نبيل الحلفاوي "القبطان" المهموم بقضايا مصر

حكيم تويتر الممثل نبيل الحلفاوي تستهويه الأعمال الصعبة المركبة وقد استطاع من خلالها أن يصنع لنفسه حالة استثنائية من المعرفة ببواطن الأمور في مجالات عدة.
الثلاثاء 2020/05/12
ممثل فريد

يظل الممثل المصري نبيل الحلفاوي نموذجا فريدا للفنان المهموم بمحيطه الخارجي، وغير منشغل بالبحث عن مزيد من الشهرة، وهو من أكثر الفنانين اختلاطا بالمجتمع عبر كتاباته على موقع التغريدات القصيرة “تويتر”، ويداوم بث رسائل بهدف مشاركة الناس طموحاتهم وإحباطاتهم وأحلامهم وآمالهم ومشكلاتهم، ولا يعبأ بتأثير ذلك على مشواره الفني.

منحه الجمهور المصري لقب “حكيم تويتر” من كثرة حضوره وآرائه الرصينة في مختلف المجالات السياسية والفنية والاقتصادية والرياضية والاجتماعية، وكثيرا ما يحدث كلامه صدى على مستويات واسعة تدفع مسؤولين ورموزا في المجتمع للرد عليه، فهو رصين الكلمة وشديد القبول عند الناس، بحكم أدواره الفنية ذات الطبيعة السياسية والأمنية، ما جعل فنه مرتبطا بالجدية والبعد عن الإسفاف.

يمكن بسهولة لمتابعي الحلفاوي الشعور أنهم أمام ناشط سياسي محنك، أو ناقد رياضي محترف، وربما باحث مخضرم في فنون الإدارة. فهو مثقف وتحليلاته واقعية ما يضفي عليه مصداقية. وبرغم عدم غزارة أعماله الفنية مؤخرا، إلا أنه استطاع أن يصنع لنفسه قاعدة شعبية تخطى من خلالها نجومية أغلب أبناء جيله ممن لم يتوقفوا عن التمثيل.

مع كل أزمة مجتمعية أو قضية جدلية تثير اهتمام الرأي العام، تراه يكتب كلمات مقتضبة تحمل بين ثناياها رأيا ينم عن شخصية متزنة، وأحيانا يكون كلامه حلا لمشكلة، لدرجة أن البعض ينادونه  بـ”القبطان”، تيمنا بدوره في الفيلم الشهير “الطريق إلى إيلات” حيث كان يؤدي دور قبطان.

 شخصية المشير حسين طنطاوي، وزير الدفاع الأسبق ورئيس المجلس العسكري الذي حكم البلاد بعد سقوط نظام حسني مبارك، لم يتردد الحلفاوي في الموافقة على تقمصها، وكان مبرره أن الرجل أنقذ مصر من الانهيار في فترة حرجة

في ذروة التعصب الرياضي بين جماهير الزمالك والأهلي، اقترح الحلفاوي مبادرة لوقف تلاسن المشجعين على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما تبنته برامج رياضية عدة من شدة تأثير آرائه في الفئات الشبابية، وعندما قررت نقابة المهن الموسيقية وقف أغاني المهرجانات ومنع إذاعتها وحرمان المغنين من الحفلات، كتب “باختصار.. الأعمال الهابطة لا تواجه بالمنع إنما بدعم وتشجيع الراقي منها”.

استطاع حكيم تويتر أن يصنع لنفسه حالة استثنائية من المعرفة ببواطن الأمور في مجالات عدة، فهو يستمتع بالقراءة ولديه فضول دائم للمعرفة، بغض النظر عن كون ذلك يرتبط بطبيعة عمله الفني أم لا، ويفهم في الشعر والأدب، وقد يصل به الحال إلى شرح نصوص دينية بطريقة متزنة ووسطية، وربما تراه يتحدث في الاقتصاد ببراعة.

النجم والمبادئ

كان ينشر مقالات أسبوعية بمجلة الكواكب الفنية، ما ساعده في أن يصبح فنانا متكاملا يجيد اختيار أدواره بعناية، ويوظف معرفته في التخديم على العمل الفني، وكثيرا ما اعتاد إضافة عبارات تلقائية إلى النص المكتوب، سواء كان على خشبة المسرح أو أمام الشاشة.

