نبيلة منيب محاربة يسارية تناضل بصخب على جميع الجبهات

منيب تعتبر أول امرأة تقود تنظيما سياسيا في المغرب والتي لم تتوقف عن المطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية.
الأحد 2018/06/17
منيب تطرح مشروعها لإنقاذ السياسة المغربية من "الردة"

من يراقب بحر السياسة المغربية في العقد الأخير، سيسجل تحولات بالغة الأهمية، مكنت من حدوثها البيئة المستقرة سواء على مستوى المجتمع أو قيادة الدولة.

ومن بين علامات تلك التحولات الحراك النسوي. باعتباره جزءا فاعلا حقا في المغرب، دون أن يتخذ الشكل الاستعراضي الفارغ، كما في غير بلد.

ومن وجوه ذلك الحراك سيدة مغربية يحتاج الحديث عنها إلى شيء من الحذر الهادئ، وجهات نظرها تبدو للوهلة الأولى حالمة حينا وصادمة أحيانا أخرى. وبالفهم العميق تتكشف لك ميكانيزمات تحليلها للظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية بمنطق أنيق يطغى عليه الفكر اليساري، دون أن تفرط في أناقتها الخارجية.

صارمة اللهجة، تضفي بابتسامتها الآسرة على مشروعها السياسي مسحة أنثوية تفتقدها الساحة السياسية التي تضم أكثر من 30 حزبا.

تربعت نبيلة منيب على كرسي الأمانة العامة لحزب الاشتراكي الموحد منذ ست سنوات، وبهذا تكون أول امرأة تقود تنظيما سياسيا في المغرب، وهي فلتة في الزمن السياسي الذي تؤكد في الكثير من المناسبات أنه مقلق ويحتاج إلى جرعات وافرة وجريئة من الإصلاح.

انتصار لقيم الحداثة والديمقراطية

منيب التي توصف بالمرأة الحديدية لم يكن في وسع قواعد وقيادة حزبها إلا تجديد الثقة فيها للمرة الثانية في فبراير 2018 لتقوده فترة زمنية تمتد لست سنوات أخرى جعلتها تقول إن انتخابها على رأس اليسار الاشتراكي الموحد، نصر لكل النساء المغربيات وانتصار لقيم الحداثة والديمقراطية، وترى أنه لا توجد ديمقراطية في أي مجتمع دون نساء، ولا ديمقراطية دون تمثيل النساء في كافة مناحي الحياة العامة.

خلفيتها العلمية كأستاذة باحثة في علم الهرمونات امتزجت بما تشربته من مهنة والدها الذي اشتغل في السلك الدبلوماسي لسنوات، فحاولت موازنة علم السياسة مع ممارستها الأكاديمية في ميدان علم الغدد الذي نالت فيه الدكتوراه بجامعة مونبلييه الفرنسية.

كانت مدينة الدار البيضاء مسقط رأس منيب ومكانا للتدريس في جامعتها وفضاء لممارسة السياسة من أوسع الأبواب. تدرّبت على العمل السياسي والنضال من خلال فصيل الطلبة الديمقراطيين التابع لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.

منيب تعترف بأن الأصوليين لا وجود لأي نقاط التقاء معهم. وبعد أن انتقدتهم بإحدى الندوات وقالت إنهم "ليس لديهم أي مشروع سياسي أو اقتصادي لمواجهة الوضع الذي نعيشه في العالم العربي والإسلامي". وأضافت "قال لي أحد الأساتذة الحاضرين إن كلامك لم يرق للإسلاميين، ولو أنهم كانوا يمتلكون الكلاشنيكوف لما ترددوا لحظة واحدة في اغتيالك خلال نفس اليوم"

تقول منيب “والدتي، رحمها لها، كانت ترتدي في البيت أجمل ما لديها لتجالسنا نحن الأبناء، وكانت الأكثر أناقة، وأنا مدينة لها بتلقيني تلك التفاصيل وفلسفتها في الحياة وحب العيش”.

لامست حرارة النضال مع حلاوة الحب في فرنسا فزاوجت بينهما إلى الآن، دون أن يطغى جانب على الآخر، فزوجها، يوسف حجي، هو الآخر مناضل ضمن حزب منظمة العمل الديمقراطي اليساري، وقد سبقها في الممارسة الانتخابية في العام 1997، ولم يتخل عن واجباته الأكاديمية أيضا.

