ناقدان يغامران مع النصوص لتحرير النقد من سلطة المنهج

المتأمّل في الكتابة النقدية التي ظهرت خلال الآونة الأخيرة يستلمحُ -في الكثير منها- أنها ابتعدت عن المنهجية التي يعتبرها الناقد الأكاديميّ أساسه وحصنه الذي يلوذ به.
الثلاثاء 2019/07/02
انتهى زمن الناقد الصارم (لوحة للفنان عادل السيوي)

العلاقة الإشكالية بين النقد والإبداع والتي انتهت إلى طلاق بائن، خاصّة بعدما استعلى النقد على الإبداع، وفي المقابل اتّهم المبدعون الناقد بالغموض والتباهي بالمصطلحات الغريبة؛ التي دفعت القارئ إلى البحث عن البديل، ولم يكن البديل سوى القارئ نفسه، الذي صار ناقدا سواء عبر ما أتاحته المدوّنة الإلكترونية له من آليات سهّلت عملية التعبير والتواصل مع الجمهور، وهو ما عُرِفَ بالقارئ الافتراضي، أو عبر الكتابات البعيدة عن المنهجية التي راحت تُغازل القارئ العادي، وتثير في داخله إحساس الشغف بالقراءة.

المتأمّل في الكتابة النقدية التي ظهرت خلال الآونة الأخيرة، يستلمحُ -في الكثير منها- أنها ابتعدت عن المنهجية التي يعتبرها الناقد الأكاديميّ أساسه وحصنه الذي يلوذ به، وإنما جاءت أشبه بكتابات حُرّة، لا تقف عند منهج بعينه، فقط تستهدف البحث عن جمال النص الداخليّ، وإعادة بنائه وفق وعيه الشخصي، وتكوينه الثقافي. وهذا الوعي بما هو مطلوب من النقد، كشفت هذه الكتابات عن أزمة النقد التي تكمُن في غياب مفهوم حقيقي له كما يقول إيهاب الملاح في كتابه “شغف القراءة”. وفي نفس الوقت يرى أن الناقد الأكاديمي إذا كان “يملك علما حقيقيّا”، فإنه لكي يصل إلى القرّاء ويؤثر فيهم يجب أن “يُخفي هذه المعرفة لا أن يستعرضها كما يحدث في الكثير من الأحيان”، ومن ثم يرى إن لم يكن النقد “إبداعا أو فنا فهو على الأقل لون من الكتابة الدقيقة التي تكشف هي الأخرى عن موهبة وحساسية وإبداعية حقيقية”.

القراءة الطباقية

قراءة مُغايرة لإبداع نجيب محفوظ
قراءة مُغايرة لإبداع نجيب محفوظ

نتوقف عند بعض الكتابات النقدية التي قدّمت لنا المبدع الناقد والقارئ الناقد، وهي صورة مثالية عن الناقد، الذي يبتغي الوصول إلى عمق النص وجوهره بعيدا عن أي تعقيدات تفرضها النظرية الأدبية وأطرها المنهجية. سأضرب مثالا بكتابي الروائي والناقد سيد الوكيل “مقامات في حضرة المحترم”، دار بتانة للنشر 2019، وكتاب الناقد إيهاب الملاح “في شغف القراءة” دار الرواق للنشر 2019، وتعاملهما مع النصوص المقروءة. حيث يندغم الشخصي مع الموضوعي، بل يُمارس الناقدان سياحة حرّة مع النصوص، فلا تقف نظرتهما عند حدود النص فقط، بل تتشعبان وتتقاطعان مع نصوص أخرى، وهذه مهارة لا يقدر عليها إلا من يمتلك سعة اطلاع كبيرة، وقدرة نقدية على الربط بين النصوص، والبحث عن مشتركات حتى لو بدت النصوص مستقلة أو متباعدة.

حين نتأمّل ممارسة سيد الوكيل في كتاب “مقامات في حضرة المحترم” دار بتانة للنشر 2019، نجد أن في الكتاب ثمّة قراءة مُغايرة لإبداع نجيب محفوظ، ابتعدت عن المنهجية أو التنظير، وإنما النظر إلى داخل النص والنفاذ إلى عمقه، حيث اعتبر المؤلف أعمال محفوظ وحدة واحدة، نصّا متكاملا، تتداخل بنياته، لتكشف الوعي الجمالي والرّسائل التي حملها محفوظ لشخصياته. ويمكن اعتبار هذه القراءة التي قام بها الوكيل قراءة طباقية إذا استعرنا مصطلح إدوارد سعيد، بدلالته النقدية الصارمة التي استعارها من الموسيقى، والتي تشير إلى استخدام “أكثر من موضوع موسيقي ممثل بأكثر من آلة موسيقية أو أكثر من خط لحني في بناء موسيقى متزامن، يدخل في إنتاج قطعة موسيقية، من دون أن يكون لأي منهما تمييز على الأخرى سوى وقت الظهور في الإطار الموسيقي، الذي يكوّن الفضاء الصوتي عند المستمع”.

فسيد الوكيل جعل من نصوص محفوظ على اختلاف تصنيفها مفتوحة على بعضها، بل تقود إلى بعضها البعض كالبناء الموسيقي الذي يتكوَّن منه اللّحن من عدة آلات. وتأكيدا على هذا المنهج يُصدّر كتابه بمقولة شاكر النابلسي “الكتابة عن أي رواية من روايات نجيب محفوظ، لا يمكن أن تتمّ بتكوينها الأمين إلا من خلال أعمال نجيب محفوظ ككل..”.

