نبيلة مكرم "أم المصريين" المقيمين في الخارج

الأحد 2016/01/03
مسيحية باسمة اختيرت لتكون همزة الوصل

القاهرة - خلعت عباءة الدبلوماسية، لتتولى مسؤولية 11 مليون مصري يعيشون بالخارج، بعضهم غاب عن بلده منذ عشرات السنين وفضّل البقاء خارجها، إضافة إلى دورها في التصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية، التي تزهق أرواح المئات من الشباب سنويًا، وهم يبحثون عن حياة كريمة خارج حدود الوطن.

نبيلة مكرم عبدالشهيد، وزيرة الهجرة والمصريين بالخارج، تعرف وسط موظفيها بأنها المرأة المبتسمة دائمًا، والتي اختارها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لتكون همزة الوصل بين الدولة وطيورها المهاجرة إلى الخارج، من خلال وزارة كانت قد ألغيت منذ 20 عامًا، وأعادها بعد شعوره بأن العلاقة بين مصر وأبنائها في باقي الدول تحتاج لمن يديرها بشكل يبقي على تواصل المهاجرين مع وطنهم بأفراحه وأتراحه.

"بعبع" الخارجية

عمرها لا يتجاوز 45 عامًا لكنها تعتبر نفسها “أمّ المصريين” المقيمين في الخارج، وهذه القناعة انعكست في تعاملها معهم، فإذا أضير أيّ منهم أو أصيب بمكروه تعتبر نفسها مسؤولة عنه، فهي كما قالت تتعامل مع كل مصري مغترب بمشاعرها كأمّ، لديها من الأحاسيس المرهفة واللهفة الطبيعية التي تتمتع بها الأمهات ما يجعلها تشعر بآلامهم ومعاناتهم بعيدا عن وطنهم، وهو ما عزز اعتقاد البعض بأن هذا المنصب تحديدا يجب أن يبقى نسائيا.

روّج البعض أن اختيارها للمنصب في الحكومة الحالية جاء فقط لكونها ضمن “الكوتة” المسيحية في التشكيل الوزاري التي حرص عليها الرئيس السيسي، لكن القريبين من دوائر صنع القرار أكدوا عدم صحة ذلك وأن اختيارها كان نتاج جهودها المضنية في العمل القنصلي. وقد جاء ذلك بشهادة تقارير السفراء الذين عملت معهم، وكانت تقدم سنويًا إلى الخارجية المصرية، حيث وصفها السفير أشرف راشد، بـ”بعبع” الخارجية المصرية، وأنها أفضل قنصل عمل معه، حيث كانت آنذاك تشغل منصب قنصل مصر في روما في العام 2007، في وقت كان يشغل هو منصب السفير.

تصف منصبها بأنه “إنساني بحت وأنا عاشقة للعمل الإنساني مهما بلغت مشقاته”، لكن ما يؤرّق الوزيرة، التي عملت قنصلا لمصر في عدد من الدول، منها البرازيل وأميركا وإيطاليا والإمارات، أن بعض المصريين بالداخل والخارج، يعتقدون أن وزارتها، مسؤولة عن جلب ملايين الدولارات سنويًا، من مدخرات المصريين المقيمين بالخارج، لإنقاذ الاقتصاد المصري المترنح.

وزراء قلائل يحظون بالقبول الشعبي، من بينهم نبيلة مكرم خاصة بعد موقفها من مقتل الشاب المصري في الكويت، حينما قالت "لن نقبل العزاء فيه قبل حصول ذويه على حقه كاملا ومعاقبة القاتل"

وهي صورة سلبية أعاقتها عن توصيل رسالتها السامية التي كانت السبب في عودة الوزارة بعد 20 عامًا من إلغائها، وهي “احتضان المصريين بالخارج”.

لذلك، قررت تجاهل الأمور الاقتصادية للمصريين في الخارج، في برنامج وزارتها، واعتبرت أن ذلك أبلغ تأكيد على أن الدولة المصرية لا تستهدف الاستقطاع من مدخراتهم، بقدر ما تأمل في التواصل الدائم معهم والاستفادة منهم، سواء بالعلم أو المناصب الدولية التي يشغلونها، خاصة وأن بينهم نحو 80 ألف عالم وباحث في مختلف التخصصات والمجالات، والكثير منهم باتت مصر في حاجة ماسة إلى خبراتهم.