مشروع الإنقاذ

تعرضت الأستاذة الجامعية والسياسية الجريئة لتحرش سياسي من طرف منافسها في الانتخابات السابقة منصف بلخياط، الذي كتب في تغريدة على تويتر أرفقها بصورة منافسته “من تكون هذه السيدة الجميلة؟ تبدو لي أنها من الطبقة البرجوازية.. إنني أجدها راقية جدا و(زاز)”. لكنه بعد ذلك تدارك زلته فغرد مرة أخرى معتذرا “إذا كنت أسأت لأي شخص فأنا أعتذر”.

كأي سياسي يجتهد في جذب المناصرين وحشد الدعم الشعبي، كشفت منيب مؤخرا أن حزبها بصدد الإعلان عن مشروعها للإنقاذ الذي يشترك فيه مثقفون مع الحركات النسائية والأمازيغية، ويستهدف محاربة اقتصاد الريع ومحاربة سياسة الإفلات من العقاب. وذلك للخروج مما أسمته ردة سياسية وحقوقية يعيشها المغرب، ويظهر أن الخلل في المشروع الذي تقدمه عدم توسيع مروحة المنخرطين والاكتفاء بفئة دون أخرى.

تصف منيب الوضع السياسي بـ”المؤلم والرديء”، وبأنه تسبب في تداعيات اقتصادية وسياسية، وبعودة التكنوقراط، وهو الأمر الذي قالت إنه ليس في مصلحة البلاد، هي تقول إن الشعب قادر على مواجهة تلك الردة لكن لم تقدم الكيفية رغم أنها نظريا طالبت بإنهاء علاقة الزواج غير الشرعي بين السلطة السياسية والاقتصادية، داعية إلى استقالة الفاعلين الاقتصاديين من السياسة، ووقف نزيف الريع الاقتصادي، والتوزيع غير العادل للثروات التي تسيطر عليها عائلات بعينها.

باستماتة كبيرة دعت زعيمة الحزب الاشتراكي الموحد، إلى إيقاف نزيف الريع الاقتصادي، لأن من بين شروط استتباب الأمن والسلم، ضرورة التوزيع العادل للثروات، مؤكدة أن استمرار الجمع بين السلطة السياسية والاقتصادية، أدى إلى تمركز الثروة في يد مجموعة من العائلات المعروفة بأسمائها، وهو الأمر الذي أدى إلى اتساع الفوارق الاجتماعية.

وتشدّد منيب دوما، على أن الحكومات المغربية لا تطبق برامجها السياسية، ولم تنجح في تحقيق طموحات الشعب، وتدعو إلى الاستثمار في التعليم، والاعتناء بالمدرسة العمومية، التي انهارت وتم الإجهاز عليها، مؤكدة على ذهاب حقوق المواطنين أدراج الرياح بسبب النهب والفساد.

حتى الحكومة التي يرأسها سعدالدين العثماني لم تسلم من سهام نقد منيب، عندما اعتبرتها حكومة إدارة أعمال وهي ماضية في إجهازها على حقوق الطبقة العاملة وعموم الموظفين، وسنفهم هذا التوجه عندما نراها تكيل الحكومات السابقة نفس الاتهام، فهي لا تجدها تتوفر على القدرة والإرادة الضروريتين لمحاربة الفساد المستشري في دواليب الدولة ومفاصل الاقتصاد.

[ منيب لا تتردد في انتقاد رفاقها في حزب النهج الديمقراطي رافضة تحالفهم وانسياقهم مع جماعة العدل والإحسان.
منيب لا تتردد في انتقاد رفاقها في حزب النهج الديمقراطي رافضة تحالفهم وانسياقهم مع جماعة العدل والإحسان

ويتساءل الكثير من المتفاعلين مع صفحتها الفيسبوكية حول هل ستشارك منيب ضمن وفد المشجعين المغاربة للمنتخب المغربي في مونديال روسيا؟ لم تجب على التساؤل رغم أنها تتفاعل كثيرا مع المعلقين على صفحتها.

اختيار “الشمعة” شعارا للحزب ليس مصادفة بل محاكاة لوسيلة إنارة ضاربة في القدم، ولازالت مستعملة إلى الآن، ومناضلو الحزب يقولون إن منيب هي الشمعة التي تضيء الطريق نحو المزيد من الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، ولهذا رفعت شارة النصر داخل محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، نهاية مايو الماضي تضامنا مع معتقلي حراك الحسيمة.

