نباتيون بيننا.. تغيّر أعمق من عادات غذائية

التمييز ضد النباتيين في المجتمعات العربية انعكاس لتغلغل الثقافة الذكورية.
السبت 2020/10/24
ممارسات غذائية تعكس ثقافة الذكورة

تتزايد في الآونة الأخيرة ظاهرة الاستغناء عن المواد الحيوانية في النظام الغذائي أو ما يطلق عليها “النباتية”، فهل هي موضة جديدة أم قرار أخلاقي واعٍ للحفاظ على الثروة الحيوانية؟

القاهرة -  “لا تفارق مخيّلتي صور تظهر قسوة على الحيوانات لا يحرك لها أحد ساكنا.. كان الأطفال في حيّنا يلعبون بالعصافير والقطط والكلاب المولودة حديثا، يعذبونها ويقتلونها بالخطأ. كان نفس الأطفال يتجمعون حول الجزار ليشاهدوه وهو يذبح الخروف أو البقرة” تقول هناء (35 عاما) التي كانت تقطن في طفولتها في أحد الأحياء الشعبية في القاهرة قبل أن تغادر إلى العاصمة الألمانية برلين أين تعيش مع زوجها وطفليها. وتتساءل “هل هذا من المفترض أن يكون منظر الذبح بهيجا ليشاهده الأطفال، ما هذه القسوة الغريبة التي أحلّت بنا تجاه مخلوقات الله؟”.

وتعتمد هناء على النظام الغذائي النباتي منذ 20 عاما تقريبا. وتؤكد أنها تشارك كل عام في فعاليات اليوم العالمي النباتي بتقديم وصفات.

موضة أم قناعة

موروث نباتي في غالبيته
موروث نباتي في غالبيته

يعد الأول من نوفمبر أحد الاحتفالات السنوية التي يهتم بها العازفون وذلك بتناول اللحوم والأسماك، وهم الذين يطلق عليهم “النباتيون”، وقد تم الاحتفال بهذا الحدث للمرة الأولى عام 1994 من قبل المغنية والناشطة في مجال حقوق الحيوان في المملكة البريطانية واليس لويز، والتي أصبحت في ما بعد رئيسة جمعية النباتيين في المملكة المتحدة.

وفي تطور طبيعي، أصبح اليوم العالمي النباتي أكثر انتشارا وأصبح العالم يحتفل به أكثر، حيث انتشر الاحتفال به في أماكن العمل والمحلات التجارية والمطاعم والمنازل في جميع أنحاء العالم. وتشهد فعاليات هذا اليوم تشجيع الناس على مشاركة وصفات نباتية، أو حتى نصائح حول كيفية تكييف أطباق اللحوم لكي تكون نباتية.

و”النباتية” نظام غذائي يعتمد على الفواكه والخضراوات والحبوب الكاملة والبقوليات دون أكل اللحوم.

وينقسم النباتيون إلى عدة أقسام؛ أكثرها شيوعا قسمان رئيسيان: الأول “الفيجيتريان” (Végétarien)، وهم الذين يمتنعون عن اللحوم فقط لكنهم يتناولون الأسماك والمنتجات الحيوانية كالبيض ومشتقات الألبان. أما القسم الثاني فيخص النباتية المتشددة، ويطلق عليه “الفيغن” (Vegan)، وهؤلاء يعتمدون على النباتات فقط ولا يأكلون أي شيء من الحيوانات أو الألبان ومشتقاتها.

وبالإضافة إلى قسمين فرعيين آخرين، هما: الحمية الغذائية النباتية كنظام غذائي يعتمد على النباتات. والحمية الغذائية الخام، وتعني تناول الخضراوات والفواكه النيئة فقط.

وأعلن ناشطون حقوقيون أنّ مئات الآلاف من الأشخاص سيتخلّون عن تناول اللحوم ليصبحوا نباتيين (فيغن) في يناير، أي الشهر الأوّل من العام ومن شأن قرارهم أن يبقى نافذا طيلة السنة.

