نبوغ الهدهد

ربما تشكل ظروف ولادة الفنان معتز نعيم في مخيم اليرموك وانتقاله إلى مدينة غزة ما وهب لوحة "الهدهد" هذا الزخم.
الجمعة 2019/02/22
تجسيد لفقرة مفصلية من قصيدة محمود درويش

سنة 2008 وبمناسبة الذكرى الستین لاحتلال فلسطین وإقامة الكیان الصهیوني علیها، اتخذ الاحتلال الإسرائيلي طائر الهدهد رمزا لیهود فلسطین المحتلة. أقل ما يُمكن قوله هنا أن هذا القرار لم يكن إلاّ مُنسجما مع مطلقيه المعتادين على التزوير.

ذكر د. كمال علاونة في نص طويل أن أسباب اختيار الهدهد هي عديدة وشرع إلى ذكرها بالتفصيل في نص له.

اعتبر علاونة أن “هذا التزویر والربط الدیني التاریخي والهمجي الاستعلائي مثبت تاریخیا وجغرافیا وقانونیا ببطلان علاقة هؤلاء الیهود الصهاینة ببني سلیمان وداود علیهما السلام.. اللذين ترعرعا فلسطينيين في أرض فلسطین المقدسة”.

ومن ناحية ثانية وغير يتيمة جهدت الأعمال الفنية من حيث تدري أو لا تدري في تكريس “هوية” الهدهد الحقيقية، وإن اجتهد الكيان الإسرائيلي في طباعة الملايين من الهداهد على طوابعه البريدية الرسمية.

وتتوقد في هذا المجال، وعلى سبيل المثال، قصيدة ولوحة. القصيدة هي لمحمود درويش بعنوان “الهدهد”، واللوحة هي للتشكيلي الفلسطيني معتز نعيم.

يبدو الفنان معتز نعيم المولود في مخيم اليرموك في سوريا والذي يعيش اليوم في غزة في لوحة من لوحاته الأخيرة التي نشرها على صفحته الفيسبوكية، مُجسدا بصريا بليغا لفقرة مفصلية من قصيدة الشاعر محمود درويش، وذلك ليس لأنه رسم الهدهد بحساسية لافتة فحسب، فالعديد من الفنانين العرب جسدوا طائر الهدهد بجمالية عالية، إلاّ أن ما ميّز عمل الفنان أنه استطاع أن يقبض على حالة جوهرية لا زمانية/ لا مكانية في سياق قصيدة الشاعر، ليجسدها بصريا بفضاء غامض ومحيط بطائر الهدهد الراني بتوقد هيئته والمُنصت إلى صوت حضور ما غير ظاهر للعيان.

فضاء غلبه لون تراب الأرض مدموغ برقع من نور عميق وخافت، لون و”كينونة” تراب، هي ربما ما طلبته الطيور في قصيدة الشاعر من الهدهد أن يحققها لها “ذوِّبْ هنا صلْصالَنا ليشقَّ صورة هذه الأشياء نورُ”.

وتحيلنا وقفة الهدهد المُستكشفة عن بصيص ماء أو أمل، والمُنصتة في لوحة الفنان وهو على جذع شجرة غامضة إلى كلام الشاعر عن لسان الهدهد “أنا هُدْهُدٌ – قال الدليل- سأهتدي إلى النبع إن جفَّ النباتُ”.

ويقول الشاعر أيضا في هذه الفقرة، ولكن على لسان الطيور التي تحللت لتسكن بنبض ريشها المُضيء مسمات اللون البني في لوحة الفنان “تَعِبْنَا من بياض العشق واشتقنا إلى أمّ ويابسةٍ وأَبْ/ طيروا كي تطيروا نحن عُشَّاقٌ وحسبْ/ قلنا، وقد مِتناً مراراً وانتشيْنَا: نحن عُشَّاقٌ وحسبْ/ منفىً هي الأشواقُ..”.

وتضيف الطيور على لسان الشاعر موجهة كلامها إلى الهدهد “كم قلنا لأشجار المكان تجرَّدي من زينَةِ الغزوات كي نجد المكان/ واللامكانُ هو المكانُ وقد نأى في الروح عن تاريخهِ/ منفىً هِيَ الروحُ التي تنأى بنا عن أرضنا نحو الحبيبْ/ منفى هي الأرضُ التي تنأى بنا عن روحنا نحو الغريبْ/ وإلى متى سنطير؟ قال الهدهدُ السكرانُ: غايتُنَا المدى/ قلنا: وماذا خلْفَه؟ قال المدى خلفَ المدى خلف المدى..”.

لا محدودية الفضاء والمكان التي غالبا ما تُجسد بصريا في اللوحات بألوان باهتة جدا أو بأسود حالك، برع الفنان معتز نعيم في أن يجسدها في ألوان ترابية غير مشيرة إلى الثبات أو إلى وضوح المكان، بل إلى اللامكان وما تتحمله هذه الكلمة من أفكار إيجابية تتعلق بانفتاح الأفق ومعان سلبية تنكأ جراح الشتات والتهجير والتنقل المتواصل.

كما نجح في أن يجسد بصريا من خلال خلفية لوحته اللحظة القدرية و”مهلة” المهاودة والمراوحة الفاصلة ما بين طيران الطيور وعودتها إلى الطيران.

ربما تشكل ظروف ولادة الفنان معتز نعيم في مخيم اليرموك وانتقاله إلى مدينة غزة ما وهب لوحة “الهدهد” هذا الزخم، لوحة تجدد صدى تشكيليا مدويا لها في لوحة أخرى للفنان: خيال فتى يطلق حجارة تجاه برجَ مراقبةٍ عسكري، كما تُطلق كلمة من مُنقار هدهد نابغ جاءت بخبر اليقين إلى أهل الأرض وطيورها.

17