كفاح من أجل مغربية الصحراء

وتعتبر المسؤولة الأولى داخل الاشتراكي الموحد أن حملة مقاطعة منتجات استهلاكية التي بدأت منذ 20 أبريل الماضي، تعبير عن وعي الشعب، نافية أن تكون مقاطعة بعض المنتجات ثورة للجياع، لأنها لا تزال مستمرة وتحتاج إلى وعي سياسي حتى لا يتم الالتفاف عليها، ومنه دعت منيب إلى خلق عوامل الثقة مع السياسيين ودعم الحراك الشعبي والمطالبة بالإصلاحات الكبرى وفصل السلط.

وتفسر منيب المقاطعة التي يعرفها المغرب بأنها نتيجة فشل النموذج الاقتصادي والتنموي المغربي في ترسيخ ميكانيزمات توزيع عادل للثروة وخلقه طبقة أوليغارشية تجمع الثروة والماء والأراضي الفلاحية.

نضال منيب ضد الظلم والفساد وموقفها في الدفاع عن قضايا تعتبرها من الثوابت، قادها في عام 2015، إلى جانب وفد يضم قادة أحزاب مغربية، إلى السويد من أجل إقناع الحكومة السويدية بالاعتراف بمغربية إقليم الصحراء، منبهة السويديين إلى أنه لا يمكن الحديث عن تشابه المشكل في الصحراء والقضية الفلسطينية.

وبطريقتها التي تجمع الهدوء مع الإصرار والدبلوماسية قالت منيب في لقائها مع إيريكا فرير، سفيرة السويد في المغرب، إنه من واجب المجتمع الدولي تدعيم كل مشروع وحدوي والحفاظ على الأمن في المنطقة، وخلق دولة جنوب المغرب تحت وصاية النظام الجزائري يمكنه أن يفتح بابا لانعدام الاستقرار، وأن هذا الخيار ستكون له عواقب وخيمة.

جرأتها وتمكنها من أدواتها السياسية لم تشفع لها لدخول البرلمان بعدما فشلت في إقناع الناس للتصويت عليها في انتخابات أكتوبر 2016، باسم اللائحة الوطنية لفيدرالية اليسار الديمقراطي، وهو تحالف لثلاثة أحزاب يسارية صغيرة، حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي، والحزب الاشتراكي الموحد.

لم تفوت منيب الفرصة دون انتقاد رفاقها في حزب النهج الديمقراطي عندما رفضت تحالفهم وانسياقهم مع جماعة العدل والإحسان.

وعي بخطر الإسلام السياسي

في إحدى مداخلاتها في ندوة نظمتها مؤسسة قرطبة بتونس العام 2012، قالت منيب، إن التيارات الإسلامية لن تكون أبدا ديمقراطية، وأنها لن لا تتمكن من تحرير شعوبها. ثم حضرت في لقاء ثان بإسطنبول في العام 2015، شارك فيه علمانيون وإسلاميون، ما جعل خصومها من تيارات يسارية يؤاخذونها أنها جالست إسلاميين ترعاهم قطر في كل من تونس وتركيا وتمنع على نفسها وعلى مناضلين بالحزب الاشتراكي الموحد من الجلوس معهم بالمغرب.

لترد أن مشاركتها كانت بصفتها الأكاديمية وليست السياسية وأن هناك فرقا كبيرا بين إلقاء مداخلة بصفة مستقلة، وبين التحالف سواء ميدانيا أو سياسيا. قالت “لم يسبق لي أن وقعت على أي بيان أو وثيقة بهذا الخصوص، وإنني فعلا وضعت خطا أحمر في التحالف مع التيارات الإسلامية ومنها جماعة العدل والإحسان”.

خصوم نبيلة منيب السياسيون هم الإخوان والفساد والمخزن، تلك الخصومة السياسية والانتماء الأيديولوجي جعلاها تصف حزب الأصالة والمعاصرة بالحزب الإداري السلطوي
خصوم نبيلة منيب السياسيون هم الإخوان والفساد والمخزن، تلك الخصومة السياسية والانتماء الأيديولوجي جعلاها تصف حزب الأصالة والمعاصرة بالحزب الإداري السلطوي

واعترفت منيب أنه لا وجود لنقاط التقاء مع الأصوليين. تقول “ليس لديهم أي مشروع سياسي أو اقتصادي لمواجهة الوضع الذي نعيشه في العالم العربي والإسلامي، وإن مداخلتي لم ترق للبعض لدرجة أن أحد الأساتذة الحاضرين قال لي إن كلامك لم يرق الإسلاميين ولو أنهم كانوا يمتلكون الكلاشنيكوف لما ترددوا لحظة واحدة في اغتيالك خلال نفس اليوم”.