وأظهرت دراسة، أجريت بالتعاون مع حملة “فيغانواري” التي تهدف إلى تشجيع الأشخاص للتحوّل إلى نباتيين في بداية العام، أنّ أكثر من 800 ألف شخص أقلعوا عن تناول المنتجات الحيوانية للمرة الأولى عام 2019.

المدن الكبرى أصبحت تسوق نفسها سياحيا عبر انتشار المطاعم التي تقدم وجبات الزوار النباتيين من مختلف أنحاء العالم

ويتحول البعض إلى النظام الغذائي النباتي لأسباب تتعلق بتخفيف معاناة الحيوان، لكن أهم الأسباب قد تكون الرغبة في الصحة الجيّدة.

كما توجد لدى شريحة من النباتيين دوافع بيئية أيضا، بقصد المساهمة في الحفاظ على البيئة بخفض مستوى انبعاثات الكربون والغازات السامة في الهواء؛ حيث تشير الدلائل إلى تأثر المناخ بخيارات السكان الغذائية، فما تنتجه عائلة واحدة من غازات سامة بسبب شي اللحوم، ربما يكون أكثر من عادم سيارتين، لذا فإن التخلي عن استهلاك اللحوم قد يخفض انبعاثات الغازات بنسبة 60 في المئة تقريبا.

وبالرغم من أنه لا توجد إحصائية أو دراسة توثق عدد النباتيين في العالم أو في الدول العربية، كون ذلك أمرا ذاتيا وعادة غذائية فردية غالبا غير معلنة، إلا أن النباتيين يعانون بصفة عامة كثيرا من المصاعب في المجتمعات العربية أين تعتبر اللحوم من المكونات العامة في أغلب الأطباق الغذائية اليومية. وحتى أنهم لا يجدون مطاعم خاصة بالأكلات النباتية فيضطرون فقط إلى أكل بعض أنواع السلطة وبعض الخبز. كما يخيّر غالبية النباتيين في المجتمعات العربية عدم الإفصاح عن الأمر لتجنب استهزاء الناس وسخريتهم منهم، لكنهم موجودون في كل أنحاء العالم.

وفي الشرق الأوسط يحتفل الجميع بموروث غذائي يتم تناقله من جيل إلى آخر. ويسعى النباتيون بعكس هذه التساؤلات إلى نظامهم الغذائي ويعملون على خلق انسجام بين معتقداتهم وغذائهم. ولتحقيق هذه المعادلة، يسعى بعض النباتيين العرب إلى التجريب والابتكار وإيجاد مساحة لهم ضمن موروثهم من الوصفات التقليدية التي كبروا على نكهاتها ودفئها.

ويعتبر الأمر صعبا جدا في البيئات الصحراوية مثلا أين يقوم النظام الغذائي أساسا على المنتجات الحيوانية.

عادات غذائية جديدة
عادات غذائية جديدة

وبحسب نسرين، فإن موروث منطقة الشام هو نباتي في غالبيته، وتمت إضافة اللحوم للعديد من الوصفات في العقود الأخيرة. فعند تحولها إلى نباتية لم تجد صعوبة في إزالة اللحوم من بعض الوصفات، والعودة إلى الوصفات الأصلية. وتضيف “حتى الوصفات التي تطبخ باللحوم فيها نسخة ثانية نباتية كورق العنب مثلا، فهناك نسخة بالشحم واللحم والدهن ونسخة أخرى تسمى اليالنغي.. هذه حصرا خضرة”.

وفي الأردن يعتبر من السهل جدا العثور على المطاعم النباتية والتي تتميز بأطباق المازة ومن بينها التبولة والحمص والفلافل والخبز العربي.

