نايلة الخاجة إماراتية تسطع في عالم صناعة الأفلام

الأحد 2017/04/09
ظاهرة سينمائية تبرز قوة التمثيل

عمان - شخصية مثابرة وإيجابية، متعددة المواهب عشقت الفن منذ نعومة أظفارها، بدأت مشوارها الفني مع الرسم التشكيلي لتجد نفسها فيما بعد في السينما لأنها تعتبرها الامتداد النفسي للإنسان.

هي نايلة الخاجة أول امرأة إماراتية تنجح في عالم يهيمن عليه الذكور في حقل إخراج الأفلام وإنتاجها. أحلامها هي وقود أفلامها التي عُرضت في أكثر من 42 مهرجانا سينمائيا حول العالم وتم تكريمها بجوائز عدة في مهرجانات محلية وعالمية.

ليس من قبيل المبالغة القول بأن الخاجة ساعدت في قيادة صناعة السينما الإماراتية، فهي مؤسسة شركة تهدف إلى إنتاج الأفلام الروائية التجارية في الشرق الأوسط.

كسر القيود التقليدية

درست الخاجة في كلية دبي للطالبات وحازت منها على شهادة في الاتصال الجماهيري واستطاعت تذليل كل الصعوبات والمعوقات التقليدية التي تعترض طريق دراسة الفتاة الخليجية في الخارج.

انتقلت إلى كندا بهدف دراسة الإخراج وصناعة الأفلام في جامعة إيرسون الكندية حاملة معها أحلاما كبيرة وطموحا بلا حدود. فور تخرّجها عادت الخاجة إلى دبي لتخوض تجربتها السينمائية الأولى عام 2004 وهي الفيلم الوثائقي “كشف النقاب عن دبي” الذي أطلقه وزير التعليم العالي في دولة الإمارات العربية المتحدة لأول مرة في مهرجان دبي السينمائي الدولي، ويروي الفيلم قصة دبي بعين مخرج غربي يزورها للمرة الأولى.

بعد عام واحد قررت نايلة تأسيس شركة إنتاج سينمائي خاصة بها أسمتها “دي سيفن” وذلك بالشراكة مع عدة جهات مثل وزارة الثقافة ودائرة تنمية المجتمع لتعزيز صناعة الأفلام المستقلة. وهي شركة متخصصة في إنتاج الأفلام القصيرة والأفلام الوثائقية والإعلانات التلفزيونية، وقد كبرت الشركة بسرعة وعملت مع عمالقة الصناعة العالمية مثل مرسيدس وبي أم دبليو وفوج ونايك ونيفيا وغوتشي وكانون.

آرابانا

في عام 2007 جسدت نايلة حبها للأفلام عبر إطلاقها أول نادِ للسينما في دبي يسمّى “نادي المشهد” الذي نما من 50 عضوا في السنة الأولى إلى أكثر من 10 آلاف عضو مسجلين في الوقت الحالي، ومن المقرر افتتاح فروع جديدة للنادي قريبا في أبو ظبي والشارقة.

قدمت المخرجة الشابة عام 2006 فيلمها القصير الأول ”آرابانا”، الذي حظي باهتمام واسع ولافت من الفنانين والمنتجين والإعلاميين وكل المهتمين بصناعة السينما ومنهم إدوارد آر برسمان منتج سلسلة أفلام “ذا كرو” و”وول ستريت” و”أميريكان سايكو” الذي عبر عن إعجابه بـ”آرابانا” قائلاً “إنه فيلم رائع ومثير للقلق”.

الفيلم أثار الجدل في الوقت ذاته إذ تناول موضوعاً حساساً وهو الاعتداء على الأطفال، لكنه تميز بأنه قدم تنبيها للخطر الذي ينتج عن إهمال الوالدين لأطفالهم، والفيلم عُرض في العديد من المهرجانات السينمائية منها مهرجان دبي السينمائي الدولي ومهرجان أفلام دوربان الدولي وفي زاوية الأفلام القصيرة من مهرجان كان، ويعد الفيلم الأول في المنطقة الذي يستخدم فيه تقنية تصوير على أفلام ذات مقاس 35 ملليمترا بطريقة الأبيض والأسود.

شخصية مثابرة

ذات مرة

ناقشت الخاجة سلوكيات الفتاة المراهقة في حياتها في فيلمها الثاني “ذات مرة”، وفي عرضه السينمائي الأول كان من بين المشاهدين رجال ونساء، وفي نهاية الفيلم أثنى الجميع على العمل من كلا الطرفين، حيث شكرها الملتزمون لأنها استطاعت إظهار المآل المظلم للفتاة غير الملتزمة للجميع، وفي الوقت نفسه شكرها من يقفون على الجهة الأخرى لأنها قدمت بالفيلم معنى أن الحب نعمة وليس نقمة وأنه ينتمي إلى فئة المشاعر الإنسانية السامية، ولكن يسيء إليه البعض بتصرفاتهم الطائشة وغير المنضبطة.

