ناقد تونسي يلتقط ما تبقى من السنابل في موسم الحصاد الكبير

الأربعاء 2014/08/27
السعدي كان يحلم بأن يلعب دورا ثقافيا شبيها بالدور الذي لعبه العقاد وطه حسين

مكث الناقد التونسي الراحل أبوزيان السعدي على وجه الأرض 77 عاما. ونحن لا ندري أية سنوات من عمره كانت الأفضل أو الأسوأ. ولو نحن طرحنا عليه سؤالا يتعلق بهذا الأمر وهو على قيد الحياة لرفض الإجابة. بل لعله سيغتاظ من ذلك وهو المعروف بالتكتم والتحفظ في كلّ ما يتّصل بحياته الخاصة.

غير أن المؤكد هو أن السنوات الثلاث الأخيرة من حياته كانت الأسوأ على جميع المستويات. ليس فقط بسبب المرض الذي فتك به بعد صراع طويل، وإنما لأنه اختار العزلة والوحدة، مبتعدا عن كلّ الذين كانوا على علاقة وطيدة به.

قطع الراحل أبوزيان السعدي، في سنوات حياته الأخيرة، علاقته مع البعض ممن كانوا يؤمّون مجالسه البديعة في مقهى باريس. وكان يروق لهم الاستماع إليه وهو يروي ذكريات الماضي البعيد، أو يسرد سير شخصيات أدبية أو سياسية تعرف عليها في مراحل مختلفة من حياته، أو يستعرض كتبا منسية، أو مجهولة، أو يروي طرائف تضحكهم، وتبهج نفوسهم وقلوبهم.


اضطرابات وتقلبات


لذلك لم يكن من الغريب أن يرحل إلى العالم الآخر مشيّعا بعدد ضئيل من أهل الثقافة والفكر. وبإمكاننا نحن الذين خبرنا شيئا من خفاياه أن نقول بأن حياة أبي زيّان كانت موسومة بالاضطرابات والتقلبات والثقوب.

وأكثر من مرة تهشمت أحلامه، وذاق مرارة الانكسارات والخيبات، وتمزقت نفسه أشلاء أمام ويلات واقع ثقافي وسياسي لم يكن رحيما به أبدا.

فعندما عاد من المشرق في أواخر الستينات من القرن الماضي، كان يحلم بأن يلعب دورا ثقافيا شبيها بالدور الذي لعبه معلموه الكبار الذين ظلّ وفيّا لهم حتى النهاية خصوصا عباس محمود العقاد وطه حسين.

في شخصيته جانب دونكيشوتي متمثل في تمسكه بأفــــكار تعــــاند الواقع

وكان السعدي يرغب في أن يتصدر المنابر الثقافية والإعلامية، ويرأس تحرير صحف ومجلات رفيعة، غير أن الواقع التونسي كان له بالمرصاد. ففي ذلك الوقت كانت الفرنكفونية هي الغالبة والمنتصرة. وهو الذي كان “يطير بجناح واحد” مثل الشابي، وجد نفسه شبه مقصي.

بل لعله تعرض للسخرية من قبل المفتونين بلغة موليير باعتباره “عروبيّا جافا ومتخلفا”. وقد حاول أن يثبت لهؤلاء أنه عارف بآداب الأمم الأخرى من خلال الترجمات غير أن ذلك لم ينفعه لصدّ هذا الأذى.


الحداثة الملعونة


أمّا المظلمة الثانية فقد جاءته من الجامعيين الذين لم ينتقصوا من شأنه فقط بسبب جهله للغة الفرنسيّة، بل وأيضا لأن الشهادة التي عاد بها من المشرق (الليسانس في الآداب العربيّة- جامعة القاهرة) لم تكن تسمح له بأن تكون له مكانة بينهم. حتى الذين كانوا يستفيدون في أبحاثهم الأكاديمية من معلوماته الواسعة في مجال الثقافة والأدب، لم يرحموه، بل دأبوا على إقصائه، وحرمانه من الحــظوة التي كان يطمح إليها، ويحلم بها.

وكانوا، هم المغرمون بالتقليعات الفرنسية الجديدة، يعتبرون كتاباته النقدية تقليدية، وبالتالي لا ترقى إلى المستوى المطلوب. حتى اجتهاداته النقدية اللامعة اعتبرت من قبل هؤلاء الجامعيين مجرد محاولات يائسة لإخفاء عقدة النقص عنده، وفرض وجوده عليهم.

وفي حين كانوا هم يتبجّحون بحداثتهم، وإليها يلجؤون في كلّ ما يقولون ويفعلون، كان هو “يلعن” بالقلم واللسان هذه الحداثة “المعطوبة” حسب تعبيره، معتبرا إياها سببا في كلّ خراب ثقافي تشهده البلاد. وعندما تشتدّ عليه هجوماتهم، كان يخرج عن طوره، وينعتهم بـ”الفاسقين” و”الملحدين” المتنكرين لثقافتهم وأصولهم.

ولعلّ مثل هذه العوامل هي التي تفسّر حدة الطبع التي أصبح يتّصف بها، وتلك الشراسة التي يواجه بها خصومه. كما تفسّر أيضا تقلب مزاجه وعناده وتصلّبه والجانب الدونكيشوتي في شخصيته المتمثّل في تمسّكه بالبعض من أفكاره وآرائه حتى ولو كان متيقنا في قرارة نفسه بأنه غير مصيب فيها. لكن رغم كلّ هذه الإحباطات، ظلّ أبوزيان السعدي مصرّا على أن يظلّ متصدّرا المشهد الثقافي والأدبي.

إن البعض من الأسماء اللامعة راهنا تدين له بالكثير، وبالتالي لا يمكنها أن تتنكر له أبدا


نكران الجميل


وهذا ما يتضح لنا من خلال نجاحه الباهر في الإشراف على البعض من الملاحق الأدبية، خصوصـا ملحق” الصباح”، جريدته المفضلة.

فبفضل تلك الملاح، قفزت إلى الساحة الثقافية بجميع فروعها أسماء جديدة لم تلبث أن أثبتت مواهبها سواء في القصة، أو في الشعر، أو في النقد.

وكان أبوزيان فخورا بتلك الاكتشافات التي أثرت الحياة الثقافية بشكل ساطع ومثير للانتباه. وفي ما كان الجامعيّون يحرصون على أن تقتصر أعمالهم وأبحاثهم النقدية على من فرضوا وجودهم، ورسخت أقدامهم في المجال الأدبي أو الفكري، كان هو يميل إلى التعريف بمن كانوا لا يزالون في بداية الطريق. لذلك يمكنني أن أقول بأن البعض من الأسماء اللامعة راهنا تدين له بالكثير، وبالتالي لا يمكنها أن تتنكر له أبدا.

ذات صباح كئيب من صباحات شتاء 2009 ، التقيت بأبي زيان بمقهى باريس في شارع الحبيب بورقيبة بتونس العاصمة. سألته عن حاله، فظل ساهما لحين من الزمن، ثم قال لي بمرارة: “ها أنا ألتقط ما تبقّى لي من أيام العمر يوما بعد آخر!”.

أفزعتني الصورة إذ ذكرتني بأولئك الفقراء الذين يلتقطون ما تبقى من السنابل بعد الحصاد الكبير.

كما أوحت لي بأن أبازيان كان على يقين بأن الأيام التي تفصله عن الرحيل عن الدنيا ستكون عجفاء وموحشة ومقفرة من الآمال والأحلام! ولعلها كانت كذلك!

14