ناقدة مغربية تكشف للقراء والكتّاب مفاتيح كتابة النص الجيد

كتاب "الأسلوبية ومساءلة الخطاب" للمغربية بشرى عبدالمجيد، تحليل نقدي لأهم النصوص العربية شعرا وسردا.
الجمعة 2018/06/22
لكل كاتب أسلوبه (لوحة للفنان بسيم الريس)

عرّفت الكاتبة المغربية بشرى عبدالمجيد الأسلوبية بأنها “طريقة الكاتب في اختيار أدوات كتابية تميزه عن غيره صياغة وتعبيرا”، وهو نفس المفهوم الذي نجده في الدراسات الغربية لكلمة “أسلوب” ولا يخرج تعريفهم عن كونه اختياراً للكاتب، وخاصية فردية للنصّ يتحكم فيها الكاتب على حد تعبير عبدالسلام المسدي في كتابه “الأسلوب والأسلوبية”.

وما ورد أيضاً في التراث اليوناني لدى أرسطو بمعنى “التعبير” بقوله في كتاب الخطابة “حقاً لو أننا نستطيع أن نستجيب إلى الصواب، ونرعى الأمانة من حيث هي، لما كانت بنا حاجة إلى الأسلوب ومقتضياته، ولكان علينا ألا نعتمد في الدفاع عن رأينا على شيء سوى البرهنة على الحقيقة، ولكن كثيراً ممن يصغون إلى براهيننا يتأثرون بمشاعرهم أكثر مما يتأثرون بعقولهم. فهم في حاجة إلى وسائل الأسلوب أكثر من حاجتهم إلى الحجة”.

لافتات أحمد مطر

ترى الباحثة بشرى عبدالمجيد في كتابها الأسلوبية ومساءلة الخطاب ــ دراسة تطبيقية، الصادر عن منشورات دار الأمان بالرباط، أنه في قصيدة مديح الظل العالي، لمحمود درويش استخدم الشاعر تكرار العبارات، لتأكيد جمالية خاصة، وليحملها دلالات نفسية وانفعالية مختلفة، فالتكرار في النصّ الشعري لا يبعث على الملل والنفور في نفس القارئ، بل يربطه ببناء القصيدة، وتتخذ التكرارات شكل اللازمة المحببة، التي ترسخ معنى الخطاب لدى المتلقي. وتتطرق إلى استخدام أحمد مطر في نصوصه ما جاء في التراث العربي من أحداث كلافتات، كالتي يرفعها المتظاهرون في مظاهراتهم، وهي وسيلته الأسلوبية، لتوصيل خطابه السياسي المعارض في شؤون شتى. وقد أطلقت الباحثة على أسلوبية مطر عنوانا دالاّ “هجرة الخطاب التراثي إلى لافتات أحمد مطر” رأت فيه أنه نجح في خلق علاقة تفاعلية بين نصوصه ونصوص أخرى وضحت سعة ثقافة الشاعر، وعمق محصوله المعرفي خاصة بالتراث العربي وحسن تعالقه به. معتبرة أن أسلوبية شعر مطر تقربه لأمنيات وأفكار الأغلبية الصامتة.

الكتاب لا يعلم كيفية كتابة النص الجيد بل يؤسس لذائقة الجمالية، لدى من يهمه النص، ولمعرفة مكامن الجمال

 وبررت الكاتبة لمطر أسلوبيته، بـ”أن الخطاب النقدي المعاصر لا ينظر إلى النص على أنه حدث فردي معزول، ولكن ينظر إليه على أنه نتاج تفاعل مع نصوص سالفة أو متزامنة تخالفاً أو تألفاً كلياً أو جزئياً، فالنصّ ليس عالماً منغلقاً على نفسه، وإنما هو امتدادات عميقة داخل سياقات سواء كانت خارجة عنه أو محيطة به”.

وأوردت جماليات الصور الشعرية في بردة البوصيري وقصائد المديح التراثية عامة، وبيّنت البناء الأسلوبي لعناصر الصورة، والتوظيف الأسلوبي لأدوات الصورة الفنية. معتبرة أن الأنواع البلاغية، كالتشبيه، الاستعارة، الكناية، التمثيل، وأنواع المجازات، كلها تعبير عن الصورة الشعرية، وهي وسيلة في يد الناقد ليكتشف من خلالها موقف الشاعر، ويوضح تجربته، ومدى الأصالة الفنية التي يتمتع بها.

