نايلة تويني.. ماذا عن حصة الأرثوذكس في الكعكة الانتخابية اللبنانية؟

عالم السياسة اللبنانية لم يكن سهلا على آل تويني وخاصة نايلة، ففي تجربتها حيث الحيتان الكبرى تأكل الأسماك الصغرى، كانت هي بمثابة أصغر أنواع السمك في مجلس نيابي منتخب.
وريثة كرسي "النهار" تبتعد خشية مصير كمصير والدها

مع انفجار العلاقة ما بين تيار “المستقبل” و“القوات اللبنانية” في الانتخابات المزمع إجراؤها في مايو القادم، تبرز أهمية بقية المكونات اللبنانية كلاعبين على رقعة الشطرنج، شعرت بأنها مهمشة في صراعات الكبار. وحين تقلب في صفحات جريدة “النهار” اللبنانية العريقة المملوكة لآل تويني، ستعثر على مقالات تعكس هذا التهميش، ويرد في بعضها ما يلي “هجينة قصة الأرثوذكس، وهم الطائفة الرابعة في لبنان، ذلك أن الموارنة وتحت عنوان (المسيحية) يقومون باقتطاع بعض من حصة الأرثوذكس في السلطة وتقاسمها في ما بينهم”.

هذه صورة تستحق التوقف عندها. فالمسيحية الشرقية ليست كيانا واحدا كما هو معلوم، وكما يتقاسم السنة والشيعة المسلمون أطواف النزاعات، يتقاسم الموارنة والكاثوليك والأرثوذكس نزاعات أخرى بعضها فوق السطح وبعضها ما يزال جمراً تحت الرماد.

ولم يكن سهلاً على الجالسة على كرسي إدارة “النهار”، نايلة تويني، الشابة التي ولدت وملعقة الذهب في فمها، أن تفجع في مطلع شبابها باغتيال والدها الصحافي والسياسي الراحل جبران تويني، لكي تجد فجأة نفسها أمام مسؤولية مزدوجة؛ الاستمرار في إدارة أشهر وأعرق الصحف اللبنانية والعربية، أي “النهار”، ومتابعة مسيرة أسرتها النيابية، حيث ترشحت في العام 2009 لملء المقعد الذي شغر بعد وفاة والدها والذي زُكّي لملئه في العام 2005 جدها غسان تويني.

مسيرة تويني، سواء أكانت في النهار أم في مجلس النواب، لم تكن بالإشراق الذي تمنته الصبية اللبنانية الجريئة، فقد اضطرت لاتخاذ أصعب القرارات المهنية في حياتها الشابة بالاستغناء عن عدد كبير من محرري الصحيفة

غير أن مسيرة تويني، سواء أكانت في النهار أم في مجلس النواب، لم تكن بالإشراق الذي تمنته الصبية اللبنانية الجريئة، فقد اضطرت لاتخاذ أصعب القرارات المهنية في حياتها الشابة بالاستغناء عن عدد كبير من محرري الصحيفة الذين رافقوا جدها ومن بعده والدها في النهار، وذلك بسبب الأزمة المالية التي عصفت بوسائل الإعلام المكتوبة في لبنان، ما تسبّب بامتعاض الكثيرين منهم وإطلاق أبشع النعوت والصفات بحقها، كما لم تتمكن من “هضم” الحياة السياسية التشريعية فلم تشارك في الصورة البرلمانية، إلا في جلسات قليلة مخصصة للتصويت على منح الثقة للحكومات المتتالية أو لانتخاب رئيس للجمهورية.

اختلاط الهوية

منبر البرلمان لم تعتله تويني مرة واحدة، ولم يحفظ لها زملاؤها المشرعون أي نشاط تشريعي. في المقابل انصبّ اهتمامها على حياتها الخاصة بعد زواجها من الإعلامي مالك مكتبي، الشيعي، والذي أثار زوبعة في الأوساط الأرثوذكسية، المذهب الذي تنتمي إليه، سرعان ما هدأت، فكونت مع مكتبي عائلة تشرف شخصياً على تربيتها وإبعادها عن الأضواء.