وتؤكد الباحثة في دراسات الذكورة راين كولينز، أن الممارسات الغذائية التي تشجع على استهلاك اللحوم بشكل كبير، هي انعكاس لثقافة الذكورة السامة. وتعزز الثقافة المجتمعية ثقافة الذكورة السامة المؤذية للنساء والرجال والبيئة على حد سواء. وهذه الثقافة تتسم بتعزيز سيطرة الذكور وتطبّع للعنف وكبت العواطف والتملك، كصفات ترتبط بالذكورة المسيطرة.

وتبيّن الدراسات مجموعة من الحقائق الصادمة التي تعكس أثر الذكورة السامة على الذكور وممارساتهم الغذائية، حيث يستهلك الرجال اللحوم بنسبة 57 في المئة أكثر من النساء، ونجد أن 37 في المئة من النباتيين هم من الذكور بينما 63 في المئة هم من النساء.

وفي استطلاع أجرته جامعة ساوثهامبتون، أعرب الرجال الذين كانوا منفتحين على النباتيين، أو كانوا يأكلون بنشاط حمية نباتية في المنزل عن عدم ارتياحهم للقيام بذلك في الأماكن العامة بسبب الضغوط الاجتماعية.

وفي ظل هذا التطور، تحولت الوجبات النباتية إلى صيحة جديدة يتّبعها الملايين؛ ففي الولايات المتحدة الأميركية زادت نسبة النباتيين 600 في المئة في ثلاث سنوات، وفي بريطانيا أصبح النباتيون 7 في المئة من السكان، أما في ألمانيا فبلغ عددهم 800 ألف نباتي، وفي ازدياد مستمر، ويشمل هذا الانتشار دولا مثل: كندا، وأستراليا، ونيوزلندا، وصولا إلى الهند التي تعد دولة النباتيين حيث تصل نسبتهم إلى 27 في المئة، حسب مجلة فوربس.

عادة عدم أكل اللحم تتجاوز الخيارات الغذائية البسيطة لتؤثر على العديد من المتغيرات النفسية والاجتماعية

كما أصبحت المدن الكبرى تسوق نفسها سياحيا عبر انتشار المطاعم التي تقدم وجبات الزوار النباتيين من مختلف أنحاء العالم.

وفي لندن، التي تحتل المركز الأول عالميا في توافر الطعام النباتي في المطاعم والكافيتيريات وعربات الشوارع، يتم تنظيم مهرجانات وأسواق للأطعمة النباتية على مدار العام، وفي برلين يوجد شارع شيفيلباينر المخصص للأطعمة النباتية.

وفي نيويورك، وكذلك بقية المدن الأميركية الكبرى، تنتشر المطاعم التي توفر البرغر النباتي وبدائل البيتزا النباتية. وفي العاصمة البولندية وارسو لا يبعد الزائر سوى ميل واحد عن أقرب مطعم نباتي، كما تتنافس المطاعم اللبنانية والتركية هناك على تقديم الكباب النباتي والفلافل.

وفي كندا، تتميّز مدينة تورونتو بالأكلات النباتية التي توفرها عدة مطاعم، وفي العاصمة التشيكية براغ تتنوع المأكولات النباتية التي تجعلها مدينة جاذبة للسياحة النباتية. أما باريس التي يعتمد مطعمها التقليدي على اللحوم والأسماك، فقد انضمت إلى المدن العالمية التي تجذب السياح النباتيين.

ورغم ذلك كشفت دراسة عن العادات الغذائية الأميركية عن أن 87 في المئة ممّن يقررون التحول إلى نباتيين يعودون إلى تناول اللحم من جديد لأسباب عديدة، ومنها: اعتياد طعم اللحم، كونه مرتبطا بعادات الإنسان وذاكرته القويّة تجاه ما يتناوله من أطعمة ونكهات. وعدم العثور على طعم مماثل في الأكلات النباتية مهما تشابهت نكهتها مع الوجبات المعدة من اللحم. وبالإضافة إلى عدم منح الجسد ما يطلبه من غذاء، ففي الكثير من الأحيان يعطي الجسد إشارات بحاجته إلى تناول طعام غني بالدهون، ويكون من المستحيل تعويضها بآخر نباتي لأن الانتقال إلى النباتية يسبب صدمة للجسم ونقصا في السعرات الحرارية. وأخيرا، ارتفاع التكلفة بسبب مغالاة مطاعم المنتجات النباتية في الأسعار، ففاكهة الفطر الأخضر في النظام النباتي يتجاوز ثمن الـ100 غرام منها عشرة دولارات، وهو مبلغ يشتري وجبة لشخصين من مطعم للوجبات السريعة.

