نافذة على جدار إسمنتي

المجتمعات تتعلم السينما بنفس القدر الذي تتعلم السينما منها، ولكي نخفف من أشكال العنف ضد النساء وعلى المرأة الضحية علينا التوقف عن الإصرار بأنّها كذلك.
الأحد 2018/03/11
منة شلبي في فيلم 'هي فوضى'

في 1985 نشرت فنانة الرسوم المتحركة آليسون بِكدِل إحدى حلقات سلسلتها “دايكس تو واتش آوت فور” Dykes to Watch out for  وتبدو فيها الصديقتان جنجر ومو تتناقشان حول فيلم السهرة فتصرّح مو بأنّها لا تذهب لمشاهدة أي فيلم إلا إذا كان يحقق ثلاثة شروط: أن يحتوي العمل على امرأتين على الأقل، وأن تتحدثان مع بعضهما البعض، وأن يكون الموضوع بعيدا عن الرجال.

بعد عدة سنوات أصبحت هذه القصة أساسا لما عُرف بأنّه اختبار بِكدِل أو اختبار بِكدِل ووالاس حسب تفضيل آليسون نفسها، والذي أصبح يُستخدم في الألفينيات لتقييم الأفلام في ما يخُصّ دعم النساء وتعزيز حضورهنّ فيها، تقول آليسون بِكدِل إنّها تدين بالفضل في وضع هذا الاختيار إلى صديقتها ليز والاس وكتابات فيرجينيا وولف.

لندع آليسون بِكِدل واختبارها جانبا ونرى سينمانا العربية التي تجاوزت عامها المئة منذ عدة سنوات.

المرأة أم السينما

تُجمع العديد من المصادر أنّ عزيزة أمير (17 ديسمبر 1901 – 28 فبراير 1952 ) هي الأم الشرعية للسينما المصرية إذ قامت بإنتاج فيلم (ليلى) وهو أول فيلم روائي طويل في السينما العربية، وهذا الامتياز النسائي الذي تم تجاهله في عدد من الدراسات التي تناولت بدايات السينما العربيّة، قد ينطوي على القليل من التمحيص على عكس ما يبدو، وأقصد هنا السبب الذي جعل بداية السينما تقوم على أيدي النساء إن صح التعبير.

تقول السياسيّة والكاتبة اللبنانيّة منى فيّاض تعليقا على هذا الموضوع في مقالها في مجلة “العربي” لعدد نوفمبر 2005 “يمكن التساؤل هنا عن سبب بروز سيدات في بدايات عصر السينما المصرية، بينما كنّ مرفوضات في المجالات الأخرى.. أليس السبب نظرتنا إلى السينما كعالم هامشي وترفيهي يتميز بالخفّة، وبالتالي لا يمكن أن ينظر إليه بالجدية الكافية كي تتم منافسة النساء فيه وإقصائهن، وخاصة في البدايات حيث المغامرة والمخاطر أكبر بكثير من المكاسب؟”.

بعيدا عن هذا الرأي أو ذاك، لا شك أنّ النساء شاركن بقوة في بدايات السينما العربية كمنتجات ومخرجات ومونتيرات مثل: بهيجة حافظ، فردوس حسن، آسيا داغر، فاطمة رشدي وأمينة محمد، ولكن ظلّت العلاقة بين المرأة العربية والسينما علاقة شائكة وملتبسة وبالغة التأثر بكل ما اعترى المنطقة العربية من ارتفاع أسعار الرغيف وحتى الصراعات المسلّحة.

