ناقد مصري يعلن عن تبادل المواقع بين القارئ والمبدع

السبت 2014/01/11
التاريخ.. "فضاء زمني للفعل الإنساني"

القاهرة- لئن كان كتاب “الأدب ونصوص الحياة” عملا نقديا بامتياز، كتبه أكاديمي مخضرم، فإنه جاء سلس العبارة، شيّق التناول، يقدّم جديدا يخصّ هذه العلاقة المكينة التي تربط ما بين الأدب؛ كتابة وإبداعا، والحياة؛ تجربة ومعايشة. لماذا كتب الدكتور مجدي توفيق كتابه هذا العمل؟ في مقدمته القصيرة يقدّم لنا إجابة محددة عندما يقول: “هذا كتاب يسعى إلى الكشف عن حقيقة مفادها أن الحياة التي نعيشها ما هي إلا نصوص نكتبها طوال الوقت، وأن الأدب هو القراءة الجمالية لتلك النصوص الحية، وهذا كله يعني أنه قبل أن نكون نحن قرّاء الأدباء، فإن الأدباء، أنفسهم، قراؤنا”.

جاء كتاب “الأدب ونصوص الحياة”، الصادر عن دار سندباد القاهرية، في ثلاثة فصول؛ أولها “الرواية والتاريخ”، وثانيها “السيرة الذاتية وحيوية النص”، وثالثها “الأدب العجائبي والتناص الإدراكي”.

يكشف مجدي توفيق عن الدوافع التي أدّت به إلى هذا التناول المتنوع، والذي، حسب التخوف الذي أبداه المؤلف نفسه، يمكن أن يوحي للقارئ بعدم وحدة موضوع الكتاب.

ففي كتابه “الأدب والحياة” السابق لهذا الكتاب الذي بين أيدينا، سعى إلى أن يبلور فكرة محورها أن “الأدب قراءة جمالية للحياة”، هذه الفكرة التي أراد المؤلف تفصيلها، بعد بلورتها، نظريا وتطبيقيا، في كتاب تالٍ، غير أنه، عندما أعاد التأمل في فكرته، هذه، قرر تناولها من منظور مختلف، وهو: “التناص”.

يوضح مجدي توفيق هذا المنظور قائلا: “أنا هنا أريد أن أتامل مرة ثانية صلة الأدب بالحياة، بوصفها تناصا تأويليا، وبدا لي أن مفهوم التناص لن يغترب عن نفسه حين نجعل أحد طرفيه الحياة بوصفها نصوصا؛ فليس غريبا ان نرى حياة الإنسان كتابا سرديا مليئا بالقصص”.

واستقرّ المؤلف على فكرته، من منظوره الجديد، ليصادفه كتاب عن الرواية التاريخية، يعترف بأنه استفز عقله إلى حد بعيد، فقرر أن يكتب فصلا عن الرواية التاريخية، فكان الفصل الأول من هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وفيه يشير إلى أن مشكلة الرواية التاريخية لا تقتصر على الحاجة إلى تعريف دقيق من منظور النوع الأدبي، بل تتسع حتى “تتغلغل” في مسارب العلاقات المعقدة بين الأدب والتاريخ، العلاقات التي يكشف الجدل حول النصوص الأدبية التاريخية افتقادها إلى التنظيم الكافي، وهنا، وكما يقول المؤلف: “أصبحت الرواية التاريخية، في نظري، مدخلا، فحسب، لتأمل العلاقة بين الأدب والتاريخ”، وهو ما أدّى إلى إثارة أسئلة شتى في ذهنه عن تاريخ الأدب، وأدب التاريخ، وأدبيته، وتاريخية الأدب. وهي أسئلة تضبط إجاباتها الصحيحة، من غير شك، أبعاد هذا الموضوع ومصطلحاته اللصيقة به.

فالتاريخ، كما أطره في الفصل الأول من الكتاب “فضاء زمني للفعل الإنساني، ولكنه ليس كل ما فعله البشر، فما نسميه تاريخا هو القدر الضئيل من أفعال البشر الذي سجلته النقوش والكتابات الباقية، والأخبار المتواترة، والمفترضة، وهو بناء ذهني معرفي تخيّلي يتألف من حشود سردية من القصص، نستخلصها من مواد كثيرة، استخلاصا يتأثر بمواقعنا الاجتماعية والثقافية، ومن ثم يمكن للأكذوبة، والخرافة، والوهم اللذيذ، أن تصبح تاريخا".