إضافة إلى تحرّره من أي منهج، أو حتى أي أفكار مُسبقة عن نصوص محفوظ، فهو يصوغ منهجا جديدا، حيث يربط بين الذاتي وبين نتاج محفوظ، في علاقة تبادليّة، غرضها توسيع دائرة الرؤية، فيحكي أنه ما إن استيقظ من حلم رأى فيه محفوظا حتى انفتحت لديه طاقة الكتابة، وكان محصلتها النهائية نصوص “لمح البصر” ومن ثمّ وجد الشغف إلى نجيب محفوظ والصعود إلى معراجه مُتلمّسا طريقا وعرا وغير مُعبّد في واقعنا الأدبي كما يقول بين الناقد والمبدع، ربما يصل “إلى مقام الرضا، بلا شغف في النهايات”.

جاء كتاب “مقامات في حضرة المحترم” في ثلاثة أقسام، كل قسم احتل عنوانا يكشف عن رحلة السعي، رغبة في العروج إلى مقام الوصل آخر المقامات، فيبدأ بمقام الأسرار، وهنا يطبق مفهوم القراءة الطباقية التي أشار إليها سعيد، حيث لا يتوقف عند قراءة نص واحد أو الوقوف على قضية واحدة في نص واحد، وإنما يتخذ من هذا النص آلية للنفاذ إلى شبكة العلاقات التي تنتجها الحركة بين النصوص والمرجعيات وصولا إلى أسرار ما كان لها أن تتحقّق دون المكاشفة.

ويخلص الناقد إلى أن القصة القصيرة عند محفوظ ليست شكلا أو بناء أو تقنية بقدر ما هي طريقة رؤية زاوية نظر تمكّن الكاتب من رؤية الجوانب الأكثر دقة في عالمه السردي، بغض النظر عن الحجم، أو القواعد الشكلية للنص.

الشغف بالقراءة

لتحريض على القراءة شيء رائع
لتحريض على القراءة شيء رائع

لا تختلف قراءة إيهاب الملّاح في كتابه “شغف القراءة”، الصادر عن دار الرواق للنشر 2019، عمّا طبقه سيد الوكيل في كتابه السابق، فالملّاح يرى أن “التحريض على القراءة شيء رائع، لا بدّ أن تتوافر له سبل الترويج والتشويق”، وليس هناك هدف أسمى من أن تغري الآخرين بالقراءة، وكأنّه مبدئيّا يسعى إلى التبرؤ من المنهج وصرامته.

لا يقدّم الملّاح قراءاته، وفق منهج أو آلية صارمة، وإنما من الممكن القول إنه يسعى إلى التحرّر من الأقانيم، فيمزج الذاتي بالموضوعي، وكأننا أمام مقالات أشبه بسيرة قراءة؛ فيحكي عن قراءاته وفق السياقات التي تمت فيها، إلى درجة أن ذاته تتماهى مع أناتها، وكأنها في تجلّ ومقام اعتراف، فيحكي عن فعل القراءة ووضعية ممارسته الفعل، ويستعرض منهجه في القراءة قائلا “أنا ممن يقرأون أكثر من كتاب في وقت واحد، أقرأ فصلا من كتاب، وآخر في رواية طويلة، وثالثا من دراسة متخصصة،… وهكذا أتنقل بينها كالنحلة جيئة وذهابا، لا يثقلني الرجوع، ولا تفصلني المسافة”.

الكتاب في مجمله يُقدّم قراءات متنوِّعة لأعمال نالت استحسان المؤلف ولا يتورع في وصفها بأنها ممتعة، بل ويذكر لماذا هي ممتعة. وتكمن الأهمية في أن اختيارات القراءات التي تناولها الملاح، جاءت وفق دافع الذائقة الذاتية، فلم تكن نتيجة إكراهات بحثية أو انتظار ترقية علمية، وإنما قراءة بغرض المتعة، ومن ثم تأتي كواحة مثمرة متنوّعة لا تقف عند حدود نوع معين أو كاتب بعينه، أو حتى ترتبط بعصرنا الراهن، وما أنتج فيه من أعمال. كما يلفت انتباهنا إلى ما اصطلح عليه بـ”كتب المداخل والمفاتيح” وهي الكتب التي تتوسط بين القرّاء المبتدئين وبين بحار العلم الزاخرة ومحيطات المعرفة التي هي بلا شطآن ولا ضفاف، ومرجع هذه الإرشادات ما استلمحه من اتساع الفجوة أو الثقب الأسود بين الناشئة والشباب وبين الإقبال على القراءة، والتعرّف على تراث أممهم وتاريخ شعوبهم.

على الرغم من أن الكتاب في أحد فصوله يناقش أزمة النقد، التي “تتمثل في أنه لا يوجد نقد، ولا نقاد. إلا أنه من خلال هذه المعالجات استطاع أن يقدّم حلا ولو فرديّا لردِّ القارئ إلى كُتب النقد، بهذا الأسلوب السهل في التناول”. لكنه لا يفوته أن يدين سلوكيات بعض النقاد التي تسيء إلى أخلاقيات العلم. دون أن يقلل من العلمية التي يجب أن تتوافر في الناقد، ضاربا المثال بنموذج محمد مندور وكتابه “نماذج بشرية” وكيف استطاع مندور أن يثقل موهبته بدراسة ثلاثة علوم مختلفة ويتفوق فيها.

14