نافذة الصحافيين على العالم تتحول إلى قبضة حديدية

على عكس ما يعتقد الكثيرون، باتت الرقابة الحكومية على الصحافيين أكثر سهولة بعد انتشار تكنولوجيا المعلومات بما فيها الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، وقدرة الحكومات على تتبعها، واستخدام موظفين متخصصين بالتحرش في المواقع الإلكترونية من أجل إسكات الأصوات الناقدة.
الثلاثاء 2017/05/16
القيود تلاحق الصحافيين

واشنطن – على مدار الساعة يجد الموطنون أنفسهم محاطين ببحر من المعلومات في أي مكان من العالم، ويتوقع الكثير من الناس أن هذا الكم الهائل من المعلومات قد أضعف رقابة الحكومات، إلا أن حقيقة الأمر مختلفة حيث توجد فجوات هائلة في المعرفة بالعالم، وتتنامى هذه الفجوات مع تصاعد الاعتداءات ضد الإعلام.

يقول جويل سايمون المدير التنفيذي للجنة حماية الصحافيين في تقرير نشره على موقع اللجنة، كان من المفترض أن تصبح الرقابة ممارسة بائدة بعد ظهور تكنولوجيا المعلومات، ومنابر التواصل الاجتماعي واسعة الانتشار، والهواتف الذكية المزودة بكاميرات، إلا أن هذه التكنولوجيا جعلت الرقابة أكثر تعقيدا، إذ تعكف الحكومات على تطوير أنظمة جديدة للسيطرة على المعلومات، وتسخّر التكنولوجيا ذاتها التي أتاحت نشر المعلومات لخنق حرية التعبير.

وباتت الاستراتيجيات الرامية إلى السيطرة على المعلومات وإدارتها تشمل ثلاث فئات عامة، ويسميها سايمون النسخة المطورة عن القمع أو القمع “نسخة 2.0”، والسيطرة السياسية المقنّعة، وإحكام القبضة على التكنولوجيا.

ويمثل القمع “نسخة 2.0 ” تحديثا لأسوء أساليب القمع القديمة، ابتداء بالرقابة الحكومية وانتهاء بسجن الناقدين، والذي بات أكثر سهولة بعد انتشار تكنولوجيا المعلومات بما في ذلك الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، وقدرة الحكومات على تتبعها.

وقد تبرر الحكومات القيود التي تفرضها على الإنترنت من خلال الزعم بأن هذه القيود ضرورية لكبح خطاب الكراهية والتحريض على العنف. وبوسعها أن تصوّر إجراءاتها بإيداع العشرات من الصحافيين الناقدين في السجون على أنها عنصر ضروري في الكفاح العالمي ضد الإرهاب.

ويعني “إحكام القبضة على التكنولوجيا” استخدام الوسائل التكنولوجية ذاتها التي أدت إلى الانتشار العالمي للمعلومات، بغية خنق المعارضة من خلال فرض المراقبة على الناقدين وتتبعهم، وحجب المواقع الإلكترونية، واستخدام موظفين متخصصين بالتحرش في المواقع الإلكترونية من أجل إسكات الأصوات الناقدة. ومن بين أخبث هذه الأساليب نشر البلبة عبر البروباغاندا والأخبار الزائفة.

الحكومات تبرر القيود التي تفرضها على شبكة الإنترنت بأنها ضرورية لكبح خطاب الكراهية والتحريض على العنف

وساهمت هذه الاستراتيجيات في تزايد حالات قتل الصحافيين واحتجازهم في جميع أنحاء العالم. وبلغ عدد الصحافيين السجناء 259 صحافيا في نهاية عام 2016، وهو أكبر عدد على الإطلاق تسجله لجنة حماية الصحافيين. وفي الوقت نفسه استغلت التنظيمات العنيفة، من الجماعات المتطرفة إلى عصابات تهريب المخدرات، تقنيات المعلومات الجديدة كي تتجاوز الإعلام ولتتواصل مباشرة مع الجمهور، وعادة من خلال بث مقاطع فيديو تتضمن عنفا فظيعا لنشر رسالة رعب وترهيب.

