نبوءة انقلاب بوتفليقة على من استقدمه من المنفى إلى المرادية تتحقق

الأحد 2014/10/12
بوتفليقة ورجاله يحثون الخطى لتركيع المؤسسة العسكرية وجهاز الاستخبارات

الجزائر- تحاول المؤسسة العسكرية في الجزائر النأي بنفسها عن الدور الذي اضطلعت به منذ الاستقلال الوطني في 1962 إلى غاية 1999، وهو التدخل في العملية السياسية وفرض رؤساء على قصر المرادية.

والسؤال المطروح هنا، عن الأسباب الكامنة خلف تبني المؤسسة العسكرية اليوم لخيار الحياد، فهل ذلك يعود إلى ضغط تراكمات سنوات الأزمة الدامية ومقتضيات أدوار وأدبيات العسكر في العالم، أم تحت ضغط زحزحة مقصودة تريد إنهاء عصر هيمنة العسكر الجزائري في تعيين الرؤساء لصالح المدنيين؟

تعود أولى اتصالات المؤسسة العسكرية في الجزائر مع الرئيس الحالي، عبدالعزيز بوتفليقة، إلى العام 1994، في ذروة الأزمة السياسية والأمنية، ولم يرض الرجل حينها بعرض المؤسسة العسكرية، لأن الهامش الذي وضع له آنذاك لم يقنعه ولم يرحه، وهو الشخصية النرجسية الطموحة، لفرض مشروعه وترك بصماته في البلاد التي غادرها شبه مطرود، بعد رحيل الرئيس هواري بومدين في أواخر العام 1978.

وفي العام 1999 وتحت ضغط الإنهاك والتهم والملاحقات التي لوّحت بها بعض الهيئات والمؤسسات الحقوقية الدولية، ضد بعض الضباط والقيادات المتهمة من بعض الإسلاميين الجزائريين “بالضلوع في جرائم ضد الإنسانية وارتكاب مجازر جماعية”، رضخت المؤسسة لطلبات بوتفليقة لمسك مقاليد المرادية، وحماية رموزها من المتابعة والإزعاجات الدولية.

وحتى في ظل تلك الظروف لم يكن بوتفليقة محل إجماع لدى أركان المؤسسة العسكرية، حيث تذكر مصادر مطلعة أن بعض القيادات كانت متحفظة آنذاك على الخيار، بناء على معرفتها بشخصية بوتفليقة وتأكدها من انقلابه في يوما ما على الذين أعادوه من المنفى الاختياري إلى قصر المرادية.

وحتى سياسيون من الرعيل الأول، على غرار الرئيس الراحل، علي كافي، ورئيس مجلس الأمة السابق، بشير بومعزة، كانوا معارضين لاستقدام بوتفليقة، وتتحدث شهادات عن أن بومعزة دخل في خلاف مع بوتفليقة منذ البداية، ودفع ثمن ذلك بأن وقعت إزاحته من منصب الرجل الثاني في الدولة، لصالح محمد الشريف مساعدية.

ومع طول فترة حكم بوتفليقة صدقت توقعات هؤلاء، لأن بوتفليقة كان الرئيس الوحيد الذي انتقد في سنواته الأولى وعلى الملأ ما يعرف في الجزائر بـ”الجنرالات”، واتهمهم بالهيمنة على كل شيء واصفا إياهم بـ”القطط السمان”.

وكانت تلك أولى مؤشرات تمرد الرجل على سلطة الخفاء التي نصّبته ونصّبت أسلافه في قصر المرادية، وظلت علاقته متوترة معها، لا سيما خلال عهدته الثانية، لمّا عارضه حينها كبار الضباط والألوية في المؤسسة.

وقضى بوتفليقة سنوات حكمه الأولى في ترتيب أوراق هيئة أركان الجيش، وتمكن من سحب البساط من خصومه، كالفريق الراحل، محمد العماري.. وغيره، إلى غاية أن ضمن ولاءها.

وجاءت قرارات تطويق جهاز الاستخبارات، جريئة ومفاجئة، لم يقدم على تنفيذها وهو في كامل قواه البدنية والصحية، واتخذها وهو مقعد على كرسي متحرك مباشرة بعد عودته من رحلة العلاج بفرنسا في صيف 2013، الأمر الذي أثار شكوكا ونقاط استفهام حول المقرر الفعلي في قصر الرئاسة، إن كان الرئيس نفسه أم هناك من اتخذ القرارات بالنيابة عنه؟

واعتبر المراقبون أن التغييرات الجذرية التي طالت جهاز الاستخبارات، الذي ظل يزعج جناح الرئاسة باستقلاليته وبتغلغله في مؤسسات الدولة، هي آخر المعارك التي خاضها الرئيس ضد خصومه، بما أن الجهاز يعد القلعة الوحيدة التي ظلت عصية على الترويض، بل أبدت قدرات فائقة على إسقاط رجالات الرئيس، بدءا بوزير الداخلية الأسبق، يزيد زرهوني، ووزير النفط الفار، شكيب خليل، وكشف ملفات الفساد للرأي العام، التي ضلع فيها محيط الرئيس والمقربون منه.

ولم يتوقف مخطط بوتفليقة لترويض جهاز الاستخبارات، عند قرارات التنحية والمهام والصلاحيات والهيكلة، بل تعداه إلى هجوم سياسي شنه بالنيابة عن جناح الرئاسة، الرجل الأول في الحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني)، عمار سعداني، الذي فتح النار مباشرة، على الرجل الأول في جهاز الاستخبارات، الفريق محمد مدين (توفيق)، في سبتمبر 2013، متهما إياه بـ”الانحراف عن أداء مهامه الرسمية، والتفرغ لزعزعة الأحزاب السياسية، والتحكم في الإعلام والمجتمع المدني”، ودعا إلى ما أسماه بـ”تمدين الحياة السياسية والدولة بشكل عام، وإلى رفع الاستخبارات يدها عن الأحزاب والجمعيات والنقابات والإعلام”.

وتأكد للمراقبين حينها، أن سعداني لا يملك الجرأة والشجاعة الأدبية ليتجرأ على توجيه خطابه للرجل “الشبح”، لو لم يوعز له باستكمال مشروع تفكيك القلاع المزعجة لجناح الرئاسة، الذي استطاع تمرير العهدة الرابعة لبوتفليقة، ويتجه لبسط هيمنته على كل المؤسسات ومراكز القوى، بما فيها المؤسسة العسكرية، وجهاز الاستخبارات على وجه التحديد، لتنتهي بذلك أسطورة “العسكر الذي يعين الرؤساء في الجزائر”.

ويرى المراقبون أن انقلاب موازين القوى يعود إلى شهور خلت، وإلى ما قبل الانتخابات الرئاسية التي جرت في 17 أبريل.

2