ناصر الخرافي ومليارات العروبة والدوافع الخفية

الأحد 2014/02/16
الخرافي يتمايز عن غيره من كبار رجال الأعمال بأنه كان يقدم صيغة عروبية لعمله

الكويت - تكاد لا توجد قصة لمشروع ضخم في الكويت لا يذكر فيه اسم مجموعة الخرافي، الإمبراطورية المالية الهائلة التي أسسها الراحل عبد المحسن الخرافي وتولاها بعده ابنه رجل الأعمال الأشهر في تاريخ الكويت ناصر الخرافي حتى وفاته فجر 17 أبريل 2011 في مصر التي طالما نالت الحصة الكبرى من استثماراته الخارجية.

الخرافية أسرة كويتية كبيرة تعود أصولها إلى نجد ويروى أنها انتقلت منها إلى بلدة اسمها حرمة ثم إلى الزلفي، ليستقر بها الأمر حوالي منتصف القرن التاسع عشر الميلادي في الكويت التي وصلوها من أجل أحدهم وطلبا للثأر من أحد أعدائهم الذي فر إليها من الزلفي، لكن يبدو أن نمط الحياة في الكويت الذي يختلف كليا عن الواقع القاسي في نجد والزلفي وتهيمن عليه التجارة والسفن والبحر أغرى الرجل فقرر البقاء فيها بل إنه أرسل في طلب أسرته التي وصلت بعد عامين.


الهيمنة على اقتصاد الكويت


وفي المألوف الاجتماعي الكويتي فإن عائلة الخرافي هي إحدى الأسر الحضرية وهو تعبير يقصد به الأسر التي كانت تسكن داخل نطاق سور الكويت قبل اختفائه مع التوسع العمراني الكبير في الدولة وهي واحدة من عدة أسر ثرية – وأثراها في الواقع- هيمنت على الواقع التجاري في البلاد مثل البحر والغانم والصقر والشايع وغيرها، ومن المتداول في الكويت أن تركيبة غرفة التجارة تعكس دائما توجهات وتشابكات علاقات ومصالح هذه الأسر.

ومع أن الأسرة موجودة فعليا في جميع نواحي الحياة الاقتصادية والثقافية في البلاد فمنهم أسماء شهيرة أكاديميا في الكويت مثل الدكتورة فايزة الخرافي وهناك أيضا رجال أعمال شبان ونقابيون من الأسرة التي تتقاسمها مثل غيرها اتجاهات سياسية متباينة بين الإسلاميين والليبراليين والقوميين إلا أن صورة العائلة خارج الكويت تكاد تنحصر تماما في اسمي البليونير الأشهر في الكويت ناصر الخرافي وشقيقه الأكبر جاسم الرئيس الأسبق لمجلس الأمة.

صنفت مجلة فوربس الخرافي (مع عائلته) ضمن قائمة أغنى أغنياء العالم بثروة قدرتها بـ14 مليار دولار لعام 2008

وناصر محمد عبد المحسن الخرافي الذي ولد في العام 1944 كان قد درس في مدرسة فيكتوريا في مدينة الإسكندرية، و قرر والده الانتقال مع عائلته إلى مومباي الهندية (بومباي في ذاك الوقت) حيث كانت تتركز معظم تجارته هناك واكتسب ناصر وجاسم الخرافي تعليمهما الأول في إحدى المدارس الخاصة.

الاهتمام الأول لناصر الخرافي تجاريا توجه نحو الاستثمار الزراعي والصناعي حيث أسس شركة “أمريكانا” في ستينات القرن الماضي وما إن جاء العام 1969 حتى استطاع توسيع نشاط “أمريكانا” نحو سلاسل مطاعم الوجبات السريعة بافتتاح مطاعم “ويمبي” الشهيرة في الكويت وألحق خلال السبعينات توكيلات سلاسل مطاعم أميركية عملاقة مثل “كنتاكي” و”هارديز" وسواها باستثمارات المجموعة. ولاحقا في التسعينات توسع نشاط الشركة عبر علامات تجارية غذائية إضافية مثل “هاينز" و”كاليفورنيا غاردن”.

ومجموعة الخرافي ناشطة بقوة أيضا في قطاعات المقاولات والصناعة والسياحة والفنادق والاستثمارات الهندسية والإنشائية إضافة إلى أنها تعمل في قطاعات الطاقة والنفط والمياه والكيميائيات.