ويتحدث المدير التنفيذي للجنة حماية الصحافيين روبرت ماهوني عن المشهد العالمي لأمن الصحافيين بالنظر في الطرق التي أنتهجها الصحافيون والمنظمات الإعلامية للاستجابة لهذه التوجهات المثيرة للقلق، حيث يؤدي التهديد بالعنف إلى كبح التغطية الصحافية في نقاط ساخنة في العالم بدءا بسوريا ومرورا بالصومال وانتهاء بالحدود الأميركية المكسيكية، مما يخلق فجوة معلوماتية خطيرة.

وأدت التقنيات الجديدة التي أتاحت للجماعات الإجرامية والجماعات المتطرفة أن تتجاوز الإعلام وأن تخاطب الجماهير مباشرة، إلى زيادة كبيرة في الخطر الذي يواجهه الصحافيون الذين يغطون الأحداث من مناطق النزاع، بيد أن هذه العملية الرامية إلى إزالة وساطة الإعلام تشكل تحديا للأنظمة الاستبدادية في جميع أنحاء العالم، والتي اعتادت أن تدير تدفق المعلومات من خلال السيطرة المباشرة على وسائل الإعلام الجماهيرية. وقد استمدت الحركات الجماهيرية، من الثورات الملونة إلى الربيع العربي، وقودها من خلال المعلومات التي تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وبما أنه بوسع أي فرد يملك هاتفا ذكيا أن يمارس أنشطة صحافية، بات من المستحيل سجن جميع هؤلاء الأفراد.

وثمة تحد مستمر تواجهه الأنظمة الاستبدادية يتمثل في العثور على التوازن الصحيح ما بين القوة القمعية الضرورية للاحتفاظ بالسلطة وبين الانفتاح الضروري للاستفادة من التقنيات الجديدة والمشاركة في الاقتصاد العالمي.

أما خارج مناطق الدول الأكثر قمعا، تسعى الحكومات عموما إلى تغطية ممارساتها القمعية خلف قشرة ديمقراطية. ووصف ويليام ج. دوبسون في كتابه “مُنحنى التعلّم للدكتاتور”، كيف استخدم جيل من الحكام المستبدين زخارف الديمقراطية، بما في ذلك الانتخابات، لحجب ممارساتهم القمعية. وقد وصف هذا النوع من الحكام المستبدين بمصطلح “الديمقتاتور”.

ويمثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالنسبة للكثيرين نموذجا لهذا النظام. وكتب الصحافي أندرو فينكل كيف أن حكومة أردوغان تسجن أكبر عدد من الصحافيين في العالم، وتمارس السيطرة على وسائل الإعلام الخاصة باستخدام الضغط المباشر، وسلطة وضع الأنظمة، وسن القوانين، وذلك كوسيلة فظّة لضمان امتثال وسائل الإعلام لرغبات الحكومة.

تركز الاستراتيجيات الحكومية على السيطرة السياسية والمناورات السياسية، بيد أن الحكومات تسعى أيضا، بالطبع، لإحكام قبضتها على التكنولوجيا التي يعتمد عليها الصحافيون وغيرهم لنشر المعلومات الناقدة.

ويمكن استخدام هذه التكنولوجيا ذاتها في ممارسة المراقبة، وحجب المواقع، واستخدام موظفين متخصصين بالتحرش في المواقع الإلكترونية من أجل إسكات الأصوات الناقدة، ونشر البروباغاندا.

وقارنت الكاتبة إيملي باركر في مقال لها بين الأسلوب الذي انتهجته الصين وذلك الذي انتهجته روسيا، وتشير إلى أن روسيا فشلت في المراحل المبكرة في إدراك التهديد السياسي الذي تشكله شبكة الإنترنت، ووجدت نفسها تسعى جاهدة لمواكبة تطوراته.

وحاليا، وعلى الرغم من أن روسيا ما زالت تكافح لتقييد الأصوات المعارضة على شبكة الإنترنت، إلا أنها بدأت بتطوير ما يمكن وصفه بقدرات هجومية في هذا المجال، إذ تستخدم الإنترنت لنشر البروباغاندا والتلاعب بالرأي العام على الصعيد المحلي وفي جميع أنحاء العالم.

18