 يصنف الحلفاوي على أنه ضمن الفنانين القلائل الذين يضعون لأنفسهم مجموعة مبادئ يصعب التنازل عنها، حتى لو تعرضوا بسببها لمضايقات أو انعكس ذلك على غيابهم عن الأعمال الفنية لفترة طويلة، فهو ينظر إلى أن احترام الناس للفنان يبدأ من احترامه لنفسه.

ربما تكون مبادئ الحلفاوي سببا في ندرة أعماله الفنية خلال الفترة الأخيرة. فهو الذي رفض الكثير من العروض الدرامية والسينمائية، لأن شركات الإنتاج طلبت منه تخفيض المقابل المادي، لكنه كان يرد بأن ذلك لو تم تطبيقه على جميع العاملين في الوسط سوف يكون أول فنان يقبل بذلك، أما فكرة الانتقائية فهي مرفوضة.

مكسب وخسارة

غالبية أعمال الحلفاوي، في هذه المرحلة، مع الفئات الشابة. يتعامل مع النجوم الشباب بمنطق الفنان الكبير الذي يتحتم عليه أخلاقيا وإنسانيا مساندة الصاعدين الجدد، بعيداً عن عقد البطولة المطلقة
غالبية أعمال الحلفاوي، في هذه المرحلة، مع الفئات الشابة. يتعامل مع النجوم الشباب بمنطق الفنان الكبير الذي يتحتم عليه أخلاقيا وإنسانيا مساندة الصاعدين الجدد، بعيداً عن عقد البطولة المطلقة

تؤكد التركيبة الشخصية للحلفاوي أنه أبعد ما يكون عن التعامل مع الفن بميزان المكسب والخسارة، لكن رفضه الانتقائية في تخفيض الأجور بأي عمل فني يرتبط بشكل أساسي بوجود آخرين من الفئات الشابة يرفضون ذلك الطرح بذريعة أن لهم جماهيرية طاغية، الأمر الذي يثير حفيظته، ويجعله يبتعد بنفسه عن التقليل من تاريخه الفني.

يؤدي أدوارا هامشية طالما أن العمل نفسه جيد ويضيف إليه، وغالبية أعماله تكون مع الفئات الشابة، حيث يتعامل معها بمنطق الفنان الكبير الذي يتحتم عليه أخلاقيا وإنسانيا مساندة الصاعدين الجدد، فهو ليست لديه عقدة البطولة المطلقة، بقدر ما يكون شغوفا بعدم تكرار الشخصية.

من الفنانين القلائل الذين يجيدون تقمص الشخصية التي يؤدونها، فلا تشعر بأنك أمام ممثل يقوم بحركات وينطق بعبارات حسب السيناريو أو وفق توجيه من المخرج، بل شخص حقيقي واقعي لأقصى درجة، يؤدي دورا أبعد ما يكون عن التمثيل، لذلك تجده يصر على انتقاء الأدوار التي تناسبه.

يمكن الحكم على براعته الفنية بشكل أكبر من خلال المسرح، فهو الذي لا يزال يؤدي أعمالا مسرحية شاقة يرفضها الكثير من الفنانين، لأن المسرح أصعب من الدراما والسينما، وفيهما تقترب الكاميرا من عين وتعبيرات الممثل بالتالي تكون المهمة سهلة، أما المسرح فهو مملكة الممثل التي تحتاج لانفعالات بتكنيك محدد تسهل مهمة التواصل المباشر مع الجمهور.

يعرف بأنه الفنان الذي يؤدي أدواره بطريقة السهل الممتنع، وتستهويه الأعمال الصعبة المركبة، فهو موهوب في انتقاء الكلمة وطريقة نطق العبارات وحركات الجسد، وتشعر بأنه نضج على نيران هادئة، فإذا ظهر في عمل فني ولو ببضع مشاهدة قليلة لا بد وأن يترك بصمة عند الجمهور، أو جملة تُخلّد في ذاكرة المشاهد، وتلمس صميم حياة الناس. نشأ في حي السيدة زينب الشعبي بوسط القاهرة، وعاصر حياة الطبقة الشعبية الكادحة بأفراحها وأحزانها وانكساراتها وقوتها، وكان والده أستاذا جامعيا زرع بداخله حب البحث عن المعرفة واكتساب المهارات المختلفة ولو كانت بعيدة عن تخصصه، والنزول إلى مستوى المهمشين بالمجتمع.