صنفت مجلة فوربس الخرافي (مع عائلته) ضمن قائمة أغنى أغنياء العالم بثروة قدرتها بـ14 مليار دولار لعام 2008. وقبيل وفاته في العام 2011 وضعت المجلة ناصر الخرافي في المرتبة 77 على قائمة الأغنياء بثروة قدرت بنحو 10.4 مليارات دولار.


البعد العربي للاستثمار


يتمايز ناصر الخرافي عن غيره من كبار رجال الأعمال والمتموّلين في الكويت بأنه كان يقدم صيغة عروبية لعمله – أو هكذا ينقل عنه- فالرجل كان قليل الظهور إعلاميا ويؤكد على نوعية الحياة العادية التي يعيشها مثل بقية مواطني بلاده مع أنه أكثرهم ثراء، وكان الخرافي يفخر بأعداد الموظفين العرب في مجموعته بالتوزاي مع ما تحققه من نمو وأرباح وهناك تقديرات تتحدث عن نحو 100 ألف عربي يعملون في مجموعته بينما تقول مصادر رسمية مصرية إن زهاء 300 ألف شخص يعملون أو يستفيدون من العمل في استثماراته في مصر.

ويبدو أن لاستراتيجية مزج القوة الاقتصادية الضخمة بالحرص على توفير فرص العمل دوافع أخرى أيضا فالخرافي كان دائما من أكثر من الشخصيات تأثيرا في العالم العربي وهو قريب بشكل شخصي من الرؤساء والقادة ويروى أن العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني قال له وهو يقلده وساما رفيعا “إن حجم استثماراتكم في الأردن يوازي المعونة الأميركية”.

كتب الخرافي قبل وفاته بأسبوع إلى حسن نصر الله يستسمحه في توجيه رسالة دعم وتأييد لبشار الأسد وإيران


دوافع سياسية وراء الاستثمارات


ثمة جانب آخر مهم في صورة الرجل فهو أيضا يكسر قاعدة المعتاد في الكويت حيث لا يتدخل رجال الأعمال الكبار، علنا على الأقل، في السياسة الخارجية ولا يتبنون مواقف صريحة في دعم هذا أو ذاك، ما لم يكن الأمر يتعلق ببلادهم الكويت نفسها فتكون هنا قضية التزام وطني لا سياسي بالمعنى المفاهيمي للسياسة، وبالرغم أنها بلا إثباتات موثقة ومؤرخة إلا أن هذا النمط من تجنب الخوض المباشر في شؤون السياسة يشير إلى ما يعرفه الكويتيون بتفاهم راسخ، ومجد إلى حد بعيد ، بين أسرة الصباح الحاكمة وطبقة التجار الكبار حول تولي الأولى مهمات إدارة شؤون الحكم وسياسات البلاد وعلاقاتها الدولية بينما يهتم التجار بشؤون الاقتصاد والمال.

ناصر الخرافي سجل خروجا متكررا عن هذه النمط دون أن يعني هذا منازعة لأسرة الصباح بأية حال من الأحوال، والواقع أن لا أحد في الكويت ينازع الأسرة الحاكمة على موقعها التاريخي، فالخرافي لم يعرف عنه يوما طموح سياسي لكنه تصادم غير مرة مع المزاج العام في الكويت والخليج عموما تجاه حزب الله وأمينه العام حسن نصر الله، ففي ذروة حرب 2006 التي شهدت ميلاً في الشارع الخليجي إلى اعتبار أن حزب الله ورّط لبنان فيها بلا طائل وتسبب للبلاد بدمار كبير ناهيك عن العدد المروع للضحايا المدنيين، كان لناصر الخرافي رأي آخر في بيان نشره في الصحف الكويتية ولم يلق كثيرا من ردود الفعل إمّا لانشغال الصحافة بالحرب نفسها أو احتراما لقيمة الرجل المعنوية الكبيرة ونفوذه الاقتصادي والاجتماعي.


اتهامات الخرافي للعرب


المرة الثانية كانت في نهاية مارس 2011 حيث نشر مقالا في إحدى كبريات الصحف الكويتية عنونه بـ”عدو فاجر وصديق غادر” هاجم فيه بحدة دولا لم يحددها واتهم البعض ممن لم يسمهم كذلك بأنه استغل الفرصة “ليطعن الشرفاء المجاهدين بخنجر مسموم في ظهورهم، وهم في ذروة الدفاع عن الأمة الإسلامية في مواجهتها للمخطط الصهيوني الآتي”.