لم تتوقف منيب عن المطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية، من بينها تكريس مبدأ فصل السلطات، لتحقيق مجتمع العدالة الاجتماعية وإعادة الحياة للوسائط من أحزاب سياسية ونقابات، وعدم تهميش الكفاءات داخل أجهزة الحكم.

ومن شروط بناء نموذج تنموي مستقبلي، كما ترى منيب، تقوية النموذج السياسي، الذي ينبني على الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة وفصلها، لأن المغرب، كما تقول، فشل في انفتاحه الاقتصادي، وهو ما أدى إلى خلق برجوازية هجينة وغير وطنية.

خصوم نبيلة منيب السياسيين هم الإخوان والفساد والمخزن، تلك الخصومة السياسية والانتماء الأيديولوجي جعلاها تصف حزب الأصالة والمعاصرة بالحزب الإداري السلطوي، حتى أنها قالت إن سيناريو فوزه بالانتخابات في 2012 كان معدا سلفا ليقود الحكومة. لكنه فشل ليفوز غريمه العدالة والتنمية مرتين، وعندما دشن عبدالإله بن كيران مشاوراته لتشكيل الحكومة بعد انتخابات 2016 رفضت اللقاء به والتحالف معه رغم أن حزبيهما رفعا شعار محاربة الفساد.

مشروع منيب الإصلاحي يتداخل فيه المحلي بالدولي، فواقع الأزمة التي يعيشها النظام الاقتصادي النيوليبرالي تعطي راهنية غير مسبوقة لعودة القيم الاشتراكية والفكر الاشتراكي، ما يتطلب تضافر الجهود لإعادة بناء المشروع اليساري الاشتراكي، وطموح نبيلة إنشاء الحزب الاشتراكي الكبير، فهي لازالت مؤمنة من خلال ترؤسها حزبها بناء القطب اليساري الكبير كمهمة صعبة وليست مستحيلة ونريد أن يكون عنوان هذه المرحلة هو الديمقراطية الحقيقية والكاملة، والوصول إلى الملكية البرلمانية.

منيب كمناضلة يسارية ناشطة تؤمن بالحركات الشبابية كحركة 20 فبراير، ولا تتوانى في استقطاب هذه الفئة من المجتمع المغربي، مدغدغة مشاعرهم السياسية بمنطوق الملكية البرلمانية، هذا النموذج في الحكم تراه هذه السياسية التي يصفها خصومها بالحالمة هو الطريق نحو مجتمع ديمقراطي حداثي.

مع اتفاق كل الفرقاء السياسيين على أن دستور 2011 يمتاز بحيز ديمقراطي أكبر وبهامش حريات كبيرة وصلاحيات أوسع لرئيس الحكومة، وتفاعل السلطة والأحزاب بشكل إيجابي خلق بيئة انتخابات نزيهة أوصلت المعارضة إلى الحكومة، إلا أن منيب تصر على أن الملكية البرلمانية أصبحت مطلبا ملحا والكلام عن الديمقراطية ليس ترفا سياسيا، مؤكدة على استعجالية البناء الديمقراطي.

ورغم أن منيب تشتغل في ظل ذلك الدستور الذي أعطى المجال أوسع للعمل السياسي ومنح صلاحيات عديدة للأحزاب في المعارضة والأغلبية وترسيخ منصب رئاسة الحكومة، إلا أنها تنفي أن يصل إلى مستوى الدساتير الديمقراطية في العالم، لأنه لا يقر بمبدأ فصل السلط، لأن الملكية مازالت الفاعل الأول والأساسي، وهو الحكم في الوقت نفسه.

كان حضور منيب عبر اللجنة الوطنية لدعم تظاهرات 2011، قويا وتعترف في هذا الصدد بأن حركة 20 فبراير والنقاش الوطني الجاري داخل المجتمع كان حاسما في دعم انتخابها أمينة عامة للحزب لأول مرة.

8