ناقد مستقبلي

السبت 2017/02/11

حين انتهيت من قراءة كتاب “إبراهيم خليل ناقدا.. قراءات وبحوث”، الذي جمعه وحرره وقدّم له زياد أبولبن، وجدتني أشعر برغبة لكتابة شهادة عن هذا الناقد المثابر الجاد.

يقول عنه أبولبن ”تابَعَ د. خليل إبراهيم، حركة النقد الإبداعي، العربي والغربي، من دون كلل أو ملل، وتوقف عند عدد كبير من النصوص الإبداعية، إنْ كان على مستوى الشعر أو الرواية أو القصة القصيرة أو المسرحية أو المقالة، وغيرها من فنون الأدب، كما توقف عند نظريات نقدية حديثة، واستنبط من تراثنا العربي ما يؤسس لمنهج نقدي عربي، كما وجده عند القرطاجني وقدامة بن جعفر والآمدي، وغيرهم”.

ومنذ أن أقمت في عمان في خريف العام 2003، أتابع ما يكتبه في الصحف والدوريات، وقرأت الكثير من تآليفه ومما كتب عنه وعنها، وأسأله أحيانا وأحاوره بالقدر الذي يتاح لنا، وبخاصة كيف استطاع أن ينجز كل هذا الذي أنجزه، وأن يحافظ على تواصله في البحث والكتابة؟ من المؤكد أن الناقد الذي يمتلك جهازا معرفيا ولا تنقصه الإحاطة بشعرية الشعر والقصة القصيرة والرواية، كما لا تنقصه الإحاطة بفضاء النقد ونظرياته ومناهجه ومداخله على اختلافها وتعدد ما فيها من توجهات، لا يعجزه أن يتناول ما يقرأ من أعمال أدبية لا يستعصي عليه أو يتأبى له إخضاعها للتحليل والتشريح، حتى تغدو الممارسة النقدية أقرب إلى التلقائية.

وعن ممارسته هذه يقول د. إبراهيم خليل “إن القراءة توسع مدارك الباحث وتضع بين يديه المفاتيح التي بها يستطيع أن يسبر غور أشد الأعمال استغلاقا”.

وإذا كانت بداياته قد اقترنت بهزيمة يونيو 1967، ومن المعروف أن تلك المرحلة شهدت حراكا ثقافيا مهما، إذ ظهرت أصوات إبداعية متميزة، كما ظهرت بدايات رؤية نقدية من الماضي والحاضر، ولكنها لم تستمر وضاعت في خضم صراعات هامشية وأوهام شعارية، وإن تلبّست لبوس رؤى نظرية.

ومن الواضح، أنه أفاد من ذلك الحراك الثقافي، كما أفاد من حيوية المحيط الذي كان فيه أيامذاك، وكتب شعرا وقصة قصيرة، فكانت بداياته النقدية كما يقول “تغلب عليها حساسية المبدع، لا الناقد ولا الأكاديمي” غير أنه لم يقف في عمله النقدي عند تلك البدايات، بل جعله أكثر عمقا وأكثر غنىَ، وبالتالي أكثر حضورا وتأثيرا، بفعل عدد من العوامل، منها ما اغتنى به من الدرس الأكاديمي، طالبا وأستاذا، وكذلك من نشاطه الميداني في المؤتمرات والندوات وحلقات البحث، وقبل هذا وذاك، من دأبه على القراءة والاطلاع، مما أهله لأن يكون أحد أهم الأصوات النقدية، في النقد العربي في هذه المرحلة.

وإذا كان من حق أي كاتب أن يرى أثر ما يكتب على معاصريه، وأن يتواصل هذا الأثر ويستمر، ويمتد ويتوسع في فضاء الإبداع والدرس والبحث، وهذا ما أتوقع أن يحققه الجهد النقدي، لناقدنا المجتهد المثابر، حيث أصبح عمله النقدي، مشروعا متميزا، فاعلاً ومؤثرا.

وإذ أصدر د. إبراهيم خليل حتى الآن، أكثر من خمسين كتابا في نقد الشعر والقصة القصيرة والرواية والتراث، ونقد النقد، فهو لم يتوقف عن البحث والتأليف، ومازال يمد المكتبة العربية بجديد متميز، وحيث ينغمر الآن في عدد من المشاريع النقدية، لكنه يقول “لا أدري إذا كانت الأيام القادمة تتسع لإنجاز مشروعات أخرى، مستقبلية، لكن هذا ما آمله وأرجوه”.

غير أن من يواصل قراءة كتاباته، يكتشف بوضوح أنه قارئ جيد، يدرك جوهر الإبداع في النص الذي يقرأه، فيكون النص النقدي في حالة تكامل مع النص الإبداعي، وهذا ما يجعله مشروعا مستقبليا، ويجعل من د. إبراهيم خليل، ناقدا مستقبليا.

كاتب من العراق

16