أبصرت تويني النور في 31 أغسطس 1982 وهي تنتمي إلى أسرة سياسية وإعلامية، فإضافة إلى مكانة والدها، تبرز مكانة والدتها ميرنا المرّ أبوشرف رئيسة اتحاد بلديات المتن. جدها لوالدها هو الصحافي والنائب والوزير والسفير الراحل غسان تويني، وجدتها لوالدها الشاعرة ناديا حمادة تويني، وجدّها لأمها هو نائب رئيس مجلس الوزراء السابق النائب ميشال المر، وخالها نائب رئيس مجلس الوزراء السابق ورئيس جمعية الإنتربول إلياس المر، كما أن أخوال والدها النائب والوزير مروان حمادة والصحافي علي حمادة.درست في المرحلة الابتدائية في مدرسة “لويس فيغمان”، بينما كانت دراستها الثانوية في مدرسة “سيدة الناصرة” في الأشرفية. والتحقت بالجامعة اللبنانية قسم الصحافة وحصلت على الإجازة الجامعية في العام 2005، كما حصلت على شهادة الدراسات العليا في المفاوضات والاستراتيجية من “كلية جان مونيه” التابعة لجامعة باريس الدائرة السادسة.

ولأنها تربّت والصحافة تخيط بها من جميع الجوانب، فلم يكن مفاجئا أن تختارها لدراستها الجامعية، وقد يكون ذلك لأن القدر رسم لها هذه الطريق التي كتب عليها أن تسيرها في سن مبكرة، فتولّت رئاسة تحرير النهار وهي لم تكن قد تخطّت بعد “ألف باء” الكتابة الصحافية، وتولت رئاسة مجلس إدارة الصحيفة وهي لم تكن قد شاركت في أي اجتماع إداري أو مالي من قبل.

لا يعتبرون أنفسهم طائفة

الحياة السياسية التشريعية لم تتمكن نايلة تويني من “هضمها” فلم تشارك في الصورة البرلمانية، إلا في جلسات قليلة
الحياة السياسية التشريعية لم تتمكن نايلة تويني من “هضمها” فلم تشارك في الصورة البرلمانية، إلا في جلسات قليلة

ذات مرة كتب المطران جورج خضر في مقالة له في النهار أيضاً بعنوان “الروم الأرثوذكس” قال فيها إنه “في السياسة الداخلية ليس للأرثوذكسيين موقف واحد لأنهم لا يرضون في عمقهم أنهم طائفة من الطوائف. يعرفون أنفسهم كنيسة. لذلك من المستحيل كيانيا أن يمشوا وراء زعامات أرثوذكسية. لم يكن لهم يوما زعيم ليس لأنهم منقسمون ولكنهم يحترمون الخيار السياسيّ لكل مؤمن بينهم باعتبار أن هذا الخيار لا يمسّ الحياة الأبدية”.

أما نايلة لم تكن تبحث عن أي زعامة، فرغم أن انضمامها إلى النهار كان في العام 2003، أي وهي لا تزال على مقاعد الدراسة الجامعية، إلا أن عملها في قسم التربية والشباب ناسبها جداً، إذ أن والدها كان قد أطلق ملحق “نهار الشباب” في العام 1993 والذي توقف عن الصدور في العام 2001، فحاولت من خلال هذا القسم تحقيق بعض أحلامها وأحلام والدها ونجحت في إطلاق ما أسمته “حكومة الظل الشبابية”، قبل أن تعيد هي إحياء الملحق كما كان يصدر على أيام أبيها.

غير أن خبراتها التي بدأت تتكون صحافيا، وصلت إلى حاجز لم تكن لتختاره بنفسها، حيث أنّ القدر كان بالمرصاد لوالدها الذي سقط قتيلاً بالرصاصات نفسها التي أودت من قبله بكل قيادات فريق الرابع عشر من آذار المناهض للنظام السوري، وهي الفكرة التي كانت نايلة قد انخرطت فيها حتى أذنيها إيماناً منها بحرية وسيادة واستقلال لبنان.

كانت نايلة قد بدأت تكتسب من والدها وجدها ما يؤهلها لأن تسلك طريق مهنة المتاعب بسهولة لم تتوفر لغيرها من بنات جيلها، وبصفتها الابنة البكر، كان مقدّراً لها في يوم لم تتخيّله قريبا إلى هذا الحد، أن تكون خليفته على رأس صحيفة النهار التي أسسها جد والدها جبران، وكانت قبلة الصحافة المحلية والعربية، إلى أن بدأت العواصف تهبّ عليها كما على غيرها من الصحف اللبنانية نتيجة أزمات مالية تسبب بها تراجع حجم سوق الإعلان.

حكمة الجد ومقعد الروم

غير أن الجد الحكيم الذي اختبر المصائب الشخصية الواحدة تلو الأخرى، كان خير سند للشابة التي أدركت فجأة أنها أصبحت أمام مسؤولية استمرار النهار. فغسان تويني الذي أشرف على مانشيت النهار صبيحة اليوم التالي لاغتيال جبران بعنوان “جبران لم يمت والنهار مستمرة”، فقد ابنته نايلة وهي في سن السابعة إثر إصابتها بمرض خبيث، ثم فقد زوجته ناديا بعد ذلك بأربع سنوات وللسبب نفسه، قبل أن يخسر ابنه الأصغر مكرم في حادث سيارة في العاصمة الفرنسية باريس، ثم كانت خاتمة مصائبه اغتيال جبران.

