نايف عبيد عالم قضى أربعين عاما يبحث في مستقبل الخليج العربي

الأحد 2016/12/11
عبيد: مجلس التعاون عمقنا الاستراتيجي الوحيد في هذه اللحظة

أبوظبي - حين نسعى للتعمق في محاولة منّا لفهم شؤون “مجلس التعاون لدول الخليج العربية” في أبعادها المؤسساتية والقانونية والسياسية، نجد العديد من الكتابات لباحثين خليجيين وعرب وأجانب، من أهمهم المفكر والباحث السوري الأكاديمي نايف علي عبيد. ذلك الرجل الذي كرّس الجزء الأكبر من عمره ـلمدة تجاوزت الأربعة عقودـ باحثا في قضايا الخليج، وعلاقاته الإقليمية والدولية.

تعدّ أبحاثه وكتبه مراجع لصنّاع القرار وللجامعات والباحثين وللدّارسين أيضا، وهي عميقة وهامة وثريّة بلا ريب، لكن حين تقترب منه، وتنصت إليه بعد أسئلة تتطلب إجابات مصيرية وحاسمة خليجيا وعربيا ودوليا تتجلى لك الأبعاد الأخرى لشخصيته، ذات الطابع التأسيسي لتجربته الأولى في محاولة منه للمشاركة في صياغة رؤية تنظيرية وتطبيقية للقضايا العربية، وكان له ذلك من خلال تجربته الثريّة في الكتابة بحثا ومتابعة ومشورة لكل ما يتعلق بدول الخليج العربية، وبعلاقاتها الإقليمية والدولية، منذ انطلاقه من سوريا على خلفيّة رفضه المبكّر للوضع السياسي الذي قام فيها في سبعينات القرن الماضي، مرورا بالجزائر التي درس في جامعاتها ما بين عامي 1971 و1975، ويوغوسلافيا التي حصل منها على الدكتوراه في العلوم السياسية-علاقات دولية من جامعة بلغراد.

الفضاء الإماراتي

تجربة عبيد لجهة متابعته لقضايا دول الخليج العربية أخذت بعدها التراكمي في الإمارات العربية المتحدة، إذْ بدأت منذ العام 1976، حين عُيّن بوظيفة باحث أول في ديوان المغفور له رئيس الدولة، في ذلك الوقت الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان واستمر في وظيفته تلك إلى غاية العام 1995، أي لمدة 19 سنة، ثم انتقل بعدها ليعمل خبير شؤون سياسية في إدارة البحوث والدراسات بديوان ولي عهد أبوظبي، والآن يعمل باحثا متفرغا في مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام، ويعتبر فاعلا في التجربة البحثية الإماراتية والخليجية، فعمره من عمر المنطقة وتفاعلاتها في عمق الزمن المحلي والإقليمي والإنساني.

خلال هذه الفترة من الزمن ألّف عبيد العديد من الكتب والدراسات باللغتين العربية والإنكليزية، منها “مجلس التعاون لدول الخليج العربية: من التعاون إلى التكامل” و”مجلس التعاون لدول الخليج العربية”، و”العولمة والعرب”، و”القرية الكونية: واقع أم خيال”، و”السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة”، و”النزاع العراقي-الإيراني على شط العرب” وغيرها.

كما قام بإجراء عدد من الدراسات التطبيقية المتعلقة باستطلاعات الرأي وتحليل المضمون حول جملة من القضايا المتعلقة بدولة الإمارات خاصة، ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية عامة، وقام بعدد من الترجمات لمقالات متفرقة من الصحف والمجلات الأجنبية، إضافة لهذا قدّم محاضرات عديدة في دول مجلس التعاون، وأخرى في كليتي الأركان والضباط في الإمارات، ومركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وجامعتي بكين وشنغهاي في الصين.

تجربته الثرية في الكتابة بحثا ومتابعة ومشورة لكل ما يتعلق بدول الخليج العربية، وبعلاقاتها الإقليمية والدولية، تعد العالم الذي استغرق فيه نايف عبيد منذ خروجه من سوريا على خلفية رفضه المبكر للوضع السياسي الذي قام فيها في سبعينات القرن الماضي، قبل أن يستقر

المصير والواقعية

يؤكد عبيد في كتاباته ومحاضراته على أن قيام مجلس التعاون الخليجي في 25 مايو 1981 جاء استجابة طبيعية للإرادة الصادقة لقادة وحكومات وشعوب، وهي تمثل منبعاً لرافد واحد يستمد مقوماته الأصلية من العقيدة والدم والمصير الواحد، ويجمعه الهدف الواحد والمصلحة المشتركة، كما يرى أن قيام مجلس التعاون الخليجي انطلق من أُسُس واقعية تدرك تمام الإدراك مكانة المنطقة الاستراتيجية والتاريخية، والدور الذي ينبغي أن تضطلع به دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لخدمة الاستقرار والسلام العالميين وتعزيز روح التضامن والتنمية في الوطن العربي.