سينما للنساء

لقطة من فيلم "دكان شحاتة" لخالد يوسف
لقطة من فيلم "دكان شحاتة" لخالد يوسف

ساهم الكثير من النقّاد والمحللين الاجتماعيين والنفسيين وحتى الهواة في تحليل صورة المرأة في السينما العربيّة، ومحاولة فهمها وتقييمها وإعادة شرحها من زوايا متعددة، وقد أجمعت الكثير من الدراسات والمقالات على أنّ السينما قدّمت صورا مشوهة لنماذج من النساء، منها المرأة المطلقة سيئة السمعة، والزوجة الخائنة، والسكرتيرة اللعوب، والحماة المتحكّمة، وأنّها منحت البطولة دائما للرجال بما تسبغه عليهم من صفات الحكمة والعقل والوطنيّة والشجاعة.

ولكن من وجهة نظري، أعتقد أنّ المشكلة كانت أيضا في السينما التي زعم أصحابها أنّهم يناصرون المرأة، ويشجعون حقوقها، ويُلمعون صورتها التي خدشتها العادات والتقاليد، لأنّها تعاني في الأساس من مشاكل السينما العربية بشكل عام مثل: النصوص والإنتاج وفهم الوظيفة الجوهرية للسينما، بالإضافة إلى مشاكلها الأساسية النابعة من طبيعتها باعتبارها سينما عن المرأة.

تناولت السينما “المُناصرة” قضايا المرأة بطريقة تشبه كثيرا التعامل الحكومي معها، إذ اعتمدت على توليفة جاهزة من الشخصيات والنصوص العائمة التي فقدت معناها من فرط تكرارها، فلم تُقدّم سوى نسخ من بعضها البعض، مبررة هذه المعالجة بأن هذا هو الواقع الذي يجب على السينما أن تعكسه، وجسدت هذه السينما أنماطا معينة للمرأة بصورتها الناصعة والإيجابية من وجهة نظر صُنّاعها، بينما لم تكن سوى إعادة إنتاج لشروط المرأة الصالحة حسب المجتمعات الأبوية التي تقول هذه السينما إنّها تناقضها.

يُحب السينمائيون دور الأم، فهو يتيح خلق مساحة تمثيلية مضمونة ومرغوبة ورائجة، تتماشى مع المنظور الاجتماعي لأهم دور للمرأة في الحياة في المجتمعات الشرقية، إلى درجة جعلت بعض الممثلات يتخصصن في دور الأم وهو ما يصعب أن نجده في نتاجات سينمائية في دول أخرى تشاركنا ظروفنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

هناك- مثلا- الممثلة فردوس محمد بصدرها الكبير، ووجهها الذي ينطق حبا ورعاية. تقول مريم فخرالدين لزاهي وهبي في إحدى حلقات برنامج “خليك بالبيت” الذي كان يُعرض في تلفزيون المستقبل إنّ أمها المجرية لم تكن تمثل لها الصورة التي ترغبها عن الأم، فلم يكن صدرها كبيرا كصدر فردوس محمد!

الأم الصالحة في السينما هي الأمّ المضحية، هي شمعة البيت وأساسه، هي من ترفض تكرار الزواج الثاني بعد الطلاق أو وفاة الزوج.

لم تكن فردوس محمّد هي الوحيدة كنموذج مفضّل للأمهات، فهناك أيضا كريمة مختار وأمينة رزق وآمال زايد بل وحتى شادية التي قدمت في فيلم “لا تسألني من أنا” (1984) دور الأم عائشة التي تبيع ابنتها للسيدة شريفة (مديحة يسري) كي تستطيع بثمنها أن تربي باقي أبنائها، وهي قصة مأساوية تضج بالألم والقسوة والابتزاز العاطفي.

هذا النموذج من الأم “الشقيانة” شجعته الحكومات العربية والسينما على حد السواء، وما عليك سوى أن تراجع شروط الفوز بجائزة الأم المثالية لتعرف أنّه كلما تعددت عذابات الأم كلما استحقت تقديرها وتثمينها.

