ناهد راحيل: قصيدة النثر ثمرة زواج بين نوعين أدبيين

الناقدة المصرية ناهد راحيل تؤكد أن قصيدة النثر زواج بين نوعين مختلفين أنجبا نصا جامعاً، وأن السوشيال ميديا لعبت دورا في القضاء على مركزية الإبداع.
الاثنين 2019/10/14
التجريب لا يقترن بفكرة التجديد

بالتوازي مع تحرير الوعي الإبداعي ونبذ التمثيل كضرورة فنية ونسف قواعد الكتابة المستقرة، فإن المصرية ناهد راحيل تنتهج في نقدها التفجيري الخلاق طرائق متمردة على التنميط والتقليدية، متنصلة تماما من دواعي التقييد الشكلية والرؤيوية. “العرب” التقت راحيل في هذا الحوار حول تجربتها النقدية الزاخمة، وجهودها في قراءة الأدب العربي الجديد، وكذلك الأدب العبري بحكم تخصصها.

الناقدة المصرية ناهد راحيل صاحبة أطروحات علمية مهمة حظيت بتقدير محلي وعربي، وقراءات لافتة وآراء جريئة في مجال الإبداع الحداثي والتجريبي الذي تتداخل فيه الأنواع، فتتولد أنساق مغايرة.

وإلى جانب دراساتها التنظيرية، فهي فاعلة وتسهم بحيوية في إثراء المؤتمرات بأوراق ومداخلات قيّمة، وآخرها بحثها حول الكتابة النسوية في مؤتمر “قصيدة النثر” بالقاهرة، الذي اختتم منذ أيام قليلة.

امتزاج الأنواع

من ميدان الدراسات الأدبية المقارنة أطلت ناهد راحيل على فضاءات النصوص الأدبية، العربية والعالمية، باحثة ومدرّسة أكاديمية في منظومة قسم اللغات السامية (العبرية) في كلية الألسن بجامعة عين شمس، ودارسة فردية ومتذوقة تأخذ على عاتقها إضاءة الإبداعات وتحليلها في كتب خاصة وأوراق شخصية، كواجب وهواية وشغف واهتمام، قبل أن يكون ذلك مجال عمل احترافي مخطط له بعناية.

وقدمت راحيل في مؤتمر قصيدة النثر بالقاهرة في سبتمبر الجاري قراءة مثيرة حول حدود التجريب في قصيدة النثر النسوية، معتبرة أن ثمة اختلافات تحدد ملامح كتابة المرأة في سياق التجريب العام الذي تخوضه قصيدة النثر المصرية الراهنة، ومن هذه السمات ما قد يكون سلبيّا ومقيّدا ومنتقصا من حرية النص، لأسباب مجتمعية أكثر منها فنية.

بوابة سحرية لنيلها جائزة الشارقة للإبداع العربي
بوابة سحرية لنيلها جائزة الشارقة للإبداع العربي

في حديثها إلى “العرب” توضح أن التجريب لا يقترن بفكرة التجديد بقدر ما يطمح إلى توظيف عناصر شكلية ودلالية بطرائق مغايرة، دون أن يعني ذلك أن هذه العناصر لم توجد من قبل في نصوص سابقة، إلا أن طرق توظيفها وسياق إنتاجها يكسبها دلالة وتحققا مختلفين لتبدو جديدة قياسا بفترات ماضية، وتتجلى قصيدة النثر حاملة الوعي بالتمرد، وقيمة التحرر في الكتابة والحياة.

تتحدد ملامح التجريب في قصيدة النثر النسوية وفق تقاطعاتها مع الخطاب النسوي العام من ناحية، ووفق متطلبات النسق الثقافي الذي تتشكل داخله من ناحية أخرى.

وتشير راحيل إلى أن معايير الخطاب النسوي في طرحه الأوروبي لا تتناسب في مجملها مع الخطاب النسوي العربي والشرقي بمحدداته الاجتماعية، كما أن وعي التلقي نفسه له دور فاعل في تلك الممارسات التجريبية، وفي تحديد أثرها الأدبي، حيث يسهم في إرسائها أو إقصائها من المشهد.

ويمكن القول إن الآليات الفنية في قصيدة النثر النسوية جاءت متوافقة مع ضروريات النسق الثقافي الذي انفتح على الفنون البصرية والأنواع الأدبية المختلفة، ومتوافقة كذلك مع خصائص قصيدة النثر العامة، إلا أن خصوصيتها تكمن في طرق توظيفها بصورة تخدم مقصدية الخطاب الشعري ومرسله.

وليس ممكنا أن تتطرق القصيدة النسوية إلى قضايا الجنسانية وموضوعاتها كخطاب هوياتي يمتلك خصائص محددة، وغير مقبول أن نجد خطابا نسويّا مثليّا كالنسوية المثلية في الطرح الأميركي، ويظل خطاب الجنس المسموح به والمشرع اجتماعيّا حاضرا، وكذلك دور السلطة في السيطرة على هذا الخطاب ومنحه الشرعية بتداوله أو مصادرته والرقابة عليه.

وفي الوقت الذي وجد الشعر المثلي النسائي الأوروبي ضرورة للتعبير عن نفسه في إطار التخلص من السيطرة الذكورية وكسر القوالب الثنائية تحت مظلة النظريات النسوية وحركات تحرير المرأة، فإن تلك المظلة تغيب عند الحديث عن شعر مثلي نسائي عربي.

كذلك، فإن المتلقي الذي تهيّأ بعد فترة لاستقبال نصوص الأيروتيكا لن يتقبل النصوص التي تتناول الهويات الجنسية التي يراها منحرفة إلا بتغير النسق الثقافي بأكمله، وتستطرد راحيل في حديثها إلى “العرب” قائلة “من هنا، يسهم المتلقي مع خطاب السلطة في إقصاء تلك الخطابات التحررية عن المشهد الأدبي النسوي”.