من ناحية أخرى يرى عبيد أن التنسيق والتكامل والترابط الاقتصادي بين الدّول الأعضاء في مجلس التعاون يشكل محوراً أساسياً من محاور العمل المشترك في إطار مجلس التعاون، بهدف تحقيق التكامل بين دوله، كما أن التجانس بين دول المجلس أسهم في تمكين مجلس التعاون من تبنَّي مواقف موحّدة تجاه القضايا السياسية في المنطقة والعالم، الأمر الذي أعطى مجلس التعاون قدراً كبيراً من المصداقية كمنظمة دولية فاعلة في هذه المنطقة الحيوية للعالم بأسره.

وبالنسبة إلى دور المواطن الخليجي، يذهب عبيد إلى القول إن هناك حرصاً من المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية على تعزيز دور المواطن في تفعيل مسيرة المجلس، حيث أقرَّ المجلس الأعلى إنشاء هيئة استشارية من مواطني دول مجلس التعاون ذوي الخبرة والكفاءة تتولى إبداء الرأي في ما يحيله المجلس الأعلى إليها من أمور، مشيراً إلى أن هذه الهيئة ومنذ إنشائها قامت بدراسة عدد من الموضوعات الحيوية ذات الطبيعة الاستراتيجية، وقدمت رؤيتها حول جميع مسارات العمل المشترك لمجلس التعاون، مًركّزة على القضايا التي من شأنها تعزيز العمل الخليجي وازدهار المواطن الخليجي والتكامل بين دول المجلس.

يركز عبيد في أبحاثه على أن مجلس التعاون الخليجي أسهم عربياً ودولياً في تعميق علاقات دول مجلس التعاون مع هذه الدول والتجمعات الدولية، وتأكيد حضورها في الساحة الدولية، مشيراً في هذا الصدد إلى دور المجلس في مساندة ودعم دولة الإمارات في حقها باستخدام كل الوسائل السلمية لاستعادة سيادتها على جزرها الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى التي تحتلها إيران. إضافة إلى دور المجلس في إيقاف الحرب العراقية-الإيرانية، ثم تحرير الكويت والعمل بشكل جماعي لدعم القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ودعم مسيرة السلام في الشرق الأوسط مع التمسك بالحقوق العربية والإسلامية.

وفي محاضرة له بمركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام، في أكتوبر الماضي، قال نايف عبيد “إن المجلس تبنّى وثيقة التطوير والتحديث في الوطن العربي، حيث أكدت أكثر من قمة على ضرورة أن يكون التطوير والتحديث نابعاً من دول المنطقة، وأن تراعى فيه خصوصيّات وظروف كل دولة من النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية، وأن التدرج في جنْي ثمار هذا التطوير والتحديث من شأنه تحسين فرص الاستقرار والأمن والرخاء في المنطقة”.

مستقبل الخليج العربي

بحكمة القادة ورغبة شعوب المنطقة، يضيف عبيد، فإن مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية ماضية في طريقها إلى الأمام، غير أنه يدعو إلى مزيد من العمل لإزالة بعض العقبات التي تعترض إتمام بعض الاتفاقيات، لكنه يقول لـ”العرب” إنه “لا خيار لدول المجلس إلا الاستمرارية وتحقيق الأهداف، لأن ذلك يتعلق بالوجود، وليس خيارا من باب الرفاهية، وعلى قادة دول المجلس أن تعي مخاطر المرحلة، إذ مهما تكن الخلافات في بعض الأحيان، فإن الخيار الوحيد هو تجاوزها، لأن المخاطر شاملة لكل دول المجلس مهما بدا أن هذه الدولة أو تلك في منأى عنها”.

نايف عبيد يعرف بالعديد من الكتب والدراسات التي صدرت له باللغتين العربية والإنكليزية، منها “مجلس التعاون لدول الخليج العربية: من التعاون إلى التكامل” و”مجلس التعاون لدول الخليج العربية”.

غير أن تعمق عبيد، بحثا واستشارة وتعاونا مع مؤسسات المجلس، يتطلب منه تقديم المزيد من الإجابات لأسئلة تطرح اليوم بقوة على الصعيد الخليجي، منها على سبيل المثال؛ ما هي البدائل المتاحة أمام دول المجلس حين تتناقض مصالحها القطرية مع مصالح المجلس، كما هي في الحرب الراهنة في اليمن التي تفادت سلطنة عمان المشاركة فيها؟ وماذا عن بعض الخلافات التي تنشب بين الحين والآخر حول الحدود؟ وكيف للمجلس أن يتصرّف مع دولة تؤيد جماعات الإسلام السياسي في حين تحاربها أخرى؟ وماذا عن العلاقات الإقليمية التي تربط هذه الدولة أو تلك من دول المجلس، مع أنها قد لا تخدم المصلحة المشتركة لدول المجلس؟

قد نجد بعضا من الإجابات عن الأسئلة السابقة لدى عبيد، من ذلك دعوته للمزيد من الصمود حتى يستمر المجلس، كون أن القضايا المتفق عليها أكبر من المختلف حولها، ولأن هناك خطوات عملية تتّجه نحو تحقيق التكامل والاتحاد، وأيضا قناعته -من خلال دراسته وأبحاثه- على أن المجلس كائن حي في أيام الرخاء والشدة، وفي الحرب والسلم، وما الحرب في اليمن إلا دليل عن ذلك، وصحة ما ذهب إليه عبيد أكدته كل القمم الخليجية، ومنها القمة الأخيرة في المنامة.

9