السينما “المُناصرة” تناولت قضايا المرأة بطريقة تشبه كثيرا التعامل الحكومي معها، إذ اعتمدت على توليفة جاهزة من الشخصيات والنصوص العائمة التي فقدت معناها من فرط تكرارها

وفي منهج مواز لما سبق، أسست السينما أيضا لصورة الأم السيئة، الأم التي لا تستحق هذا اللقب الذي لا يحمل لصاحبته سوى الشرف والرفعة، وهي هنا سيدة متأنّقة، شديدة الاهتمام بمظهرها، ثرية أو من أسرة أرستقراطية، وهي بالضرورة مدخنة لأنّها سيئة السمعة، أو موظفة لأنّها مهملة، وقد يتجاوز الأمر أن يكون لها عرق أجنبي، أو يكون لها مظهر أوروبي.

في فيلم “عمارة يعقوبيان” (2006) لمروان حامد، كانت والدة الصحافيّ حاتم رشيد (خالد الصاوي) الخائنة المهملة لابنها من زوجها المصري، فرنسية الجنسية، وفي فيلم “كدبة كل يوم” (2016) مثلت شيرين رضا، بمظهرها الأوروبي الواضح، دور الأم المُطلّقة، صاحبة البيزنس، التي تظل فاسدة حتى يأتي الرجل (فاروق الفيشاوي) لإصلاح ما أفسدته.

إذن، فالمرأة والأم شيء واحد لدى صُنّاع السينما، وتعزيز مكانة المرأة يتم عبر التأكيد على أهمية كونها أمّا، وعليه يتم الحكم عليها كامرأة صالحة أو فاسدة، ونموذج الأم الصالحة هو الـ”باترون” الذي خاطوا عليه كل الأدوار التي تدعم صورة المرأة في السينما.

ولذلك لم تتطرق السينما أبدا إلى المرأة التي لا تريد خيار الأمومة إلا من باب الحكم عليها إما كسيدة مريضة أو منحلّة، فقد يغفر صنّاع السينما لعاملة الجنس والمثلية والقاتلة وغيرهنّ من النماذج التي تخرج عن الإطار القيمي للمجتمع، من وجهة نظرهم، ويقدمون لهنّ أطنانا من المبررات، لكن لا يمكن أن يتفهموا معنى أن تُفضل المرأة عدم الإنجاب، فالمرأة قد تكون أما سيئة أو صالحة، لكن لا يمكن ألا تكون أما على الإطلاق.

في فيلم “هي فوضى” (2007) للمخرجين يوسف شاهين وخالد يوسف، الذي سيتم الحديث عنه لاحقا، يقول البطل شريف (يوسف الشريف) لخطيبته سيلفيا (درّة) المعترضة على فكرة الإنجاب وهما في سيارتها المكشوفة وسيجارتها في يدها “الست ما تحسش إنّها ست إلا لمّا تخلف”، يعني لا يؤكد المشهد على تقريع سيلفيا بسبب رغبتها فحسب، بل يأتي التقريع من الرجل الذي يعرف بالضرورة مصلحتها وتفضيلات النساء أكثر منها!

إذن، أهم صورة إيجابية للمرأة هي أن تكون أما، وأما صالحة أيضا، وصلاحها يوزن حسب ما يعتقده المجتمع الأبوي بشيوخه وعلمائه ومدرسيه وفنانيه أيضا.

المرأة القوية

في معالجة تقترب من شخصية الأم، تناولت السينما أيضا المرأة القوية، ولكن ماذا تعني القوة هنا؟ وقوية بالنسبة لمن؟ قوة المال؟ قوة السلطة؟ قوة الشخصية؟ التحكم؟ والتحكم بمن؟ بأسرتها؟ بزوجها؟ هل المرأة القوية هي التي تتحكم بمجموعة من الرجال؟ (معلمة قهوة، أو تاجرة مخدرات مثلا؟).

