ناصر العمر شيخ "كاسيت" الصحوة الممتلئ ضجيجا وتحريما

السبت 2014/04/26
العمر يصرّ على أن يكون مشروعه امتدادا لحركة الإخوان المسلمين

الرياض- كان يشعل منبر جامعه في شرقي العاصمة السعودية الرياض، تزدحم الشوارع قبل حيّزه المكاني الذي يدوّي صوته الجريح في أرجائه، والذي يتمايل مع عواطف العقول الجمعية الحاضرة له، فجمهوره من الشباب المتحمس، ليكون وجها وصوتا بارزا من أوجه صحوة السعودية في أوائل الثمانينات الماضية.

يتعكر مزاجه من كل شيء، حتى من المؤسسة الدينية الرسمية، وبعض أسمائها الكبار كالراحل عبدالعزيز بن باز، والحاضر صالح الفوزان، وغيرهما، لكونه من مدرسة سرورية حملت أطياف رموز وشيوخ الصحوة الذين عاشوا بين منزلتي السلفية والإخوان، وتوهّج حضورهم سابقا عبر الكاسيت الإسلامي، قبل أن يصبحوا اليوم نجوم الفضائيات.


الشباب السعودي


ربط الشباب السعودي المتحمّس في فترات طويلة بمربط صوته وحضوره، فأصبح المقرّب منهم ورأيه هو المقدّس لهم، فغذاهم بتسييس الإسلام في دروسه الدينية، باعثا خطاب الصحوة بأسلوب لا يتقنه سوى ناصر العمر.

شيخ من ضمن طابور رجال الدين الحركيين الأشهر، أخذ من طباع سلمان العودة بعضا من قدرته على استمالة القلوب، ومن هدوء سفر الحوالي ما يوصل رسالته بسلاسة إلى عقول الناشطين، ومن تفكيك عائض القرني الكلامي البعض من فواصله وعبره، ومن محسن العواجي شهرة المنابر والتجييش.

جميعهم في ذات المركب، وأصرّ ناصر العمر على أن يكون مشروعه مع زملائه امتدادا لحركة الإخوان المسلمين، بحركة دينية اعتزوا بتسميتها بـ”الصحوة” منطلقا عنهم بتميّز في نشر الفتاوى وضخ الحركة في محال التسجيلات الإسلامية بخطبه التي يحرص على أن تغزو السوق المجتمعي، حتى اكتسى من أموالها ووفر منها لجمعيات تحفيظ القرآن الكريم.

خلق ناصر العمر السابح في بحره الستيني، اتجاها ثوريا في خطبه، معارضا فقط، ولم يخلق لسانه تأييدا، راسما منهجا سياسيا إسلاميا صريحا، عكس ما يتوارى عنه حزمته الصحوية، وإن ظهر في أوائل صعوده مساندا إلا قليلا مع الموج السلفي السعودي، لكن شعيرات الإخوان الرابطة له تجعله في مقام السرورية الأقل رفعة.


تحريم الجديد


حافظ على هدوء خطبه بعد انحسار موجة الصحوة، وعاد قبل عشرة أعوام كاشفا عن درع مهترئ عنوانه “الإسلام السياسي”، عاد متوهّجا خوفا من اعتقاله بعد ضربتين عصفتا برفقاء فكره ومنهجه، سلمان العودة، ومحسن العواجي.

العمر مشغولا بالسعادة الزوجية ويدافع عن طالبان
ناصر بن سليمان بن محمد العمر، ولد في العام 1952، وأنهى دراسته الثانوية من معهد الرياض العلمي ليتابع دراسته الجامعية في كلية الشريعة، وليصبح معيداً في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، بكلية أصول الدين – قسم القرآن وعلومه، حصل على درجة الماجستير من كلية أصول الدين - قسم القرآن وعلومه في العام 1979، ثم حصل على درجة الدكتوراه من كلية أصول الدين – قسم القرآن وعلومه – في العام 1984، وعُين أستاذاً مساعداً في قسم القرآن وعلومه في العام 1984م، ثم رقي لدرجة أستاذ مشارك ثم رقي لدرجة أستاذ (بروفيسور) في العام 1993، له العديد من المؤلفات والرسائل منها: "الوسطية في القرآن الكريم"، "سورة الحجرات دراسة تحليلية و موضوعية"، "العهد والميثاق في القرآن الكريم"، "تحقيق كتاب (البرهان في متشابه القرآن) لمحمود بن حمزة الكرماني، تحقيق ودراسة الجزء الأول من ( لباب التفسير) لمحمود بن حمزة الكرماني، "شرح مسلم من منظور تربوي" وهو في طور المراجعة والتصحيح، "مقومات السعادة الزوجية"، "رمضان مدرسة الأجيال"،"السعادة بين الوهم والحقيقة"،"الفتور"،"أسباب سقوط الأندلس" ،" البث المباشر"، "بناتنا بين التغريب والعفاف" و له قرابة 100 محاضرة منشورة في التسجيلات الإسلامية، من غير الدروس العلمية، وسلاسل التفاسير الموضوعية.