المسيحية الأرثوذكسية اللبنانية مأزومة شأنها شأن بقية الطوائف اللبنانية وهي التي تصدر عن مدرستين منذ أن تشكل لبنان الحديث رسمياً

أشرف غسان على تهيئة نايلة لتولّي المسؤولية المباشرة في الصحيفة، وكانت في الثالثة والعشرين من عمرها، وهي سن لا تؤهّلها لشغل منصب والدها النيابي، إذ بموجب الدستور يجب على المرشح إلى مجلس النواب أن يكون في السادسة والعشرين من العمر، ولأن هول الجريمة البشعة التي أودت بجبران أوجد نوعاً من التضامن الضمني والعلني في آن بتزكية والده غسان لملء المقعد الذي شغر بوفاته. وهكذا انتخب غسان بالتزكية نائباً ليكمل ما تبقى من ولاية ابنه التي لم يكن قد مضى على شغله مقعد الروم الأرثوذكس في بيروت ستة أشهر.

غير أن تويني أرادت تخليد اسم والدها فعملت على تنظيم جائزة جبران تويني الصحافية السنوية بالتعاون مع الاتحاد العالمي للصحف الذي كان جبران عضواً في مجلس إدارته. وقد لاقت هذه الجائزة السنوية رواجاً كبيراً لما تحمله في طياتها من معنى مرتبط بالتوق إلى الحرية وارتباطها باسم جبران تويني الذي غدا شهيد الحرية والكلمة الحرة.

ومع تقدّم جدها غسان بالعمر، شعر فجأة بحاجة إلى نوع من الراحة من المسؤوليتين الجسيمتين الملقاتين على عاتقه؛ النيابة، والاستمرار في الإشراف على النهار. فقرر أن نايلة أًصبحت في سن تؤهلها لشغل المقعد النيابي المخصص للطائفة الأرثوذكسية في بيروت، وهكذا كان، فترشحت إلى الانتخابات النيابية وفازت بالمقعد النيابي واتجهت نحو عالم السياسة الذي لم يكن غريباً عن جوها العائلي من الفرعين.

تنحى الجد كذلك عن مسؤولياته في النهار، وانتخب مجلس إدارة الصحيفة نايلة رئيسة له، فوفّر غسان لنفسه مساحة من الراحة كان يراها ضرورية، خاصة وأن نايلة وشقيقاتها الثلاث سيصبحن في يوم من الأيام المالكات الشرعيات للصحيفة وعليهن تقع مسؤولية استمرارها أو أفول نجمها.

لم تكن المهمة سهلة على تويني، ففي عالم السياسة اللبنانية حيث الحيتان الكبرى تأكل الأسماك الصغرى، كانت هي بمثابة أصغر أنواع السمك، وهي لم تصارع لكي تأخذ لنفسها مكاناً في مجلس نيابي منتخب اقتصر عدد النساء فيه على أربع، كانت هي إحداهن والباقيات هن جيلبرت زوين، ابنة النائب الراحل موريس زوين، ستريدا جعجع، زوجة قائد القوات اللبنانية سمير جعجع، وبهية الحريري شقيقة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وعمة رئيس الحكومة سعد الحريري.

نادراً ما كنت تشاهد تويني في أورقة ساحة النجمة، باستثناء الحالات القليلة التي كان يتوجب عليها الحضور برفقة جدها لوالدتها نائب رئيس الحكومة السابق والنائب ميشال المر لإجراء استشارات حكومية، أو للتصويت. لكنها لم تقدّم أي شيء يذكر في سجلها التشريعي.

وقسا الدهر على تويني مجدداً عندما فقدت جدها غسان في يونيو 2012، سندها المباشر وراعيها، فكتبت في افتتاحية النهار تقول “هكذا قبل صياح الديك، رحلت”، مضيفة “لن أرثيك اليوم ولن أبكيك. لا عبارات لدي تفيك بعض حقك. أمامك وأنت سيد القلم، تسقط الحروف وتعجز الكلمات”.