المرأة القوية في السينما هي امرأة قوية في تنفيذ الواجبات التي أناطها بها مجتمعها، إذا كانت زوجة غاب عنها زوجها، فهي تحافظ على ماله وسمعته وشرفه، وإن كانت ابنة فهي تحرص على أن تكون الابنة التي تستحق رعاية والدها وثقة أهلها، وإن كانت خطيبة أو حبيبة فهي التي تصبر على فراقه وتنتظره مهما فعل في غيبته حتى لو كانت علاقة بامرأة أخرى، إنّها فتاة طيبة وأصيلة و”بنت ناس″.

التسويق الذي يؤكد على فكرة أنّ المرأة أكثر مهارات من الرجل، يُرضي النساء، فهو مهم، وقد يكون واقعيا، ولكنّه يُحمّل المرأة ما هو فوق طاقتها

إنّ المرأة القوية هي بالضرورة امرأة شديدة التحمّل، تحتمل أخطاء الآخرين، تحتمل حياة غير عادلة، تتمسك ببيتها رغم الصعاب ورغم غياب الزوج أو خيانته أو تخلفه عن دوره، المرأة التي تجيد باقتدار أن تلعب دور (حمار الساقية) حتى نهاية الفيلم ونزول أسماء أبطال العمل في آخره، فالقوة هنا هي قوة التحمّل، لا قوة اتخاذ القرارات وتنفيذها، أو قوّة المبادئ كالشجاعة والصراحة والأمانة.

حتى عندما قدمت السينما المرأة الطموحة، كانت بالضرورة امرأة تخوض معارك هائلة مع رجال محيطها لتحقيق ما تريد، معارك قد تكون وهمية ولا داع لها. المرأة القوية في السينما هي امرأة ذات حياة صاخبة، صعبة، حارقة، بعيدة عن السلام والهدوء والحياة الطبيعية، فإن لم تعان المرأة فهي لا تستحق النجاح، وإذا لم تعاد رجال محيطها فهي بالضرورة امرأة عادية بلا أثر.

المرأة الخارقة  

المرأة هنا خليط من كل شيء، نموذج إلهي، مثير، ويدير الرؤوس، جميلة، ذكية، وأم حانية، وزوجة ملهمة، وهي أيضا محط أنظار الرجال ولكنّها مخلصة، موظفة قديرة.. إنّها امرأة خارقة، هي نسخة من الرجل بصورته الإيجابية كما صورتها السينما، مضافة إليها خصالها الأنثوية التي لا غنى عنها، بالإضافة إلى جمال الروح، وجمال الروح أحد المصطلحات التي تم ابتذالها للغاية فهو تعبير لا يُذكر إلا عند الحديث عن جمال النساء دون الرجال. كانت المرأة في سينما السبعينات تبدو وكأنّها خارجة لتوها من صالون التجميل، وهي الآن تخرج من صالون الكوافير وبنفس الوقت بعقل خرج لتوه من وكالة ناسا، هل من كمال أكثر من ذلك؟

إنّ التسويق لهذا النموذج الذي يؤكد على فكرة أنّ المرأة أكثر مهارات من الرجل،  يُرضي النساء ، فهو مهم، وقد يكون واقعيا، ولكنّه يُحمّل المرأة ما هو فوق طاقتها، ويزيد من مهامها وواجباتها الصعبة أصلا. قد يكون الحصول على نموذج المرأة الخارقة حلما جاذبا للنساء، ولكنّه فخ خطير بقدر جاذبيته وجدّته، وهو أيضا يوجه الاتهام للمرأة التي لا تستطيع أن تحقق هذه المثالية بأنّها امرأة ناقصة وعاجزة، وهي المسؤولة بالضرورة عن مشاكلها التي تحدث مع الرجل/ الزوج/ الأب/ الابن، لأنها لم تحصل على شروط هذه المرأة الخارقة، التي تستطيع المرأة، أي امرأة، الاشتمال عليها لمجرد أنّها امرأة.