يقول ناصر العمر في مقابلاته الصحفية :"إن أميركا مهزومة في العراق، وإن المقاييس العظمى للهزيمة هي انهزام المبادئ، وأميركا انهزمت مبادؤها في الفلوجة، والهزيمة في المبادئ أعظم من الهزيمة في قتل فلان أو فلان، وأميركا لا تقرأ السنن ولا التاريخ لان العراق لم يخضع لحكومات فكيف يخضع لعدو مستعمر؟ من الصعب جدا إخضاع العراق بهذه الطريقة. وعبر العمر عن الأسف لما حدث في الفلوجة وفي غيرها، وأكد ثقته أن أميركا "لا أقول أنها ستهزم بل هي والله اليوم مهزومة ومندحرة، وهذا ليس رأيي بل رأي المخابرات الأميركية والصحف الأميركية ورأي عقلاء أميركا".

ولكن العمر يؤكد أن حصر الجهاد واختزاله في العراق باسم فلان أو مجموعة بعينها محاولة لطمس الحقيقة، مؤكدا أن من تسميهم أميركا بالإرهابيين هم المجاهدون الصامدون أصحاب البطولات، وليس هناك بعثيون أبدا إلا أفراد مرتزقة لا يمثلون حزبا، وإنما الثابت هم المجاهدون الصامدون الذين قاموا ببطولات لم يقم بها العراق كله بنظامه وجيشه وأحزابه وماله وهيمنته، وهاجم العمر معتقل غوانتانامو ووصفه بأنه مأساة في جبين التاريخ كله وصفحة سوداء في تاريخ البشرية اجمع، واعتبر أن من أعظم أسباب تأخر انتصار الأمة أنها غير مؤهلة للانتصار بسبب ذنوبها ومعاصيها، «ومع هذا فنحن لا نشك في انــــتصارها إلا أن النـــصر سيتأخر لان الأمة غير مؤهلة لذلك ولم تأخذ بالأسباب الشرعية للانتصار»، وعن طالبان قال إنها سقطت من الواقع ولكنها لم تسقط من القلوب ولذلك تجد الناس يحنون إليها وهذا واقع لا ينكر.

يحرّم ابن قرية المريديسية في بريدة القصيم حيث حصن من حصون التشدّد الديني السعودي، كل مستجدّ، يغلق الأبواب على كل شيء ويتراجع عنه لاحقا، بعد أن تعصف به رياح الكلمات والاعتراضات من قبل بعض أطياف الرأي العام التنويري، وكذلك شكوك طلبته مرخي العمائم.

يكتب بصوته، لا بقلمه، فوقته متروك كله للهجوم، يتفرغ بعض جيشه لتفريغ صوته في كتب تبدأ بالإشارة إلى أستاذيته الأكاديمية لا دكتوراه وحسب، متميزا عن بقية أقرانه بألف ودال يغلب بها في بحر لجي من الاعتراضات، ليس على مبادئ الحراك الطبيعي للحياة، بل ضدّ مؤسسات رسمية على رأسها الديوان الملكي.

مبدع في حشو أدمغة الجالسين حوله منذ بدء حراكه الدعوي ببهتان الكلام، ورسم حكايات الجنة وحورياتها وأنها معلقة في جبال أفغانستان، وبحار البوسنة وفي صحاري العراق وبين طبيعة الشام الساحرة، مرفقا كل تلك الكلمات بدموع صوتية لا أثر لها إلا على أخاديد أوجه آباء وأمهات فقدوا أبناءهم في قوافل الموت الجهادية.


مع غازي القصيبي


عرّاه في زمن وهجه الأول، الكاتب والدبلوماسي السعودي الراحل غازي القصيبي، في كتاب أسماه القصيبي “حتى لا تكون فتنة” ردّا على كاسيت العمر “السكينة” الذي اتهم من خلالها القصيبي بالعلمنة، وهو ما أشعل قريحة الكتابة والرد القصيبية على ناصر، جامعا لفكرته الأدبية والبعد الفلسفي مع الحجة الدينية.

