نافي بيلاي دافعت عن مانديلا وآلام السوريين

السبت 2014/07/05
بيلاي "صوت الضحية في كل مكان"

كانت نشأة المحامي “المهاتما غاندي” في دولة جنوب أفريقيا بلد الأسطورة “نيلسون مانديلا”. غاندي زرع بذور أكبر وأهم ديمقراطية في العالم، ومانديلا سجّل أكبر انتصار على العنصرية في العالم. وكأن جينات الرجلين الأخلاقية لا تزال تختلط مع ذرات هواء هذين البلدين لتنشر أوكسجين حرية الإنسان وحقوقه، ولا بد أن الجنوب إفريقية من أصول هندية “نافي بيلاي” قد جمعت المجد من طرفيه، لتكون مزيجاً “غاندياً – مانديليا” يصرخ في وجه الطغيان والاستبداد ليقول: هناك حقوق إنسان تستباح، فمن أعطاكم الحق أن تستعبدوا الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.


المرأة الملونة في الأبارتايد


في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1943 وُلدت نافي بيلاي في قرية جنوب افريقية فقيرة. حصلت على إجازة في الحقوق عام 1963. أول امرأة غير بيضاء تفتح مكتب محاماة لمزاولة المهنة. قدمت الدفاعات القانونية عن النشطاء السياسيين في “حزب المؤتمر” بمن فيهم نيلسون مانديلا. حصلت على الماجستير والدكتوراه في القانون.

المحكمة العليا في جنوب أفريقيا والمحكمة الجنائية الدولية لراوندا شهدتا صولاتها وجولاتها في مناصرة الحق ومكافحة الجرائم ضد الإنسانية. عام 2008 عُيّنت المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة. صرّحت بيلاي المفوضة السامية على أنها “صوت الضحية في كل مكان”. وفي عام 2012، وقّعت على وثيقة تقول إن الناس “يولدون أحرارا ومتساوين”، وكما ساعدت على فضح استخدام طرق التعذيب وسوء أوضاع المعتقلين السياسيين في بداية مشوارها بالدفاع عن حقوق الإنسان في أفريقيا، كذلك لعبت دورا لا بأس به في الدفاع عن حقوق الإنسان في أدغال سوريا، فكانت إنسانة غير مرغوب بها إلى درجة العداء من قبل نظام الإجرام الذي دمر البشر والحجر في سوريا؛ حيث وصلت الأمور ببوق النظام الجعفري في نيويورك أن يصفها بالجنون لمجرد أنها تحدثت عن قصف المدنيين بالمدافع والطائرات والصواريخ. تحدثت عن وثائق ترصد ممارسات النظام تجاه المساجين وعن عمليات الاغتصاب وعن آلاف الوثائق التي تظهر عمليات التعذيب داخل سجون النظام إضافة إلى ضحايا القصف الكيميائي.

لا بد وأن هذه الإنسانة وصلت إلى درجة مرعبة من اليأس والإحباط تجاه السدود التي وُضعت في وجه أي تحرك جاد لوقف جرائم الحرب التي تُرتَكب في سوريا.


معضلة الملف السوري


حملت نافي بيلاي المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان المسؤولية الرئيسية لـلانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في سوريا، من قبل النظام السوري بقيادة بشار الأسد وقواته العسكرية.

وقالت بيلاي في آخر مؤتمر صحافي بمقر الأمم المتحدة بنيويورك إنه “لا يمكن مقارنة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ترتكبها القوات الحكومية السورية، مع انتهاكات حقوق الإنسان من قبل الجماعات المسلحة (تقصد قوات المعارضة)”، مضيفة أنه “لا توجد مقارنة بين الأمرين”.

نافي بيلاي أول امرأة غير بيضاء تفتح مكتب محاماة لمزاولة المهنة. قدمت الدفاعات القانونية عن النشطاء السياسيين في «حزب المؤتمر» بمن فيهم نيلسون مانديلا

وكانت بيلاي قد عقدت مؤتمرها الصحافي عقب انتهاء جلسة مشاورات مغلقة لمجلس الأمن الدولي حول أوضاع حقوق الإنسان في سوريا، حيث لفتت انتباه أعضاء مجلس الأمن إلى ضرورة تحويل ملف انتهاكات حقوق الإنسان إلى المحكمة الجنائية الدولية لضمان محاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان منذ اندلاع الصراع في سوريا.

ومما قالته حينها إنه “يتعين علينا أن نعمل على ضمان العدالة لصالح الضحايا وتحقيق مبدأ المحاسبة في سوريا، لأنه لا يمكن أن يحل السلام دون تحقيق العدل للضحايا”.

ونفت بيلاي أن يعيق ملف محاسبة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، مسار العملية السياسية لحل الصراع بالطرق السلمية “فالجهود الرامية لحل الصراع دبلوماسيا في سوريا يمكن أن تسير بالتوازي مع جهود مسار محاسبة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان، إذ أن المسارين لا يتعارضان مع بعضهما لأن السلام لا يتحقق دون ضمان العدالة وتفعيل مبدأ المحاسبة” حسب قولها.

ذكّرت بيلاي وقتها أعضاء مجلس الأمن بطلبها الخاص الذي تقدمت به في أغسطس 2011 بشأن تحويل ملف انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو الطلب الذي جاء بعد التدهور الحاد في أوضاع حقوق الإنسان في ذلك الوقت.

وقالت “لقد طلبت من أعضاء المجلس مجددا ضرورة تحويل ملف انتهاكات حقوق الإنسان إلى الجنائية الدولية لمحاسبة المتورطين، سواء من الحكومة أو من الجماعات المسلحة”.