عدسة مُكبّرة

تميزت ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته بظهور ممثلات بعينهنّ، يحملن أفلاما كاملة بما عليها من ميزانية وسيناريو وقصة و”رجال”، وأقصد هنا تحديدا الممثلتين نادية الجندي ونبيلة عبيد، مما دفع بالبعض إلى أن يُلقب الأولى بنجمة الجماهير والثانية بنجمة مصر الأولى، ولكن ماذا حملت هاتان النجمتان في أفلامهما؟

قدمت نادية الجندي في معظم أفلامها التي تصدّرت شباك التذاكر، دور المرأة الداهية، شديدة الإغواء، التي تقاتل الرجال في عقر دارهم بلا هوادة، أو المتحكمة بمصائر الرجال من حولها حتى من أفراد عائلتها، وهناك قائمة طويلة من الأفلام التي تعكس هذه الصورة مثل: شهد الملكة (1985)، المدبح (1985)، وكالة البلح (1982)، الخادمة (1982) وصاحب الإدارة بواب العمارة (1985).. وقد شارك نادية الجندي مجموعة من نجوم تلك الفترة: محمود ياسين، أحمد زكي، فاروق الفيشاوي، فريد شوقي، حاتم ذو الفقار، صلاح قابيل، مصطفى فهمي وعادل أدهم، وقد يشاركها أكثر من نجم الفيلم نفسه، مع غياب شبه تام للبطولات النسائية الأخرى.

وبمراجعة تلك الأدوار نخلُص إلى أنّ الشخصيات التي قدمتها الجندي لم تكن سوى معادلات أنثوية للشخصيات الرجالية السلبيّة، لم تكن نساء نادية الجندي سوى نموذج للمرأة التي تتقاسم مع الرجل الفساد المالي والإداري، وتتنافس معه على ترويج المخدرات وقوادة الدعارة وكل الممارسات المُحرّمة قانونا وعرفا وشرعا. إنّها امرأة يجرها الفساد إلى عالم الرجال الفاسدين، وتعجز عن الاستمرار فيه بعد أن يقتلها أحد رجالها/ أزواجها في أغلب الأحيان.

وفي المقابل مثّلت نبيلة عبيد دور المرأة الجميلة المحاطة بالذئاب على الدوام، سواء كانت عاملة فقيرة في “شادر السمك” (1986) أو راقصة مغوية بجانب السياسي في “الراقصة والسياسي” (1990)، أو امرأة تحمل جمالها كالصليب على ظهرها حسب توصيف الناقد رفيق الصبّان (17 أغسطس 1931 – 17 أغسطس 2013) لدورها في “حارة برجوان” (1989) التي لم تخرج فيه عن هذا المربّع، المرأة الجميلة الضحية، قليلة الحيلة، ومهما تنوّعت شخصيات نبيلة عبيد في أبعادها الأخرى فهي شخصيات نسائية مستسلمة تماما لطاحون المنظومة الذكورية الاجتماعية التي لا ترحم، في انسيابية قدرية دون مقاومة تُذكر. إنها شخصيات تحمل بذور ضعفها، كنساء، في تكوينها، فلا بد أن تُفنى حضورا أو معنى أو كليهما مع نهاية الفيلم. ورغم الاختلاف الظاهري بين شخصيات الجندي وعبيد إلا أنّ الهزيمة والموت والانزواء هي النهاية الحتمية للشخصيات النسائية اللاتي لعبنها.

في التسعينات تدهور الإنتاج السينمائي نظرا لحرب الخليج الثانية وما لحق ذلك من هزال واضح في سوق التلقي، وبالتالي اضطرار بعض المخرجين لتنفيذ بعض الأفلام في أسبوعين فقط لضمان استمرار عجلة الإنتاج.

