نافذة ماتيس على بحر طنجة

الاثنين 2014/09/01

لا ينفع الوصف. غرفته في فيلا دو فرانس تعيدنا مئة سنة إلى الوراء. شيء منه لا يزال يحلق في فضاء الغرفة وفي سماء طنجة. ألا يمكننا الحديث عن بحر تلك المدينة الذي كان يعد الرسام الفرنسي بشمس ساطعة؟ هنري ماتيس (1889 /1954) قدم إلى طنجة وفي خياله الشرق كله.

ما أن أفرغ وزوجته حقائبهما في خزانة الملابس في الغرفة رقم 35 حتى بدأت السماء في إسقاط حمولتها من الأمطار الطوفانية. مطر لا نهاية له.

لم يستجب الرسام للقدر، حيث لا شمس ولم يشعر بالخيبة. بل صار يرسم ما يراه من مشاهد من خلال النافذة. إنها طريقته الوحيدة لإزجاء الوقت. لم يؤجل ماتيس عمله في انتظار شمس قد لا تأتي.

حين دخلت إلى غرفته رأيت تلك النافذة. كنت كمن يستعيد رؤية لوحة ماتيس. كانت الطبيعة من وراء النافذة ماتيسية الطابع. هنا بالضبط عرف ماتيس كيف يكون ماتيسيا.

لقد ألهمه خيال الطبيعة ما لم يلهمه خيال الرسم. كانت تقنياته جاهزة. في طبيعة ما نرى شيئا من ماتيس. لم يخلق الرسام المجدد شيئا من الطبيعة.

لقد اقتبس كل شيء من الطبيعة، لكن بحساسية شاعر، هي ذاتها حساسية كل من يزور الغرفة التاريخية التي لم تعد ملكا لأحد. سيرى الزائر ما كان قد رآه ماتيس قبل مئة سنة. لم يتغير شيء.

البحر نفسه والتلال نفسها والبيوت البيضاء نفسها. زاد عدد البيوت، غير أن تلك الزيادة لم تخلق منظرا آخر. لا يزال المشهد ماتيسيا. لمَ لا نجرؤ على القول أن مشاهد ماتيس كانت طنجاوية؟ أعتقد أن تلك المشاهد بالرغم من سحرها الجمالي المقيم ستظل عابرة، لولا أن ريشة رسام بحجم ماتيس قد خلدتها.

هنا نقف أمام معجزة جمال الفن الذي يمثل الطرف الآخر في ميزان، كان طرفه الأول جمال الطبيعة. طنجة التي رسمها ماتيس من وراء نافذة غرفته، هي ليست طنجة الطبيعة. إنها هبته التي تسحرنا.


كاتب من العراق

16