من منا لم يكن في طفولته متعلقا تعلقا شديدا بحكايات الجدة، أو الأم، التي تدور في عوالم سحرية عجيبة

ويستدرك: “إن لكلمة التاريخ رنين الوقار، والصلابة، والفخامة، الذي يصحب، دوما، كلمة الحقيقة، على الرغم من أن التاريخ، في حقيقته، منشأة ظنية إلى حدّ كبير، وكما تصل الحقيقة التاريخ بالمعرفة والعلم، يصله الخيال بالأدب، خصوصا الأدب القصصي.

أما الفصل الثاني، فنكتشف أن فكرة كتابته اندلعت بعد أن التقى المؤلف أحد أصدقائه الذي لم يذكر لنا اسمه، وتبادلا حديثا قصيرا حول أدب السيرة الذاتية، ليغريه، هذا الحديث، ومن منظور التناص أيضا، بأن يكتب متناولا محاولة الإجابة عن سؤال ما إن كانت السيرة الذاتية تكتب الحياة الشخصية للإنسان، أم أن الحياة الشخصية هي التي تكتب السيرة الذاتية؟ أم أنهما نصان متفاعلان يتبادلان العطاء؟

وفي محاولته، هذه، يقدّم لنا استعراضا مبسطا لتاريخ كتابة هذا الأدب السيري، ويوضح كيف أن مصطلح “السيرة الذاتية”، ظهر أول ما ظهر، في أنكلترا، وفسره “لاروس" سنة 1866، بأنه “حياة فرد ما مكتوبة من طرفه”، وهي تتميّز عن الاعترافات والمذكرات.

وفي العام 1876، صدر “المعجم الكوني للأدب”، يحمل تعريفا ثانيا لهذا الأدب، وقد وصفه “فابيرو” بأنه كل نص يبدو أن مؤلفه يعبر فيه عن حياته وإحساساته مهما كانت طبيعة العقد المقترح من طرف المؤلف.

ليأتى “فيليب لوجون”، المولود عام 1938، ويحتل مكانا بارزا كأشهر باحث في هذا الشأن، مضيفا نظرياته المهمة عن هذه النوعية من الكتابة الأدبية.

لكلمة التاريخ رنين الوقار، والصلابة، والفخامة، الذي يصحب، دوما، كلمة الحقيقة، على الرغم من أن التاريخ، في حقيقته، منشأة ظنية

أما “الأدب العجائبي”، موضوع الفصل الثالث، فلم يكن المؤلف بحاجة إلى محفز خارجي كي يجعل له قسما مهما في هذا الكتاب، فهو يقرّ في مقدمته بشغفه لهذا الأدب، هذا الشغف الذي دائما ما يدفعه إلى قول شيء عنه، فيقول في مقدمته: “من منا لم يكن في طفولته متعلقا تعلقا شديدا بحكايات الجدّة، أو الأمّ، التي تدور في عوالم سحرية؟ فإذا اشتدّ عوده، وبدأ يقرأ، سبح مع الشخصيات الكرتونية لحيوانات تتكلم، وبشر يطيرون؟

ويطبق المؤلف منظوره الخاص بالتناصّ على هذا الأدب العجائبي، متأملا طرفيه: العجائبية، والحياة المعيشية، فيقول: “تحتل العجائبية النص المقروء بين أيدينا. أما الحياة المعيشة فهي نصّ تحتي يفترش خبرة القراءة.

يتفاعل النصان تفاعلا قويا، وتقوم بينهما علاقة مزدوجة، فمن جهة يقوم بينهما تناقض منطقي ليس من الضروري ان يكون النص المقروء ساحته، ومن جهة أخرى، يكون من الضروري، والحتمي، أن يكون هذا التناقض المنطقي متواجدا في تضاعيف نشاط القراءة، الذي يقبض على النص المقروء، ويقيم بناء القراءة على أرض النص.

وبهذا التناول، من منظور التناص، يقدم المؤلف دليله على وحدة الكتاب، رغم انقسام موضوعه، فيقول مخاطبا قارئه: “أؤكد لك أنه موحد، وأني كنت أفكر فيه بوصفه مشروعا واحدا لا يعدو أن يكون تحليلا للتفاعل بين الأدب والحياة من خلال النظر في ثلاثة أنواع أدبية من هذا المنظور".

16