أكثر دعما للمجتمع

السمك بديل جيد عن اللحم
السمك بديل جيد عن اللحم

تتجاوز عادة عدم أكل اللحم الخيارات الغذائية البسيطة لتؤثر على العديد من المتغيرات النفسية مثل القيم والمعتقدات وكذلك الرفاه. وكشفت دراسة جديدة نُشرت في مجلة “كورينت أوبينيون إن فود ساينس” العديد من النتائج النفسية الحديثة الناجمة عن كونك نباتيا. وفي ما يلي، أهم النتائج التي توصل إليها الباحثون حول العوامل النفسية المرتبطة بالنباتية.

وأوضحت المجلة أن النباتيين هم أكثر دعما للمجتمع من الناس الذين يتناولون اللحوم، إذ أنهم من حماة البيئة ويدافعون عن المساواة الاجتماعية بدرجة أعلى من الأشخاص الذين يتناولون اللحوم.

كما أن هذه المجموعة تظهر معارضة أكثر للتسلسل الهرمي وعقوبة الإعدام والعنف بشكل عام.

وأكدت دراسات أن النباتيين الذكور أكثر تأكيدا على المعاناة البشرية من الرجال الذين يتناولون اللحوم، ولكن لا يوجد فرق بين الإناث النباتيات وغير النباتيات. وأفادت أن النباتيين عادة ما يكونون ليبراليين.

لكن دراسات تفيد بأن النباتيين لديهم احترام أقل للنفس، وتعديل نفسي أقل، ومعنى أقل للحياة، ومزاج أكثر سلبية من الأشخاص الذين يتناولون اللحوم. كما يتمتع النباتيون بفرصة أكبر للإصابة بالاكتئاب والقلق واضطرابات جسدية الشكل مقارنة بالأشخاص الذين يتناولون اللحوم. ومع ذلك، أظهرت نتائج دراسة أن الكثير من الناس أصبحوا نباتيين بعد تشخيص إصابتهم باضطراب عقلي.

وبالتالي، لا يبدو أن هناك علاقة سببية بين النباتية ومشاكل الصحة العقلية. بدلا من ذلك، يميل بعض الناس لأن يصبحوا نباتيين بعد مشاكل الصحة العقلية المتقدمة، ربما لأنهم يريدون أن يعيشوا حياة صحية أكثر.

وأشارت المجلة إلى أن هذه النتائج تبدو غير بديهية إلى حد ما للوهلة الأولى. يُظهر النباتيون بوضوح توجها قويا مؤيدا للمجتمع مقارنة بالأشخاص الذين يتناولون اللحوم، فلماذا يبدون انخفاضا في الرفاه النفسي؟ أليس من المتوقع أن يكون الأشخاص الذين يهتمون بالكائنات الأخرى أكثر من غيرهم هم الأثر سعادة؟

في الواقع، قدمت مجلة “كورينت أوبينيون إن فود ساينس” تفسيرا مثيرا للاهتمام لهذا النمط غير المتوقع إلى حد ما من النتائج، إذ تؤكد أن انخفاض الرفاهية النفسية للنباتيين ليس مرتبطا بنظامهم الغذائي، ولكن بوضعهم كأقلية اجتماعية.

وغالبا ما تعاني الأقليات الاجتماعية من انخفاض الرفاهية النفسية مقارنة بالأغلبية لأنهم يواجهون التمييز، مثل النكات التي يقصّها آكلو اللحوم عن النباتيين أو ما هو أسوأ.

20