معايير الخطاب النسوي في طرحه الأوروبي لا تتناسب في مجملها مع الخطاب النسوي العربي والشرقي بمحدداته الاجتماعية

تتسم الفنون والآداب الحديثة بسيولتها وانجرافها في حالة تداخل وانزياح، بما فيها قصيدة النثر التي تأثرت بوجوه الكتابة عبر النوعية وتداخلاتها مع السرد والسينما والتشكيل والمسرح وغيرها، وعن ذلك ترى راحيل أن الأنواع الأدبية تتداخل وتتبادل التقنيات الفنية وأساليب التعبير في ما بينها، مع احتفاظ كل نوع بسماته الخاصة التي تميزه، وتحديداته النوعية التي تفصله عن الأنواع الأخرى، ويبقى القصد من التداخل هو التخفيف من سلطة النوع ومسايرة النمط الحداثي الذي طال التجربة الإبداعية بكل عناصرها.

كما أن الامتزاج بين الأنواع لا يلغيها، بل قد ينتج نوعا جديدا، وتعد قصيدة النثر أجدر مثال لذلك، فقد زاوجت بين نوعين أدبيين وأصبحت نصّا جامعا له سماته وآلياته وتحديداته النوعية الجديدة، وكذلك القصة الشاعرة التي جسدت تحرك السرد على حدود نوع آخر هو الشعر، ويسبق هذا كله بالتأكيد المسرح الشعري.

واستوعبت قصيدة النثر، مثل الأنواع الأدبية الأخرى، تقنيات الفنون الأدبية والبصرية، فوظفت الأشكال الحوارية الممتزجة بالنزعة القصصية والمسرحية، حيث تداخل الأصوات وتعددها، كما طالبت بتحقيق البنية البصرية داخل النص الشعري المكتوب، مفيدة من تقنيات الفنون السينمائية والتشكيلية وتطويعها بما يخدم طبيعة الخطاب نفسه، والشروط الفنية الخاصة بكل نوع أدبي.

الهامش والعتبات

توظيف الأشكال الحوارية الممتزجة
توظيف الأشكال الحوارية الممتزجة

تظل دراسة الأدب العبري أمرا شائكا مثيرا للجدل، وقد خاضت ناهد راحيل هذه المغامرة بدراسة مقارنة للخطاب الشعري بين الشاعرين الفلسطيني محمود درويش والإسرائيلي يتسحاق لئور، فإلى أي مدى جاءت هذه الدراسة في إطار قراءة الآخر المعروفة في إدارة الصراع؟ وهل يمكن للدرس الأدبي أن يكون مجردا مغفلا للخلفيات الأخرى؟

تعترض راحيل على أن الدرس الأدبي يمكن أن يكون هنا هدفا في حد ذاته، وتقول “لا يمكننا تجاهل السياق السياسي والصراع الأيديولوجي الذي يحكم العلاقة بين الأدبين العبري والعربي، والمرتهن كل منهما بمحاولة تعريف الآخر؛ فالآخر دائما نسبي تتحكم في تحديده زاوية الرؤية، لنظل آخر محتملا في تلك العملية التمثيلية. وفي أطروحتي، انطلقت من الرؤية الفنية التي تحددت في إفادة الخطابين من تقنيات الفنون المختلفة في عرض القضايا التي انشغل بها الشاعران، مع الاهتمام بالعلاقة بين التقني والدلالي والربط بينهما”.

كانت التوجهات الفكرية للشاعرين عاملا أساسيّا في اختيار راحيل لهما، حيث يتبنى كل منهما الأفكار الماركسية التي لا تهتم بصراع الهويات، وتؤمن بتمييع الأيديولوجيا الدينية والعرقية، وتهتم فقط بالإنسان وقضاياه وبالممارسات الأخلاقية للمجتمعات، وقد عُرف لئور برفضه للسياسات الصهيونية في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي، وانفصاله عن المجموع المتمثل في المؤسسة الصهيونية.

وتشير راحيل إلى أن هدفها الأساسي من دراسة الأدب العبري ليس تغيير عدسة رصده، بل توسيع إطارها، فقد اعتمدتْ الدراسات النقدية للأدب العبري لفترات طويلة على عدسة تبحث فقط عن ملامح الصراع وطرق تمثل الآخر، وتعرض الكتابات العبرية المختلفة بوصفها كتابات مجندة تخدم أهداف الكيان الصيهوني الاستعمارية.

كانت دراسة راحيل “النص الموازي” بوابة سحرية لنيلها جائزة الشارقة للإبداع العربي، بغوصها في عالم الشاعر محمد عفيفي مطر الاستثنائي، وقراءة “شعرية العتبات” في تجربته المركّبة، المُربكة.

وتصف راحيل نصوص مطر بالخصيبة وبالغة الخصوصية، لما فيها من تلاقي الأنساق المختلفة واستحضار الأساطير والملاحم والخرافات والسير الشعبية والذاكرة القروية، إلى جانب اللغة الشعرية متعددة الحقول والمستويات والإيقاعات والأجراس الموسيقية.

وترى ناهد راحيل أن عوامل متعددة وراء تعزيز إبداع الهامش، وكسر الهيمنة السلطوية التي تفرض أنماطا متوارثة، ومن هذه العوامل وسائط التواصل الاجتماعي “السوشيال ميديا” التي لعبت دورا في القضاء على مركزية الإبداع وحصره داخل مؤسسات أدبية وأكاديمية تتحكم في عرض المشهد وفق تراتبية ثقافية واضحة، وكذلك فعلت المؤتمرات الأهلية البعيدة عن تلك المنصات المؤسساتية.

15