وتناولت عبدالمجيد الصور الشعرية في موشحة “جادك الغيث” للسان الدين بن الخطيب، كمكون لغوي وعاطفي وخيالي. ودرستها من خلال ثلاثة مستويات، الأول: الصورة المفردة، المعتمدة على التصوير الحسي الموجود بين المتشابهين في الظاهر دون النفاذ إلى المعاني النفسية. والثاني: الصورة المركبة، التي تجيء من تصوير جامع لما هو حسي، وما هو نفسي عاطفي، والمستوى الثالث: الصورة الكلية، المعتمدة على تكثيف كل عناصر الصورة عبر التنسيق بينها في سياق تعبيري واحد.

وتناولت الكاتبة الأسلوبية في السرد في الفصل الأخير من خلال رواية “الثلج يأتي من النافذة” لحنا مينة، منطلقة من نهاية الرواية، إذ يصرخ بطلها فياض المناضل اليساري”أبداً لن أهرب بعد الآن”، وهو الذي اضطر لمغادرة سوريا إلى لبنان خوفاً من قمع السلطة، لكنه عانى في المنفى أضعاف ما عاناه في وطنه، فقرر العودة إلى دمشق مهما تكن نتائج عودته. معتبرة الراوية من أفضل أعمال حنا مينة. وظف فيها الكاتب إشارات سيميائية مؤدية إلى مجموعة من الوظائف، كالإثارة والإغراء والانفعال والاختزال المكثف، من خلال أسلوبية خاصة به.

دراسة نقدية
دراسة نقدية

النصّ كائن حي

الكتاب لا يعلم كيفية كتابة النصّ الجيد بل يخلق فهم للذائقة الجمالية، لدى من يهمه النصّ، ولمعرفة مكامن الجمال، فيما يقرأه أو يسمعه أو يشاهده. وجاءت المباحث بهيئة اسئلة متدرجة الأهمية، أجابت عنها المؤلفة بلغة مؤدية، ووضعت أمثلة تطبيقية من الأدب الحديث والتراث.

متساءلة: كيف يفكر الشاعر أو الكاتب في النص؟ وما هي الأدوات التي يعتمدها للتفكير؟ وما هي المقولات التي يرتكز عليها تفكيره؟ وهذه هي اسئلة المنهج، وخصائصه الإجرائية “الدقة، الشمولية، الفعالية”، والمنهج ضروري لمحو الفارق بين موضوعية الموضوع وذاتية الكاتب.

والمنهج لدى الباحثة بشرى عبدالمجيد يتمتع بصبغة معرفية تتطور بتطور الواقع، ويعتمد التواصل بين الذات الكاتبة، والموضوع المدروس، فالكاتب يهدف من نصّه خطاباً يصل إلى القارئ، فالنصّ بلا قارئ “أسد ميت” كما تقول الكاتبة. وتحول النصّ إلى فضاء القراءة والتداول يحوله إلى كائن حي، يكشف عن قدراته، وقوة تأثيره وجماليته، ويؤثر على هذا النحو في مجتمع القراءة، وليس المنهج الأسلوبي بشاذ عن هذه القاعدة.

وعرفت الكاتبة الخطاب بمختلف أنواعه، أدبي، ديني، إشهاري، علمي، نفسي، تعليمي، بقيمته النظرية والإجراءات الفعالة التي يكتسبها بعد إطلاقه في مجال النقد الأدبي باعتباره رسالة لغوية يبثها المتكلم إلى المتلقي، فيستقيها ويفكك رموزها، وباعتباره نشاطاً متبادلاً بين المتكلم والمستمع يؤسس لتجربة دينامكية تساهم فيها أطراف متعددة عن طريق التفاعل من أجل تأكيده من خلال: المؤلف، الخطاب، القارئ.

كما تناولت الباحثة في كتابها منهجية أسلوبية لتحليل نصوص لشعراء، كمحمود درويش، أحمد مطر، البوصيري، لسان الدين بن الخطيب، وفي السرد الروائي لحنا مينة وتطبيقات نصية أخرى من القرآن الكريم.

ونذكر أن كتاب “الأسلوبية ومساءلة الخطاب ــ دراسة تطبيقية” جاء في سبعة فصول. وأهميته تأتي من كونه وضع الشعراء وكتاب السرد والنقاد، ومحبي اللغة العربية على مفاتيح كتابة النصّ الجيد. ابتداء من اختيار الموضوع، وحتى إنتاجه النهائي.

14