أما من هم هؤلاء الشرفاء فهو يضيف “وهاهم قد كشروا عن أنيابهم تجاه سيد المقاومة سماحة صاحب النصر الإلهي السيد حسن نصر الله، إذ لم تكتف أقلامهم عن الغمز واللمز تارة، والتلميح والتصريح تارة أخرى، معتبرين أن بعض تصريحات سماحته ما يسيء للبعض، ومعتقدين ذلك سقطة ليستغلوها للإساءة إليه”.

وكان الخرافي قد ساهم في إعادة إعمار بلدة مارون الرّاس اللبنانية الحدودية التي شهدت معارك ضارية في حرب 2006 وانتهت بما أعلنه “سماحة السيد” على أنه “نصر إلهي” رغم أن نتائج نصره كانت وبالا سياسيا وعسكريا على حزب الله وإنسانيا وعمرانيا على لبنان كله، وعدا عن هذه المساهمة لا توجد استثمارات لمجموعة الخرافي في جنوب لبنان، وقد يسيء البعض الظن ويذهب إلى تفسيرات “سرّية” لغيابه عن تلك الساحة.

نشأ الخرافي في الهند وعاد إلى الكويت ليؤسس مجموعة تجارية قوية في قطاعات المقاولات والصناعة والسياحة والفنادق والاستثمارات الهندسية والإنشائية والطاقة والنفط والمياه والكيميائيات

وعرف عن الخرافي أنه حين كان طالبا في مصر في منتصف الستينات، ترك رفاقه من أبناء الصفوة الثرية في “فيكتوريا كوليدج” ليزاحم المتظاهرين في شوارع مدينة بورسعيد ثم تطوع مدافعا عن تراب مصر الناصرية، فانتقلت صورة الإيمان القاطع بالولاء الشعبي لعبد الناصر إلى نصر الله الذي كان أيضا هو سبب المقال الثالث الذي نشر قبل وفاة الخرافي بأيام تحت عنوان “عيش العزة أو موت الكرام”. وهي رد على شكر علني توجه به نصر الله إلى الخرافي الذي وصف موقف الحزب بـ”البطولي”. واللافت في هذا المقال الذي جاء بعد اقل من شهر على اندلاع الثورة السورية أن كاتبه استسمح نصر الله عذرا ليوجه ” رسالة دعم وتأييد للإخوة في الجمهوريتين العربية السورية والإسلامية الإيرانية”. وعن سوريا تحديدا كتب: “فسورية التي أثبتت الأيام وعبر التاريخ أنها قوة صامدة في وجه العدو، ولم تتخل، أو تخون مبادئها، ولم تضعف أمام كل الإغراءات، التي تمارسها القوى الخارجية ولم تثنها عن خطها القومي الأصيل، ولهذا فإني أدعو من هذا المنبر الإعلامي، كل العرب والمسلمين إلى مساندة الأشقاء في سورية بمحنتهم”.

لم يتح القدر لناصر الخرافي أن يعرف الطريقة التي قرر نصر الله وإيران عبرها “مساعدة السوريين في محنتهم” فهو قد توفي بعد نشر مقاله بخمسة أيام ولا يمكن الجزم بالطريقة التي سيؤثر بها إرسال نصر الله وإيران آلاف المقاتلين لدعم مذابح الأسد على موقف الرجل من “صاحب النصر الإلهي”.

هل يمكن الاستناد إلى حساسية رجل الأعمال الملياردير تجاه مصالحه العالمية والمستقبلية لاستنتاج موقف ما من المقتلة السورية ؟.. ربما، لكن الخرافي خالف من جديد موقف الكويت الرسمي من الثورة السورية الواضح وصوت أميرها الذي يعدّ الصوت الأعلى دوليا عندما يتعلق الأمر بإغاثة ملايين اللاجئين والنازحين والمشردين من حرب الأسد على السوريين.

ويبقى أنّ في الدلالة الشخصية ما يكفي. الخرافي لم يكن من نوعية رجال الأعمال العرب التي تتباهى باستثماراتها في البورصات الكبرى في نيويورك ولندن وباريس بل كان يدير أمواله في مناطق عربية – خطرة استثماريا – وببراعة من خبر متاهات البيروقراطيات الحكومية العربية.

7