نايلة والتنحي أمام شقيقتها

الأرثوذكسية السياسية الكبرى تنادي بأن حلفاء الأرثوذكس هم سائر المسيحيين مع جميع المؤمنين بلبنان مستقل ليبرالي منفتح على العرب والغرب معاً، وأفضل من يمثل هذه المدرسة آل تويني
الأرثوذكسية السياسية الكبرى تنادي بأن حلفاء الأرثوذكس هم سائر المسيحيين مع جميع المؤمنين بلبنان مستقل ليبرالي منفتح على العرب والغرب معاً، وأفضل من يمثل هذه المدرسة آل تويني

كانت المسؤولية كبيرة على نايلة التي كان عليها أن تمر باختبارات لم تعهدها من قبل خصوصاً في ما يتعلق بإدارة المؤسسة التي بدأت تقع تحت تأثير الأزمات المالية الخانقة، فتعثّرت وتوقفت عن تسديد رواتب موظفيها ومحرريها لفترات كانت تطول في بعض الأحيان لعدة أشهر.

 لم تنجح تويني في المحافظة على عراقة اسم النهار ولعل الأسباب وراء ذلك لا تعود مباشرة إلى سوء إدارة يمكن اتهامها به بقدر ما هي ظروف عاندتها مادياً، وسياسياً، ولم تترك بصماتها على أروقة مجلس النواب وفي ذلك تقصير مباشر منها يعود على الأرجح إلى عدم تأقلمها مع عادات وتقاليد السياسة والنيابة، رغم أنها ولدت من رحمهما، وها هي تترك اليوم المجال عن سابق تصور وتصميم، ودون أن تكون مرغمة، أمام شقيقتها الأصغر ميشيل التي تقدّمت بطلب ترشيحها إلى الانتخابات النيابية المقررة في 6 مايو المقبل.

وقد كتبت ميشيل في مقالها في النهار تقول “لقد فتح باب الترشيح للانتخابات النيابية المقبلة بعد 9 سنوات من التمديد المتكرر وحجز قرار الناخب والمواطن، والآن حان وقت الجد حان وقت اتجاه المواطن إلى صناديق الاقتراع لتغيير أمر واقع يشكو منه”.

وقد تسرب أن ميشيل المرشحة عن المقعد الأرثوذكسي في دائرة بيروت الأولى تنوي تشكيل لائحة من أبرز نواتها النائب سيرج طورسركيسيان المرشح عن المقعد الأرمني الكاثوليكي، ومرشح حزب الوطنيين الأحرار عن مقعد الأقليات رفيق بازرجي. وستخوض اللائحة غمار الاستحقاق الانتخابي بتحالفها مع المجتمع المدني، بحيث ستضم إليها وجوه سياسية ذات طابع مدني.

ويبدو أن هذه الشقيقة المندفعة تختلف جذرياً عن نايلة. فمنذ العام 2012 أخذت تكتب مقالات فيها شكل من أشكال التذكير بالثأر السياسي لمقتل والدها. مستذكرة اغتيالات أخرى طالت المسيحيين، سيما بيار الجميل الذي خاطبته بمقال عنوانه “عذرا بيار” كتبت فيه “أذكر أنه في أربعين والدي قبل أعوام، رأيت الوزير بيار الجميّل يحدق طيلة القداس بشقيقتيّ الصغيرتين ناديا وغابرييلا، ولم يفارقهما نظره بعينين دامعتين. ثم قبل نهاية القداس، رأيته يخرج مسرعاً، يمسح دموعه خلسة عن الجموع”. وأضافت “فليعذرنا هؤلاء، لأننا لا نريد أن ننسى، ولأننا نعتبر أن أقل واجباتنا أن نتذكر شهداءنا في كل لحظة ومناسبة”.

أخيراً فإن المسيحية الأرثوذكسية اللبنانية مأزومة شأنها شأن بقية الطوائف اللبنانية وهي التي تصدر عن مدرستين منذ أن تشكل لبنان الحديث رسمياً، حين شعر قسم من الأرثوذكس بأن المنافس الحقيقي لهم هم الموارنة الكاثوليك في الدرجة الأولى، ويأتي تاليا سائر المسيحيين. أما المدرسة الثانية والتي تمثّل الأكثرية، فهي تلك التي تنادي بأن حلفاء الأرثوذكس هم سائر المسيحيين ومعهم جميع المؤمنين بلبنان المستقل والليبرالي المنفتح على العالم العربي وعلى الغرب في الوقت نفسه، وأفضل من يمثل هذه المدرسة آل تويني ذاتهم. فهل يستمرون في حفظ هذه المبادئ من خلال الأجيال الجديدة التي آلت إليها زعامة الأسرة، بعد أن بدا واضحاً أن الوريثة الأولى، نايلة، ابتعدت خشية أن تلاقي مصير والدها ذات يوم؟

12