نايبول ونكهة طعام نظيرة

الاثنين 2017/10/30
مات محاطاً بمن أحبهم بعد أن عاش حياة مليئة بالإبداع الرائع والمبادرة

لأن الطعام صحبة لذلك يكاد يكون حديث الأكل أشد أنواع الكياسة حساسية، فافتقاد اللياقة في طريقة الحديث عن نوعية الطعام لا يقل سوءا عن افتقاد الذوق في طريقة تناول الطعام نفسه.

الإجهار الفظ بانتقاد نوعية الطعام بطريقة متذمرة رافضة تصل أحيانا إلى حد الغضب عند بعض الرجال، نوع من السلوك الهابط، وهو أيضا عدم اعتداد بالنفس، وطريقة متهورة لجرح مشاعر الآخرين على مائدة يفترض أن تكون وجدت للصحبة والسعادة المشتركة.

يتمادى بعض الأزواج في هذا النوع من السلوك الفظ في انتقاد طبيعة طعام نسائهم، حتى وإن لم يتطلب الأمر ذلك، بل إن بعضهم يقوم بانتقاد نوعية الطعام حتى عندما يكون ضيفا على مائدة الآخرين، لأنهم ببساطة عاجزون عن فهم أصول الكياسة والسيطرة على نزواتهم، بينما القناعة كنز داخلي تجاه الطعام وتقاسمه مع الآخرين، الأمر لا علاقة له بالجوع والشبع بل مرتبط بالعزة التي يعيشها الإنسان مع نفسه، وكيف يكون قادرا على إسباغ المثالية على ما يأكله.

النوبلي المعزول عن العالم اف. اس. نايبول، له حياة مثالية مع زوجته نظيرة في منزلها الواسع في ساليسبوري إحدى الضواحي الإنكليزية، سبغ المثالية على سلوكه، ولا يمكن لأحد أن يتوقع أنه سينتقد بشدة الطعام على مائدته عندما يتناوله مع نظيرة. لأن ذلك آخر ما يفكر فيه هذا الكاتب.

لا أعني هنا أن نايبول لا يتمتع بالطعام لأنه كأي إنسان آخر، لكنه لا يجعل منه قضية، قضية الكاتب هي بنك أحلامه في رصيد اللغة وليس نوع الطعام، وهذا أمر لا يمكن اقتصاره على الكتّاب عالي العزة بالنفس، بل هو مرتبط برباطة جأش الإنسان وإيقاف إطلاق العنان للغرائز.

حساسية المرأة إزاء طعامها قد تصل أحيانا إلى درجة المعادل الجمالي لما ترتديه من ملابس، لذلك تهتم بالإطراء الذي يبديه الآخرون، وستكون في غاية الحساسية إزاء التعبيرات النزقة، وهذا ما يفترض بالآخرين استيعابه، لأن فكرة رفض الطعام مرتبطة بالسلوك الشخصي للإنسان أكثر مما هي بنوعية الطعام.

لا أعتقد أن نايبول سينتقد طعام نظيرة! لكنه عندما يصاحبها على المائدة سيرفع عينيه قليلا متوقعا حديثها عما يأكلان، ولأنه ليس فقط لا يحب المواضيع المكررة، بل يرفضها قطعيا، فإنه لن يبدي رأيا في طعام زوجته، ربما سبق وأن قاله منذ سنين، لكن نظيرة ستعيد طرق الموضوع باعتباره جديدا مع نكهة مضافة، من دون أن يكون لدى الكاتب الحاصل على جائزة نوبل أي تعليق.

24