”لويدز”.

ورأت رئيسة المنظمة جنيفر مورغان، أن “مصارف التأمين وصناديق التقاعد الحاضرة في دافوس مسؤولة عن الوضع المناخي الملح”.

وأضافت، “على الرغم من التحذيرات، إنها تغذي أزمة مالية عالمية جديدة عبر دعم صناعات الطاقات الأحفورية”، معتبرة، أن “هؤلاء الممولين ليسوا أقلّ من منافقين يؤكدون أنهم يريدون إنقاذ الكوكب، بينما يقومون بقتله عبر تحقيق ربح في مدة قصيرة”.

ودعت مورغان، “السلطات التنظيمية إلى القيام بعملها قبل فوات الأوان”.

إنهم لا يريدون إنقاذ الكوكب
يريدون إنقاذ الكوكب

مثل هذه التجاوزات سافر من أجلها العديد من الناشطين الشبان إل دافوس سيرا على خطى الناشطة السويدية غريتا تونبرغ، من بينهم الباحث الأيرلندي الشاب فيون فيريرا الذي ابتكر حلا لمنع وصول قطع البلاستيك الصغيرة إلى المحيطات.

ومن بينهم أيضا الناشطة الجنوب أفريقية أياكا ميليثافا (17 عاما) والكندية أوتام ببلتييه الناشطة في مجال الحفاظ على المياه منذ أن كان عمرها ثماني سنوات، إضافة إلى مجموعة من الناشطين التقوا في قرية دافوس لتنظيم احتجاجات تواكب اجتماعات قادة العالم ورجال الأعمال ومدراء الشركات الكبرى.

وشددت الناشطة السويدية، أنه “لم يتم إحراز أي شيء” لمكافحة التغيّر المناخي رغم حملتها الواسعة في هذا الصدد.

وقالت “نحارب جميعنا من أجل البيئة والمناخ. إذا نظرتم إلى الأمر من منظور أوسع، لم يتم إنجاز أي شيء. سيحتاج الأمر أكثر من ذلك بكثير. إنها مجرّد البداية”.

وأضافت تونبرغ التي تحدثت بهدوء، “الأمر يتعلّق بنا وبالأجيال القادمة، وبمن تأثّروا في وقتنا هذا”.

وانتشر بكثرة على وسائل التواصل الاجتماعي فيديو للمراهقة وهي تنظر للرئيس الأميركي بغضب عندما مرّ مع وفده المرافق في مقرّ الأمم المتحدة على هامش اجتماعات الجمعية العامة.

وقالت، “هناك فرق كبير بين إيصال الصوت، ودفع ذلك إلى شيء ما”، مضيفة، “لست الشخص الذي يمكنه أن يشتكي من أن صوته لا يصل”، مؤكدة أن “صوتي يصل على الدوام، لكن العلم وصوت الشباب ليسا محورالحديث”.

وأيّد المدافع عن الطاقة المستدامة والمنحدر من بورتوريكو سلفادور جوميز كولون (17 عاما) تونبرغ في ما قالته حول قضية المناخ، “يُجري تسييس الأمور، ولكنها ليست قضية سياسية”.

وسيحاول بعض مدراء الصناعة والشركات إثبات خطأ توقعات الناشطين البيئيين في ظل سعي المنتدى إلى تنسيق جهود القطاع الخاص للمساعدة في تحقيق الأهداف التي وضعها اتفاق باريس للمناخ عام 2015.

احتجاجات متواصلة

المنتدى الاقتصادي العالمي قد دمّر كوكبنا
المنتدى الاقتصادي العالمي قد دمّر كوكبنا

 مازالت هناك فجوة كبيرة بين قطاع الشركات الذي يتزايد إدراكا بمدى تأثير تغيّر المناخ عليه، وبين الناشطين الذين يرفعون أصواتهم من أجل تحرّك جذري لحماية البيئة.

ونظم الناشطون احتجاجات ضد شركات أعضاء في المنتدى، قبيل يوم من انطلاق القمة الدولية، محملينهم مسؤولية التغيّر المناخي.

وشارك معهم متظاهرون جاؤوا من مختلف المدن السويسرية، رفعوا شعارات ضد الشركات على بعد 20 كيلومترا من دافوس.

وقال ديبورا بوغمان، “أنا هنا اليوم لأقول إن المنتدى الاقتصادي العالمي قد دمّر كوكبنا، بدلا من الحفاظ عليه وتحسينه”.

وتابع، “المنتدى الاقتصادي العالمي هدفه جعل العالم أفضل لكنه يفعل عكس ذلك تماما”، متوقّعا أن تتواصل الاحتجاجات طيلة أيام المنتدى.

20