مع بدء الثورات العربية وصعود الإخوان المسلمين في بعض البلدان على أكتاف تلك التغييرات الاجتماعية، عاد ناصر العمر ومعه ثلة من الأولين الصحويين إلى واجهة الكلام والدعوة من جديد، وبذات حدة الخطب المنبرية كاشفين عن معدن فكرهم الأساس، الذي كان منبعه الإخوان وأفكار صنّاع الإسلام السياسي، رابطا اسمه بمنصب “أمين رابطة العلماء المسلمين”.

اقترب ناصر العمر من دولة قطر، حاضنة الإخوان المسلمين، فأصبح لا يعرف مطارا إلا مطار الدوحة، ولا قصرا سوى قصر أميرها الوالد الشيخ حمد آل ثاني، وانهال مدحه وثناؤه على الدولة وحراكها التنشيطي والمولد على كافة الجبهات دعما للإخوان، وقاذفا لكلماته الجارحة على السلطة السعودية، وبعض إصلاحاتها التي تنتهجها وظهرت بوادرها وتحقق بعضها في عهد العاهل السعودي الملك عبدالله.

يقود العمر باسمه ووجوده قوافل الاعتراض على حكومة بلاده، محتسبا كما يراه من يسمون أنفسهم بـ”الغيورين” ضاربا باب الاعتراض على كل تلك التوجهات، متناقضا مع ما يؤيده من دور لحكومة قطر التي تمارس أكثر مما يسيء إلى المدرسة السلفية السعودية.


السعي إلى السلطة


يرى كذلك مع عودة وهجه الصاعد طرديا مع صعود الإخوان المسلمين في العامين الماضيين، والكاره لكل حراك محلي والراغب لجذب الأنظار إلى الخطاب الإخواني الساعي إلى السلطة أن الفتن يقودها الحكام لتقربهم من أميركا وإسرائيل، إضافة إلى سعيهم إلى إخراج المرأة من منزلها وتمكينها من نيل الوظائف في قطاعات الدولة، ملمحا إلى المملكة المناهضة لفكره ومدرسته المصرية/ القطرية.

حملته أجنحة الدوحة إلى زيارة غزة، فانبرى دعما لحركة حماس، دون الفلسطينيين، وهو موقف سياسي قطري معلوم، عكس الموقف السعودي الداعم لعموم الفلسطينيين دون حركة بعينها، منتقدا صمت حكام العرب من عدم دعم حماس، ممتدحا انتصارها على عدوّها الذي لم يسمّه.

حملته أجنحة الدوحة إلى زيارة غزة، فانبرى دعما لحركة حماس، دون الفلسطينيين، وهو موقف سياسي قطري معلوم، عكس الموقف السعودي الداعم لعموم الفلسطينيين دون حركة بعينها، منتقدا صمت حكام العرب من عدم دعم حماس، ممتدحا انتصارها على عدوها الذي لم يسمه

تحركه داخل السعودية للاعتراض قضايا المرأة، فينبري انتقادا لوزير العمل السعودي معتبرا أنه فاتح باب “التغريب” لفتيات المملكة، كذلك مجلس الشورى السعودي الحاوي لثلاثين امرأة وأن قراراتهن التي ينطقن بها ومحاولاتهن حضور الصوت النسائي المغيّب عقودا تحت عباءات رجال الدين، بأن أغلبها “كبيرة من الكبائر”.

يرى في مهرجان الجنادرية السنوي الذي يرعاه الملك عبدالله، وجها من أوجه “الفساد” حيث تكثر وفق رؤيته ما يعجل بهلاك الأمم، من “اختلاط بين الجنسين” وخلافه، معتبرا أن هنالك تضييقا على المحتسبين داخل المجتمع السعودي، وقوده في تلك الكلمات صحويته التي غفت كثيرا وأيقظتها صحوة الإخوان في الفترة الماضية.

ناصر العمر، وجه إسلام سياسي فشل داخليا في السابق، ويحاول عبر إمدادات موانئ قطر المالية إلى صناعة أفق جديد داخل المجتمع السعودي الذي يعتبره بعض نخبه التنويرية بـ”تاجر شنطة قطر” مستفيدا من الحظر المفروض على بعض إخوته من الإخوان بانتهاز فرص الاغتناء والحضور الإعلامي لصناعة مخطط هو حلم الصحوة القديم المتجدّد مع حضن الدولة الخليجية.

شديد الحركيين السعوديين اليوم، وداعي الجهاد الأول، والساعي إلى تحريك المجتمع وتأليبه لهم لخوض مواجهات ضدّ “منكرات” من باب التغيير باليد قبل اللسان والقلب، فيما لا يزال منبره شرقي الرياض يعاود ركضه السابق، بغية إعادة الحلم.

14