من يتنفس الصعداء


رداً على ذلك، اتهم المندوب السوري الدائم لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان نافي بيلاي بالتصرف بشكل “غير مسؤول”، وبأنها باتت جزءاً لا يتجزأ من هذه الحملة الدولية المدبرة ضد سوريا.

وقال الجعفري، بعدما قدمت بيلاي إحاطة لمجلس الأمن الدولي أوضحت فيها أن الحكومة السورية مسؤولة بشكل أكبر عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تحصل في سوريا، إن المفوضة السامية “أصبحت مجنونة في عملها، وتتصرف بشكل غير مسؤول”.

هذه السيدة تريح الجعفري بمغادرتها الآن. وغدا ستتنطع أبواق إعلام النظام للمسألة ويقولون ها هو الجعفري يهزم بيلاي؛ وها هي حنكة الجعفري تتغلب على تجني بيلاي واشتراكها بالمؤامرة الكونية على سورية وها هو الحق ينتصر. فلا بد أن أصحاب المؤامرة الكونية على المقاومة والممانعة قد اشتروا تلك العبدة الإفريقية لتنال من دولة الحق والصمود والديمقراطية الفريدة في العالم.

سيسعى هؤلاء إلى تسجيل موقف أسود على بيلاي بأنها لم تقل إن العصابات المسلحة كانت تدمر المدن السورية بالبراميل وصواريخ سكود، وأنهم كانوا يغتصبون ويعذبون المساجين ويشردون المواطنين السوريين، والأكثر من ذلك أنها لم تذكر أن السلاح الكيميائي قد استخدمه أولئك المجرمون المسلحون والمدعومون من قبل ثلاث وثمانين دولة.

لن يذكر هؤلاء أن الحصار الذي ضربه المسؤولون عن بقاء النظام في دمشق لم تتعرض له إبان الحكم العنصري في جنوب أفريقيا، فقط من أجل عدم سحب المجرمين إلى محكمة الجنايات الدولية. لن يذكروا الفيتو الروسي الذي أجهض إحقاق الحق في الأمم المتحدة، وخاصة الفيتو الأخير الذي نسف ضرورة إدخال المساعدات الإنسانية للسوريين الذين يقتلهم نظامهم جوعا.

الآن تودع نافي بيلاي مهمتها الإنسانية المقدسة ولم تتمكن من إحقاق الحق. تخرج بحكم انتهاء فترة تعيينها مهزومة أمام آلة الاستبداد العالمي وإشاحة النظر عن ويلات يتعرض لها السوريون لأربعين شهرا متواصلة. لقد صدّق النظام أن هناك مؤامرة، ولكنها بالدليل القاطع مؤامرة على شعب سوريا، ومؤامرة لجعل الإجرام يفلت من العقاب العادل.

لا تقلقي سيدة بيلاي، إن للباطل جولة، وما شهده كل من غاندي ومانديلا كان جولات كثيرة للباطل، ولكنهما في النهاية يتربعان على عرش الحرية والعدالة والديمقراطية.

تودع بيلاي في خريف هذا العام وتسلم الأمانة لرجل بدأ مشواره العملي في الحياة برعاية المعوقين وذوي الحاجات الخاصة؛ وهل هناك أكثر من ذوي الحاجات الخاصة والمعوقين في سوريا بفضل نظام يجدد لنفسه مشوار الدم مؤخراً، هذا الرجل هو زيد بن رعد الرئيس الحالي لمجلس الأمن والممثل الدائم للأردن في المنظمة الدولية


ليد الأمير زيد بن رعد


تودع بيلاي في أول سبتمبر وتسلم الأمانة لرجل بدأ مشواره العملي في الحياة برعاية المعوقين وذوي الحاجات الخاصة؛ وهل هناك أكثر من ذوي الحاجات الخاصة والمعوقين في سوريا بفضل نظام يجدد لنفسه مشوار الدم مؤخراً. هذا الرجل هو زيد بن رعد الرئيس الحالي لمجلس الأمن والممثل الدائم للأردن في المنظمة الدولية. أمير بقي والده حيا بأعجوبة في أحد انقلابات العراق، وابن عم للعاهل الأردني. تخرج من جامعتي جون هوبكنز وهارفارد. عُرف الرجل بتفهمه وتعاطفه مع المأساة السورية، وكان فاعلاً في آخر قرار عُرض على المجلس بخصوص حقوق الإنسان في سوريا، ولكن النظام الروسي عمل على ألا يرى ذلك القرار النور.

كأن نافي بيلاي تقول للأمير زيد بن رعد مع السوريين: “حمل ثقيل أيها الأمير، والضحايا من أبناء جلدتك، إنهم أحفاد السوريين الذين استقبلوا جدك على أبواب دمشق، ورفعوا أول راية عربية في أول دولة عربية مستقلة. إن من يذبح السوريين اليوم أيها الأمير هم أولئك الذين عهد إليهم من انتهكوا الاتفاقات مع جدك الشريف حسين ليتحكموا بالبلاد والعباد في أول دولة عربية وطأتها قدم ثائر على الاستعمار. هذا الاستعمار يعود بشكل آخر اليوم أيها الأمير، أما حقوق الإنسان السوري فأنت الأدرى بها، والأعرف بأنه في تاريخ البشرية لم ولن يتعرض شعب لما يحدث للسوريين من قتل وتشريد وانتهاك حقوق. ها هي الأمم المتحدة تمنحك ثقتها لتقوم بالمهمة الأقدس، ولا بد أن نافي بيلاي “الحرة المانديلية – الغاندية” ستكون سعيدة إذا أنجزت ما لم تقدر هي عليه، وها هم السوريون يودعونك المهمة الأصعب في حياتك لتنصفهم كأخوة في الإنسانية وأخوة في الدم، فالتاريخ شاهد على هذه الأخوة”.

12