نبيذ الفراعنة يحسن نكهته لإغراء المصريين والسياح

بعد أن كان للفراعنة السبق في صنع النبيذ واحتسائه نظرا لاكتشاف فوائده الصحية منذ الآلاف من السنين، يكابد مصريون اليوم لتحديث هذه المهنة واسترجاع جزء من تقاليد أهملت منذ القرن التاسع عشر رغم صعوبة تسويق المشروبات الكحولية في بلد أغلبية سكانه مسلمة.
الاثنين 2016/08/08
عنب يحصد من الصحراء لمشروب بنكهة خاصة

القاهرة – تحت شمس حارقة، يقوم رجال ونساء يغطون جميعا رؤوسهم بأوشحة بجمع عناقيد الكروم التي تستخدم في صنع “نبيذ الفراعنة”، في حين تسعى هذه الصناعة المصرية إلى إثبات نفسها في بلد غالبية سكانه من المسلمين المتدينين.

ويقول لبيب كلاس مدير الإنتاج في شركة “كروم النيل” وهي واحدة من شركتين تصنعان النبيذ في أكبر بلد عربي، “لقد حققنا إنجازا جيدا مع النبيذ المصري”.

ويقول الخبراء إنه يمكن الآن في مصر تذوق بعض الأنواع من النبيذ الأبيض “الحسن والطازج” بعد عقود من إنتاج الشركة الحكومية الوحيدة المصنعة للنبيذ أنواعا تثير استياء الأجانب والمصريين على حد سواء.

والمطاعم الفاخرة في القاهرة ليس أمامها خيار إلا أن تقدم لزبائنها نبيذا مصريا، إذ تبلغ الرسوم الجمركية على النبيذ 3000 بالمئة ما يجعل استيراده غير ممكن عمليا.

في أواخر شهر يوليو، أشرف كلاس على حصاد الكروم المزروعة فوق 170 هكتارا من الأراضي الصحراوية المستصلحة شمال القاهرة.

ومنذ أوائل العقد الماضي، تخوض شركتا “كروم النيل” و”جناكليس”، وهما الوحيدتان اللتان تنتجان نبيذا في البلاد، رهانا صعبا وهو إحياء زراعة الكروم المستخدمة في صناعة النبيذ باستيراد شتلات من فرنسا وإيطاليا وكذلك من أسبانيا.

وعن الهدف من إحياء زراعة الكروم، يجيب القائمون على الشركتين أن الفراعنة كانوا يقومون بها قبل ثلاثة آلاف عام ثم تطورت في ظل الاحتلال البريطاني لمصر قبل أن يتم إهمالها عقب إطاحة الملكية عام 1952.

اليوم، تطرح الشركتان في السوق نحو 10 أنواع من النبيذ الأبيض والأحمر والروزيه. وفي مزارع “جناكليس” الواقعة قرب بلدة أبوالمطامير على بعد 170 كيلومترا شمال غرب القاهرة، يقول الخبير الفرنسي في تصنيع الخمور سيباستيان بودرو “لقد زرعنا الكثير من الكروم وأولينا اهتماما كبيرا بالنوعية”.

واشترت هاينكن شركة “جناكليس” في العام 2002، ولكن التحديات كثيرة. فينبغي التعامل مع درجات الحرارة شديدة الارتفاع وتعويض النقص شبه الكامل للأمطار بنظم ري متطورة. ويؤكد بودرو الذي يشرف على 230 هكتارا من المزارع أنه “عندما تبلغ الحرارة 50 درجة فإن الشجرة لا تسعى إلا لشيء واحد هو البقاء، ولا تنتج السكر أو المواد العطرية”.

يبدو أن هذه الجهود آتت ثمارها بما أن بعض أنواع النبيذ المصري التي تم الاحتفاء بها دوليا “جيدة من حيث النوعية وطيبة المذاق وطازجة”، وفق جان بابتيست أنسيلو مؤسس مشروع “واين اكسبلوريرز” الذي يقوم بأول إحصاء عالمي للدول المنتجة للنبيذ. ويتابع أنسيلو الذي زار شركة “جناكليس” في العام 2014 “ليس بالضرورة نبيذا من نوعية فاخرة ولكنه نبيذ ممتع”.

ولدى شركة “كروم النيل”، فإن أفضل الأنواع هو نبيذ “بوسولاي” الأبيض الوحيد المصنوع من نوعية من الكروم المصرية 100 بالمئة وهو “العنب البناتي” والذي حصل على ميدالية فضية في العام 2016 في المسابقة الدولية في بروكسل.

وتنتج الشركة سنويا أكثر من مليوني لتر وتعبىء ما بين 700 ألف و800 ألف زجاجة للاستهلاك الفردي والباقي، أكثر من الثلثين، يوزع على الفنادق.

ولكن مع غياب السياح بشكل شبه تام عن مصر التي شهدت على مدى السنوات الخمس الماضية انتفاضات شعبية وقمعا دمويا واعتداءات جهادية، لم يعد بوسع صناعة النبيذ تحمل هذه الهزات.

ويقول شاكر نوال وهو مسؤول تسويق إن “السياحة تستوعب 70 بالمئة من الإنتاج وإذا لم يعد السياح يجب أن نفكر في التصدير”. ولكن يصعب على هذه الصناعة الصغيرة ان تنافس الأوزان الثقيلة في سوق النبيذ سواء الشركات الغربية أو حتى الإقليمية مثل الشركات اللبنانية التي تنتح 8 ملايين زجاجة سنويا وتصدر ثلث هذه الكمية.

ويقول كلاس وهو لبناني مقيم في مصر “سيظل النبيذ المصري نبيذا للفضوليين، ليس علينا أن نحلم. فلكي يطلب باريسي زجاجة نبيذ مصرية بدلا من النبيذ الفرنسي أو الأسباني ينبغي أن يكون بحق فضوليا”.

أما سفير هولندا في مصر جيرار ستيه فيقول وهو جالس على النيل مع أصدقائه وفي يده كأس نبيذ من نوع “عمر الخيام”، “عندما وصلنا إلى القاهرة قيل لنا إن هناك نبيذا يتسبب بصداع وآخر لا بأس به”. ويتابع “اليوم لا يزال هناك نبيذ يسبب وجع الرأس ولكن يوجد أيضا نبيذ مصري جيد فالإنتاج يتحسن”.

24