الخاجة من بين المناديات والمنادين بحماية البيئة. وهي أيضا من الملتزمين للغاية بذلك حيث أنها على سبيل المثال لا تأكل لحوم الحيوانات حتى أنها لا تدخل إلى بيتها أيّ خضار أو فواكه غذيت بمواد كيميائية، وتسمح فقط بالعضوية “أورغانيك”، وتتّبع بين الوقت والآخر حمية طبيعية تسمى “ديتوكس″ وهي تعتمد على الماء والعصائر لإنقاص الوزن والتخلص من السموم الموجودة في الجسم.

أما على الجانب السينمائي فلم تركز نايلة بشكل أساسي على قضايا البيئة برغم أنها تعتبرها مواد دسمة سينمائياً لكنها تطرقت إليها بطريقة غير مباشرة لأن اهتمامها كان منصبّا أكثر على الأشخاص والصراع القائم بين الطبقات الاجتماعية والثقافية والبيئة الشعبية بما تحويه من عادات وتقاليد، ومنه إلى علاقة الأشخاص بكل ما يتعلق بالبيئة من حولهم.

تضع المخرجة الإماراتية عامل التوازن في أفلامها ليكون قائماً بين الشخصيتين، السيئة والإيجابية، لأنها تهدف أن تضمن ألا تنتقل المشاعر أو التصرفات السلبية الصرفة إلى المشاهدين وخصوصاً فئة المراهقين والشباب، فتجد في أفلامها مثالاً للرجل الفاسد ومآله السجن، والرجل الصالح الذي يبني ويعمّر المجتمع، وتقول الخاجة في إحدى لقاءاتها الصحافية “ليس من مسؤوليتي كمخرجة أن أصلح المجتمع، ولا أستطيع فعل ذلك إن أردت، ولكن أستطيع في الوقت نفسه أن أبيّن للمشاهدين خاتمة الطريق الذي يسلكونه سواء طريق الخير أو الشر”.

إلى جانب المشاهير

فيلم “ملال” الذي أخرجته الخاجة في عام 2010 يعد خطوة أخرى من الخطوات المتسارعة على طريق بناء صناعة سينمائية قوية لها حضورها المتميز في منطقة الخليج العربي، كونه أول فيلم من إنتاج إماراتي يصور خارج الدولة حيث جرى تصويره بالكامل في أحد مرتفعات مدينة كلكتا الهندية.

دراسة الإخراج وصناعة الأفلام في جامعة إيرسون الكندية تعتبر منصة انطلاق أعمال نايلة الخاجة التي عادت حاملة لطموح بلا حدود. ففور تخرجها خاضت تجربتها السينمائية الأولى عام 2004 وهي الفيلم الوثائقي "كشف النقاب عن دبي"

تصدت نايلة من خلال فيلم “ملال” لإحدى القضايا الاجتماعية السائدة في المجتمع الإماراتي وغيره من المجتمعات العربية والمتمثلة في الملل والفتور الذي يطفو على سطح الحياة الزوجية نتيجة انشغال بعض الأزواج بالطموحات الذاتية والأعمال.

تعتبر الخاجة مهرجاني أبو ظبي ودبي السينمائيين بأنهما أصبحا في مصاف المهرجانات العالمية التي يعد أهل السينما في العالم العدة لها ويقدمون فيهما أفضل ما لديهم من أفلام، فضلاً عن دعم وإنتاج العديد من الأفلام الإماراتية بمختلف أنواعها سواء منها التسجيلي أو الطويل أو القصير.

في عام 2012 اختيرت الخاجة إلى جانب مشاهير عالميين أمثال جان رينو وأميتاب باتشان ومونيكا بيلوتشي للمشاركة بجلسة تصوير خاصة لإطلاق الأستوديو المؤقت لـ”هاركورت باريس″ في دولة الإمارات، ويتميز الأستوديو الفرنسي العريق بمجموعة صوره بالأبيض والأسود لمشاهير ونجوم السينما منذ تأسيسه في باريس عام 1934 على يد كوزيت هاركورت بالتعاون مع الإخوة لاكروا الرائدين في المجال الإعلامي وروبرت ريتشي نجل الشهيرة نينا ريتشي.

