ناقد مغربي يبحث في البلاغة العربية الحديثة

تعددت المؤلفات والأبحاث التي تناولت مفهوم البلاغة وارتباطها بالاستعارة، منذ القديم، وإلى اليوم مازال الدارسون يخوضون في هذه المسألة نظرا لتشعبها وانفلات المعنى وكثرة تأويلاتها، وقد وضعت كتب في هذا الموضوع حاولت تفسير العلاقات القائمة بين مختلف أبواب البلاغة وأنواع الاستعارات ورسم معالم واضحة حتى تقترب الصورة من الذهن في ظل عالم متغير ومتطور.
الأربعاء 2016/11/30
بيان الخاصية الاستعارية عند الإنسان

الرباط - بعد أن استوى مشروع التأويلية العربية على عوده، واكتملت جوانبه النظرية والتطبيقية عبر أعمال متعددة للباحث المغربي محمد بازي نذكر منها “التأويلية العربية نحو نموذج الحديث لفهم النصوص والخطابات”، و”تقابلات النص وبلاغة الخطاب”، و”نظرية التأويل التقابلي”، و”صناعة الخطاب: الأنساق العميقة للتأويلية العربية”، يواصل الباحث شق عباب البحث والاقتراح عبر كتاب جديد بعنوان ” البنى الاستعارية نحو بلاغة موسعة”.

صدر الكتاب ببيروت عن دار ضفاف (لبنان)، ومنشورات الاختلاف (الجزائر)، ودار كلمة (تونس)، ودار الأمان (المغرب) في طبعة أولى أنيقة، ويتألف الكتاب إضافة إلى مقدمة نظرية وخاتمة جامعة، من ثمانية فصول يختم كل منها بخلاصات وامتدادات وتصب جميعها في مجال مشروع تأويلي موسع موضوعه الاستراتيجيات الاستعارية، وهي على التوالي: الاستعارة استراتيجية خِطابية- توسيع مجال الاستعارات المنوالية – تحليل الاستعارة المنوالية – الاستعارات الافتراضية – استعارات التسمية والأسلوب – استعارة المفاهيم والنظريات- مفهوم النص تمثيلا – اسْتِعارَةُ الأَنْوالِ القَولِيَّة – وقائع تجربة تأويلية جماعية – استعارة الأنوال التأويلية ودورها في بناء الثقافة.

بعد أن تحدث الكاتب في مقدمة مؤلفه محددا مختلف الروافد التي غذت المنوال الاستعاري، من خلال البحث عن أسئلة الاستعارة وتحديد مستوى تحقق فرضية المنوال الاستعاري في مشروعه التأويلي، عبر شقين اثنين، الأول تصوري ويقدم الإنجاز الاستعاري باعتباره فعلا استراتيجيا والثاني تجريبي وتقريبي.

اتجهت الفصول الأولى إلى بيان الخاصية الاستعارية عند الإنسان بوصفه كائنا يستعير ويبني ما يُستعار؛ يستعير من اللغة والثقافة، ومن كل الذخائر والمدونات المتاحة له لإنتاج مدونات وأنوال جديدة قابلة للاستعارة بدورها. وتنظر المقاربة المنوالية للخطاب على أنه مجموعة من البنى الاستعارية: لغوية وتصورية ومنوالية، يسعى التحليل إلى تتبعها وإبراز حلقاتها الظاهرة والخفية، ثم استقصاء معانيها ومقاصد توظيفها.

ويتوقف الكاتب -على سبيل التمثيل والبيان- عند استعارة الأنوال التأويلية لفهم الكتاب العزيز، ثم عند اغتناء الثقافة الإسلامية والعربية باستعارة الأنوال، والأدوات والمفاهيم، ونتاج العلوم الناشئة فيها، وتنقيل منوال التفسير الديني للشرح الأدبي، واستنساخ المحدَثين لأنوالهم التأويلية من القدامى، وغير ذلك من الحركات الاستعارية الكبرى التي كونت الذخائر المعرفية الواسعة في تراثنا التفسيري والأدبي والنقدي والفلسفي.

ثم يصل الباحث إلى خاتمة الدراسة المعنونة بـ”رؤيا التوسيع وتوسيع الرؤيا”، حيث يضع أهم نتائج البحث والنموذج الاقتراحي لمشروعه التأويلي.

وترتكز المبادئ والمنطلقات التي توجه التصور الاستعاري المنوالي عند محمد بازي على النقاط التالية: أولا، تسمح دراسة الأنساق الاستعارية في الخطابات التراثية بتتبع حركية الأنوال، ومبادئ تشكل الفعل الاستعاري المنوالي في آفاق رحبة خارج دائرة الأدب والنقد والفلسفة.

وثانيا، الاستعارة المنوالية حركة ذهنية تموجية لا حدود لها داخل الثقافة والدوال والنصوص والمعاني، تقوم على مبدإ الحاجة الاستعارية ومبدإ الملاءمة والوظيفية ومبدإ الفعالية. وثالثا، أصبحت الرسائل والخطابات ذات طبيعة موجية، ولذلك فإن قنوات التحليل الاستعاري ينبغي بدورها أن تكون ذات طبيعة موجية منتظمة تتميز بالتدفق والانسيابية.

وأخيرا، أدوات التحليل الاستعاري التقليدية يجاوزها الفعل الاستعاري التموجي الذي لا حدود له، وهو يتطلب تأويلية استعارية دقيقة، فلم تعد الاستعارات حبيسة الكتب أو الصور، إنها جزء من عالم يتغير بسرعة.

15