خالد يوسف.. نجاح التاجر وليس نجاح الفنان
خالد يوسف.. نجاح التاجر وليس نجاح الفنان

وتميزت التسعينات أيضا ببروز اسم المخرجة إيناس الدغيدي (1953) كمدافعة شرسة عن النساء كما تقول عن نفسها دائما، وقلّما يخلو فيلم من قضية تخص حقوق المرأة كما تقول أيضا، ولكن يبدو أنّ الدغيدي كانت تخلط بشدة بين الأدوار النسائية وبين القضايا النسويّة، فكانت نموذجا جليا للمخرجة التي استهلكت جسد المرأة وقضاياها لتصدّر أعلى المبيعات وعناوين الصحافة.

قدّمت الدغيدي جُملة من أسوأ المعالجات الدرامية التي لا تختلف عن الأعمال التي يُقدّمها أسوأ المخرجين الذكور، ليس فقط على مستوى المحتوى بخصوص تعزيز حقوق النساء بل على المستوى الفنّي كسيناريو وتصوير وإخراج وعلى مستوى الفكرة أيضا.

في فيلم “امرأة واحدة لا تكفي” (1990) تستعرض الدغيدي كيف أنّ الرجل لا تكفيه امرأة واحدة،  من خلال تعاط دراميّ يبرر أكثر مما يفكك المنظومة الاجتماعية والدينية والاقتصادية التي تُهيئ للرجل الشرقي هذه الميزة.

وفي “كلام الليل” (1998) هناك سيدة تدير شقة للدعارة وتستعين بصديقتها التي تقوم بتصوير الرجال لابتزازهم لاحقا. وفي “القاتلة” (1991) لدينا سيدة تتعرض للاغتصاب في طفولتها تتحول إلى عاملة جنس تقتل زبائنها وينتهي بها الأمر بملابس الإعدام الحمراء. إنّها أفلام تبدو كأنها مشاهد مصورة لتفاصيل الجرائم المنشورة في صفحات الحوادث أكثر من كونها أفلاما تناقش قضايا النساء وأوضاعهنّ القانونية وروابطهنّ مع من حولهنّ بصورة فنية تعكس ذاتية الدغيدي وموقفها من الحريّة والحقوق.

الملفت للنظر أنّ إيناس الدغيدي صنعت في بداية مسيرتها فيلما بديعا هو “عفوا أيها القانون” (1985) الذي يتناول موضوع التفرقة بين المرأة والرجل في القانون الذي يخص جرائم الشرف، ولكن يبدو أن حسابات الشهرة والرصيد لها رأي آخر بالنسبة للدغيدي.

في مطلع الألفية انتبهنا لأول مرة لاسم المخرج خالد يوسف الذي اقترن اسمه بالمخرج الراحل يوسف شاهين الذي تتلمذ على يديه ويعتبره الأب الروحي في مهنة الإخراج السينمائيّ. خالد يوسف أيضا يُقدم نفسه كمدافع عن المرأة، ويُقر بفضلها وتميّزها وأدوارها الوطنيّة الفذّة، وقد قدّم منذ 2001 وحتى 2011 أي خلال 10 سنوات تقريبا، 12 فيلما منها 6 أفلام جسّدت البطلات فيها عاملات جنس أو نساء يُقدمن خدمات جنسية مقابل المال، بالإضافة إلى أدوار الزوجة الخائنة والمرأة المغتصبة.

خالد يوسف المخرج الشهير والناجح جدا، نجاح التاجر وليس نجاح الفنان، يقيس قضايا النساء ومظلومياتهنّ العائلية والاجتماعية بالميللمتر ويحولها إلى مشاريع سينمائية تحتوي على كل ما يمكن أن يملأ شباك التذاكر بالمال، حتى لو دفعه ذلك لاستدعاء هيفاء وهبي في فيلم “دكان شحاتة” (2009) لتقف على الأرجوحة في أحد الموالد فيطير فستانها ويظهر ملبسها الداخلي السفليّ أمام مجاذيب الأولياء فيتجمدون في أماكنهم.