واجه في بداية حياته بعض المشكلات، فقد كان محبا للهندسة والتحق بكليتها، لكن أسرته أرغمته على تركها لدخول كلية الصيدلة، بحكم أن أخواله كانوا يمتلكون شركات أدوية، وبعد فترة قصيرة تركها ليلتحق بكلية التجارة قسم إدارة الأعمال، ومن بين جدرانها بدأت موهبته. وكانت الصدفة وحدها من صنعت نجومية الحلفاوي، حيث شاهد ذات مرة عرضا مسرحيا داخل الكلية، وأعجب بمثل هذه الأجواء، وطلب من المخرج أن يشارك في العروض، وبالفعل حصل على دورين، وبعد الانتهاء منهما سأله المخرج: هل يعقل أنك لم تمثل من قبل؟ فرد الحلفاوي بالنفي، ومن هنا كانت البدايات، وأصبح دائم الظهور على خشبة مسرح الجامعة.

التحق بمعهد الفنون المسرحية، وكان الأكثر تفوقا على الدفعة طوال فترة الدراسة وتخرج بدرجة امتياز ورفض التعيين كمعيد بالمعهد، وأبلغ الإدارة بأن حلم حياته الوقوف على المسرح وليس التدريس، وبعد فترة من التمثيل المسرحي اتجه إلى الدراما، وكانت بداياته مع مسلسل “محمد رسول الله”، ثم عاد للمسرح مرة ثانية بـ”أنطونيو وكليوباترا”.

مع رأفت الهجان

نبيل الحلفاوي شارك في أكثر من عمل لن ينساه الجمهور، لارتباطها بالاستخبارات والجاسوسية، مثل "رأفت الهجان"
نبيل الحلفاوي شارك في أكثر من عمل لن ينساه الجمهور، لارتباطها بالاستخبارات والجاسوسية، مثل "رأفت الهجان"

وضع الحلفاوي نفسه على طريق النجومية مع بداية حقبة الثمانينات بعدما نوّع أعماله بين السينما والمسرح والتلفزيون. وكانت فترة التسعينات استثنائية في مشواره الفني، بعد أن شارك في أكثر من عمل لن ينساه الجمهور، لارتباطها بالاستخبارات والجاسوسية، مثل “رأفت الهجان”، وفيلم “الطريق إلى إيلات”، و”دموع صاحبة الجلالة”.

مع بدايات الألفية الجديدة غيّر من جلده، وابتعد بعض الشيء عن سينما ودراما الأعمال الاستخباراتية، وانتقل إلى التاريخية منها، مثل

تجسيد شخصية علي ماهر باشا في مسلسل “الملك فاروق”، والزعيم سعد زغلول في “حواري وقصور”، والرئيس الراحل جمال عبدالناصر في الجزء الثالث من “أوراق مصرية” الذي تم حظره في ما بعد.

يمكن تفسير ميول الحلفاوي إلى الأعمال الاستخباراتية وتجسيد الرموز التاريخية، مثل عبدالناصر وسعد زغلول، بأنه كان شغوفا خلال فترة شبابه بمتابعة أدق التفاصيل العسكرية، فهو ناصري الهوى، تمنى الانضمام إلى قوات الدفاع المدني بعد هزيمة 1967، وبعد صعود نجمه، وافق على بطولة فيلم “الطريق إلى إيلات”، لرد جزء من الاعتبار للجيش.

لم يتردد في الموافقة على تجسيد شخصية المشير حسين طنطاوي، وزير الدفاع الأسبق ورئيس المجلس العسكري الذي حكم البلاد بعد سقوط نظام حسني مبارك، وكان مبرره أن الرجل أنقذ مصر من الانهيار في فترة حرجة، وقال إنه يفتخر بتقديم شخصية تنتمي للجيش، لكن مع تصاعد نبرة الاعتراض على الفيلم تم وقف التصوير.