اختيار نايلة جاء كونها سفيرة العلامة التجارية “كانون الشرق الأوسط”. وقالت عن تلك التجربة “تعد جلسة التصوير التي شاركت بها في أستوديو هاركوت من بين التجارب التي لا تنسى، إذ أن مجرد المشاركة مع شخصيات شهيرة تعتبر في حد ذاتها أمراً مثيراً ورائعاً، ومن الأشياء التي لفتت انتباهي خلال هذه الجلسة استخدام المصورين لكاميرات (كانون دي. أس. أل. آر) وكوني سفيرة العلامة التجارية كانون فقد شعرت بالفخر والسعادة لاستخدام مصوري هاركورت المحترفين لهذه الكاميرات لتوفير صور إبداعية تميّزوا دائماً بإنتاجها”.

شاركت الخاجة بصفتها سفيرة “كانون” في معرض “كابسات 2017″ المنصّة الأبرز في مجال البث والإعلام الرقمي والاتصالات في المنطقة، لتتحدث عن رؤيتها حول دور تكنولوجيا صناعة الأفلام من خلال ورشة عمل تفاعلية كان عنوانها “النساء صانعات الأفلام في العالم العربي”، وركزت نايلة فيها على التحديات التي تواجه المرأة العربية في صناعة الأفلام بالمنطقة والفرص المتاحة لها ضمن هذا القطاع، وكيف قامت السينمائيات العربيات بتجسيد طموحاتهن على الشاشة الكبيرة.

يمتد فيلم نايلة القصير الأخير “حيوان” الذي قدمته العام الماضي على 14 دقيقة وهي تركت فيه المساحة الأكبر لقوة التمثيل وابتعدت عن الحوار ليبدو الفيلم أكثر قرباً من مشاهد السينما الصامتة وهو الأسلوب الذي تتميز به الخاجة.

يشكل فيلم “حيوان” مقدمة لفيلم آخر روائي طويل تعمل نايلة حالياً على تطوير السيناريو الخاص به ويتوقع إصداره خلال العام الجاري، بحسب ما كشفت عنه الخاجة في لقاء صحافي أجرته مؤخرا.

الخاجة تعد أول إماراتية تنجح في عالم السينما الذي يهيمن عليه الذكور ومع ذلك فقد ساعدت كثيرا في قيادة صناعة السينما في بلادها

حازت نايلة على العديد من الألقاب، ليس فقط في مجال السينما، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، ففي العام 2005 نالت ثلاثة ألقاب هي “المرأة الإماراتية لهذا العام” و”الفنان الوطني” من مجلة الإمارات للمرأة، ولقب “أصغر سيدة أعمال” من حفل توزيع جوائز قمة سيدات الأعمال والقيادات العالمية الذي أقيم في دبي.

وفي العام 2006 فازت الخاجة بجائزة القيادة الملهمة من “لويدز بانك”، كما اختيرت ضمن قائمة أفضل 50 امرأة عربية عام 2012، وضمن 100 شخصية من أقوى العرب تحت سن الأربعين عام 2015.

وفي مهرجان دبي السينمائي الدولي عام 2007 كانت الخاجة “أفضل مخرج إماراتي” عن فيلمها “ذات مرة”، أما فيلمها “ملال” فقد حصل على جائزة أفضل سيناريو في مهرجان الخليج السينمائي وفاز بالمركز الأول في مسابقة المهر الإماراتي في مهرجان دبي السينمائي الدولي، كما تنافس في قسم الأفلام القصيرة في مهرجان تريبيكا السينمائي في نيويورك عام 2011.

ملهمون حول العالم

حصلت الخاجة أيضا من المجلس الثقافي البريطاني الدولي المموّل لمشروع يونج للشاشة على جائزة في عام 2010 بعدما نافست عشرة مرشحين نهائيين من جميع أنحاء العالم. وحصدت جائزة أفضل فيلم قصير عن عملها “جار” في مهرجان الشرق الأوسط فلورنسا بإيطاليا عام 2015.

المخرجة الإماراتية ترى في الإعلامية الأميركية أوبرا وينفري مثالها الأعلى والقدوة التي تضعها دائماً أمام عينيها، وأرجعت ذلك في مقابلة تلفزيونية على قناة أبو ظبي الإمارات الفضائية إلى قدرة وينفري على التأثير في الملايين حول العالم متمنية أن تصبح مثلها في مجال السينما وأن تصنع أفلام قادرة على وضع علامة إيجابية في الجمهور وأن يكون عدد المتأثرين بها بالملايين.

من بين الملهمين سينمائيا للخاجة المخرج الإيراني العالمي عباس كياروستامي الذي كانت محظوظة لوجودها معه جنبا إلى جنب في لجنة التحكيم الخاصة ببرنامج الفيلم الرئيسي في مهرجان الشرق الأوسط السينمائي (أبوظبي) في عام 2009، وليس كياروستامي فقط من يلهم نايلة الخاجة في عالم السينما فهناك مورغان فريمان وديبا ميهتا وستانلي كوبريك.

9