أفكار غير تقليدية

تدرك أن القوة المصرية في الخارج كبيرة ولها تأثير قوي على الرأي العام في الدول التي يعيشون فيها خصوصا المجتمع الأميركي تحديدًا، ما تمكن معه الاستفادة منهم في تغيير النظرة للوضع في مصر، كما أن منهم من يمتلك علاقة بمراكز صنع القرار وكذا شخصيات سياسية مؤثرة.

غير أن تحقيق ذلك يحتاج إلى أفكار غير تقليدية، فمحاولة إقناع من تشبّث بالحياة الغربية لسنوات طويلة، أن يعود إلى بلده الذي يشهد حالة من عدم الاستقرار، ليس بالأمر اليسير، لكن ذلك بالنسبة إلى الوزيرة نبيلة أسهل ما يكون.

فعندما تعود الثقة بين الحكومة المصرية وأبنائها بالخارج، ويشعرون بقيمتهم عند بلدهم، ويكونون شركاء في هذه الدولة، تتلاشى فكرة الاغتراب عنها، وهو ما يعني أن مصر للمصريين بالداخل والخارج.

لذلك اتخذت قرار البدء من “الصفر” أملا في إعادة جسور الثقة بين الداخل والخارج، فأصبحت مثل الطير المهاجر، كل يوم في بلد ما، تجتمع بالجاليات المصرية، للتحاور المباشر معهم كممثلة للدولة، في محاولة لمحو الصورة الذهنية الراسخة لديهم، بأن البعض في مصر يعتبرهم “خونة” لأنهم تركوا وطنهم، وأن وجودهم في الحراك السياسي العام، عامل استقرار لبلدهم، وأن الـ11 مليون مواطن بالخارج، أصبحت مصر بحاجة إلى خدماتهم.

مواطنة مصرية سمحت لها وظيفتها بمساعدة أبناء بلدها

من هنا آثرت العودة إلى مبدئها القديم في الدبلوماسية بتجاوز حواجز البروتوكول التقليدي، من أجل كسر الجليد وتسهيل القرب من الناس، لذلك كثيرًا ما طلبت من المصريين بالخارج، بأن ينادوها باسمها المجرد، من دون ألقاب من عينة (معالي الوزيرة) أو (معالي السفيرة)، كي ترسّخ لديهم قناعة بأن مصر اختارت لهم “واحدة منهم”، تعايشت معهم وتعودوا عليها، ونشأت بينهم علاقة طويلة تسمح بإزالة القواعد الرسمية، وهو نفس النهج الذي تريد مصر أن تتبعه مع مواطنيها بالخارج.

تواصل أجيال

قررت التواصل مع الجيلين الثاني والثالث من المصريين بالخارج. حيث لديهم مميزات عن الرعيل الأول، لأنهم ولدوا في هذه الدول واندمجوا أكثر في ثقافتها وبعضهم يترشح في المجالس المحلية والبرلمانات ولهم توجه مختلف تمامًا عن توجهات الآباء، لذلك تسعى إلى جذبهم لوطنهم الأمّ، من خلال المعسكرات والفعاليات والمسابقات وزيارة الأماكن الاستراتيجية والسياحية والترفيهية، والمشاركة في أيّ عمل لتنمية روح الارتباط بالوطن.. ولا يتحملون أيّ نفقات إلا تذكرة الطائرة فقط.

انتماؤها لأسرة متوسطة وإيمانها الشديد بالكفاح ضاعفا من ثقل مهمتها، حيث أضحت قضايا العمالة المصرية بالخارج الهم الأكبر بالنسبة إليها، انطلاقا من قناعتها بأن حماية من هجروا وطنهم بحثًا عن لقمة عيش مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وطنية.

وفي هذا السياق قالت “لن أهدأ حتى يكون كل مصري خارج البلاد مؤمّنا عليه في عمله، ولديه معاش شهري مثل المصري الذي يعيش داخل بلده، ولن أقبل المساس بأيّ عامل في الخارج، حتى لو ذهبت إليه في آخر بلاد العالم ويحصل على حقه كاملا”.