ثائر ضد الإخوان

متابعو الحلفاوي يشعرون أنهم أمام ناشط سياسي محنك، أو ناقد رياضي محترف، وربما باحث مخضرم في فنون الإدارة. فهو مثقف وتحليلاته واقعية ما يضفي عليه مصداقية
متابعو الحلفاوي يشعرون أنهم أمام ناشط سياسي محنك، أو ناقد رياضي محترف، وربما باحث مخضرم في فنون الإدارة. فهو مثقف وتحليلاته واقعية ما يضفي عليه مصداقية

في أوج فترات نبوغه الفني لم يغب عن السياسة، وكان يرفض الكثير من الأعمال السينمائية والدرامية في آخر سنوات حكم الرئيس الراحل حسني مبارك للبلاد، لإصابته باكتئاب حاد، وشعوره بفقدان الأمل في التغيير واستمرار الآلة القمعية للنظام، ولم يخرج من الأزمة النفسية سوى بالمشاركة في ثورة 25 يناير 2011 التي أسقطت مبارك ونظامه.

كانت كبرى الصدمات التي تلقاها عندما صعدت جماعة الإخوان على أكتاف الثورة، حينها كان في مقدمة الفنانين الذين تصدوا لهجمتها على الفن، وشارك في تأسيس جبهة الإبداع المصري، وحارب ليكون لها دور في وضع دستور البلاد، وانشغل طوال فترة حكم الإخوان بمعارضة قراراتهم ومحاولتهم فرض الوصاية على الفن، ما انعكس على ندرة أعماله آنذاك.

بلغ شغفه بالسياسة، أنه عاد للمسرح بعد غياب استمر 20 عاما، لمجرد أن مسرحية “اضحك لما تموت” التي عرضت قبل عامين كانت تتحدث عن ثورة 25 يناير، وأوحت بأن هذه الثورة تمت سرقتها من الشباب الذين ضحوا بدمائهم وحياتهم من أجل أن يحيا الشعب.

تشعر وأنت تتابع ما يكتبه الحلفاوي أنك أمام رئيس حزب مهموم بالأوضاع السياسية في مصر. ومن النادر أن تجد ممثلا يشغل نفسه بغياب القوى الفاعلة والناشطة سياسيا، ولماذا لا تستعد للانتخابات بقوة وتختار كوادر تستطيع المنافسة وتكون لديها القدرة على المشاركة في تغيير الواقع السياسي؟

يؤيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، لكنه يقول “المشكلة في الانتخابات المقبلة، فقد أصبح حتميا على الكفاءات السياسية الوطنية أن تقدم نفسها على الساحة ولا بد أن تعلن عن نفسها من خلال البرامج التلفزيونية والصحف”. وهو ينظر إلى الاستقطاب السياسي الحاصل بين مناصري ثورة 25 يناير، وفريق ثورة 30 يونيو 2013، بنوع من الامتعاض، ويرى أنهما مكملتان لبعضهما، وهو الحديث الذي يرفضه أنصار السيسي.

أكثر ما يميز الحلفاوي أن مواقفه السياسية معلنة ولا يخشىإخفاءها، ويعتبر ذلك جزءا أصيلا من مصداقية الفنان مع جمهوره، فالشجاعة الاستثنائية أن يصارح الممثل الناس بانتماءاته حتى تجد رسائله الفنية والاجتماعية أرضية خصبة للقبول. وما يعطي لآرائه السياسية ثقلا عند الناس أنه شخص يفرق بين الاختلاف على رموز السلطة والخلاف على الوطن، وقد تجد في كلامه بعضا من المعارضة، لكن المؤسسة العسكرية تظل على رأس الخطوط الحمراء التي لا يقبل التجاوز في حقها أو المساس بنزاهتها.

يضعه بعض المعارضين أحيانا في خانة الفنان الذي يبحث عن مكانة خاصة عند السلطة، لكن حياده في بعض المواقف، وانتقاده لبعض القرارات الحكومية جعلا هؤلاء يعيدون حساباتهم، وينظرون إليه كممثل فريد، واعتاد التأكيد على أن الفنان الذي يريد أن يصنع لنفسه جماهيرية راسخة عليه أن يكون جزءا أصيلا في المجتمع، ويعبر عنه في الواقع لا أمام الكاميرات.

13