لقد واجه خالد يوسف الكثير من الاتهامات حول الهدف من أفلامه هذه، ودافع هو عن نفسه وعن أفلامه. أمّا أغرب ما قاله فكان في مايو 2012 حين صرّح في برنامج “ممنوع الاقتراب” على قناة “نايل لايف” بأنّه “يقدم المرأة في أفلامه سلعة بطريقة منفرة، حتى يكرِّه المشاهد في هذا الأمر فيبتعد عنه”، لافتا إلى أنه “لا يقصد إهانة جسدها، أو يتعمد أن تظهر بهذا الشكل”.

إنّه إذن يعتمد المرأة وجسدها كـ”بعبع″، لتخويف المجتمع من الانحلال والفسق ومن التسليع، يُخوّف الجماهير بجسد المرأة من جسد المرأة، إنّه وعي يختزل شرف المجتمع في أجساد نسائه: محجبة كانت أو دون حجاب، وأنّ الأخلاق هي سيدة تتعرى وتقبض الثمن فهي مومس، أو شريفة تُحافظ على الإرث الاجتماعي للشرف بمفهومه الضيق جدا فتستحق الشكر والثناء، وبالتالي لم تكن الأفلام هنا سوى إعادة إنتاج للرؤية الأخلاقية الدينية، السلفية تحديدا، التي يدّعي خالد يوسف بأنّه يحاربها ويقاومها.

صورة المرأة

لا توجد إجابة نموذجية أو ناجزة هنا، بل قد يبدو هذا سؤالا يحوي قدرا كبيرا من الاستسهال والسذاجة، لأنه يصب أساسا في المشكلة الجوهرية وهي كيف يرى الجمهور العربي دور الفنون وعلى رأسها السينما؟

يُمكن القول إنّ المجتمعات تتعلم السينما بنفس القدر الذي تتعلم السينما منها، ولكي نخفف من أشكال العنف ضد النساء وعلى المرأة الضحية علينا التوقف عن الإصرار بأنّها كذلك. قد لا يحتاج الأمر إلى ميزانية ضخمة لتصوير قصة الملكة بلقيس أو سناء محيدلي أو بنت المُستكفي أو نوال السعداوي، ولا داع لاستلهام نماذج من التاريخ الماضي البعيد أو القريب، بل يكفي أن تقدم السينما فيلما مُحكما وممتعا بشخصيات رجالية ونسائية “معقولة”، تتقاسم أدوار الخنوع والشجاعة والضحية والجلاد، ويكفي أن تظهر امرأتان تتحدثان عن أي شيء آخر غير الرجال كما تقترح البطلة الكرتونية مو، وأن تُقدم لنا السينما سيدة تدعم غيرها من النساء، وأخرى تتخذ قرارات شجاعة تخصها أو تخص النساء من حولها، ولتتوقف الأفلام الوعظية الأخلاقوية، لأنّ الوعظ، حسب المفهوم الذكوريّ، يعني امرأة خاطئة تقف مقابل امرأة شريفة، ليتوقف تحميل النساء ما لا يطقن، ولتنتهي الأفلام التي تصورهنّ إما كأمهات مقدسات أو نساء بلا رادع.

مع التأكيد على أنّ تصوّر السينما كأداة لحل القضايا الاجتماعية تصويرا قاصرا يُحمّل السينما ما لا تطيق، ويثقلها ويشوه هذا الفن العظيم. نعم ليس من الضروري أن تعكس السينما صورة الواقع، لكن من المهم للغاية هي ألا تفتري عليه.

وإذا اعتمدنا معايير اختبار الفنانة آليسون بِكِدل آنف الذكر والمكوّن من ثلاث نقاط لفحص الأفلام المُختارة في هذا المقال التي يزعم أصحابها أنّهم يدافعون فيها عن حق المرأة ستكون الإجابة: لم ينجح أحد!

ينشر المقال بالاتفاق مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

13