نظرة الدولة

يبقى توفير فرص عمل مناسبة للشباب في بلادهم أحد الحلول السلمية خاصة أن الشاب الذي يهجر بلده يعرّض حياته للخطر بحثًا عن عمل، وإذا توفر له يكون ذلك بمثابة مضاد حيوي فكري ضد قناعات الهجرة.

كل ذلك لا يعني بالنسبة إليها، تفضيل المهاجر الشرعي عن غير الشرعي إذا كانت هناك مشكلة تهدد حياته أو مستقبله، لكن إدراج كلمة مصري في بطاقة تحقيق الشخصية لكل المواطنين خارج الحدود يستوجب تحركها الفوري واستقلال الطائرة إلى حيث يتواجد للوقوف بجانبه وإنهاء مشكلاته، لإثبات تغيّر نظرة الدولة تجاه كل مصري.

عداؤها للتمييز والطبقية والطائفية جعلها تؤمن بأن حماية المصريين من الفكر المتطرف يتمثل أيضًا في الدفاع عن الإسلام المعتدل خارج البلاد، على الرغم من كونها مسيحية الديانة. وقالت “أريد إرسال شخصيات مرموقة من علماء الأزهر إلى الخارج، لتوعية المصريين وأصدقائهم بالأفكار السمحة للإسلام، وكيفية حمايتهم من الأفكار المتطرفة، والابتعاد عن كل ما يدعو إلى نبذ وكراهية الآخرين واحترامهم”.

ضد البروتوكول

التفكير المتسامح للوزيرة ظهر لمتابعيها عقب تعرضها لهجوم ضار في بعض وسائل الإعلام عندما ظهرت في قصر الاتحادية خلال أدائها اليمين الدستورية كوزيرة مرتدية قميصًا مكشوفا نسبيا، ما اعتبره البعض استهانة بالبروتوكول. لكنها قالت عن ذلك “يحق للجميع انتقادي ما دمت قبلت بالعمل العام، وأنا إنسانة متسامحة لكن أظن أنه لا يجب لأحد المزايدة عليّ في مسألة البروتوكول، خاصة أنني عملت في إدارة المراسم بالخارجية المصرية لبضع سنوات”.

أول وزيرة في تاريخ الحياة السياسية المصرية تظهر في قناة فضائية تطهو الطعام وهو ما تعتبره أحد أنواع البساطة والاتساق مع النفس

تؤمن بأن رد المسؤول على النقد أو حتى التجريح لا يجب بأيّ حال أن يكون بالكلام أو عبر وسائل الإعلام، إنما من خلال العمل الميداني والتواصل مع الناس بشكل مباشر، ولا مانع من الاعتراف بالخطأ إذا كان هناك تقصير فعلي، غير أن المصارحة هي الطريق الأقرب لبلوغ ثقة الشعب، بينما الخداع ورسم الوهم أقصر طرق الفشل حتى في أسهل الملفات.

كانت أول وزيرة بالحكومة تطلب رفع الحراسة الخاصة عن منزلها وتحركاتها إلا من شرطيين يتحركان معها في بعض المناطق داخل مصر فقط، أما خلال سفرياتها خارج البلاد، فهي تتحرك بمفردها وترفض البروتوكولات والأمور الشكلية التي تزعجها وأسرتها.

تعتمد على التلقائية الشديدة في إدارة حياتها حتى لو كان ذلك على حساب مظهرها السياسي والاجتماعي من خلال القيام بأفعال غير معهودة عند المجتمع المصري من المسؤولين السابقين أو حتى الحاليين.

أول وزيرة في تاريخ الحياة السياسية المصرية تظهر في قناة فضائية تطهو الطعام وهو ما تعتبره أحد أنواع البساطة والاتساق مع النفس، فهي على الرغم من المهمة الثقيلة التي تقوم بها ترى نفسها امرأة لها حياتها الخاصة، حيث أصرت خلال حوارها مع برنامج “بيت العائلة” على فضائية “النهار”، على الوقوف داخل مطبخ منزلها، لتؤكد للمشاهدين قدراتها في الطهي كسيدة منزل وربة أسرة، ولا تستعين بعاملة تساعدها في أعمال المنزل في سابقة نادرة لوزيرة مصرية.

مع الناس

تعتبر من الوزراء القلائل في حكومة شريف إسماعيل، التي تحظى بقدر لافت من القبول لدى قطاع عريض من المصريين خاصة بعد موقفها الشجاع من مقتل شاب مصري في الكويت قبل شهرين في مشاجرة مع مواطنين كويتيين، حينما قالت “لن نقبل العزاء فيه قبل حصول ذويه على حقه كاملًا ومعاقبة القاتل بعقوبة مشددة”، ثم سافرت إلى الكويت لمتابعة إنهاء إجراءات القضية.

كذلك سافرت بنفسها إلى العاصمة الأردنية عمّان قبل أسابيع لمتابعة استلام جثامين 5 مصريين قتلوا هناك في حادث، وحرصت على تسريع إجراءات حصولهم على التعويضات المادية، ثم صاحبت الجثامين على الطائرة إلى مصر، وكلّفت مكتبا للمحاماة بمتابعة سير القضية بالأردن، ما جعل كثيرين يعاودون ترديد اللقب المحبب لديها “نبيلة أمّ المصريين”.

الوزيرة الشابة تقدم نموذجا مختلفا لمسؤولي الدولة بالتواصل المباشر مع المواطنين ومشاركتهم يومياتهم

قناعتها بأنه لا يمكن لأيّ مسؤول النجاح في مهمته إلا من خلال التقرب من الناس، كان وراء ابتكارها فكرة رائدة في العمل الدبلوماسي المصري، بإنشاء مكتب قنصلي متنقل في إيطاليا، يوم العطلات الرسمية.

ينتقل المكتب القنصلي بطاقم كامل يحملون الأختام والدمغات والأوراق إلي المدن التي توجد بها كثافة من المصريين لتخليص حاجاتهم بالاتفاق مع بلديات المدن، بدلا من اضطرارهم للسفر إلى العاصمة الإيطالية لتخليص أوراقهم الرسمية.

هذه ثقافة أبعد ما تكون عن أذهان الدبلوماسيين، لهذا لم تصنّف نبيلة مكرم نفسها يوما على أنها امرأة دبلوماسية أنيقة المظهر، إنما مواطنة مصرية سمحت لها وظيفتها بمساعدة أبناء بلدها.

عندما غرق مركبان أمام السواحل الإيطالية عام 2007، يحملان 300 مهاجر غير شرعي من مصر، هرعت إلى صقلية وكانت وقتها قنصلا في روما، لمتابعة الأمر، وتنقلت بين المراكب والمعدّيات وسط أمواج البحر العاتية، للمشاركة في انتشال الجثامين ومحاولة إنقاذ الباقين، وسط ظروف صعبة للغاية، قد لا يتحمّلها بعض الرجال.

ترى أن الهجرة غير الشرعية إخلال بالأمن القومي لأيّ بلد، ليس فقط مقصد المهاجرين وإنما بلدهم الأصلي كذلك، لأن المهاجرين يعتبرون صيدًا ثمينًا للتنظيمات المتطرفة والإرهابية التي تستقطب الشباب المهاجر، وتقدم لهم إغراءات مالية كبيرة، لأجل الانضمام إليها، وتؤمن بأن محاربة ظاهرة الهجرة غير الشرعية تساعد بفعالية في التصدي للإرهاب.

تؤمن نبيلة مكرم، أن الخطاب الإعلامي والديني (مسلم ومسيحي) المحكم وتطبيق العقوبات المشددة على أرباب الأسر والمهاجرين من أبنائهم، ضمن الأدوات الأكثر فعالية، للقضاء على الهجرة غير الشرعية، بهدف حماية الأطفال والشباب من التطرف والإرهاب.

فهي تعتزم التقدم بقانون إلى مجلس النواب المقبل بتجريم ظاهرة الهجرة غير الشرعية، على أن يكون الجانب الأهم من العقوبة على الآباء، خاصة بعد تأكيدها على وجود نحو 7 آلاف طفل مصري في إيطاليا وحدها، هاجروا بطرق غير شرعية.

8