نبيل الصوابي يكتب بألوانه رحلة العالم العربي إلى الضفة الأخرى

الخميس 2014/07/03
صوره تجسيد لشخصيات كارزمية نجوميتها حالة إشكالية

تونس - لكل ثورة صورُها وفنانوها وتعبيراتها، لها نبوءاتها وتحولاتها، لها حريتها التي تقود شعوبها، لها مدنها ونخبها ومؤرخوها، لها أسئلتها وإحراجاتها وقلقها، لها طرقها وشعابها، لها من حلُم بها ومن غدرَ بها، من عاشها متفائلا ومن شاهدها متجاهلا، لها أحياؤها وجرحاها وضحاياها وشهداؤها، ذاكرتها وذكراها، ضدُّها وضديدها.

من رُكامها المتداعي أحداثا وصورا ونصوصا ينطلق الفنّان التشكيلي التونسي نبيل الصوّابي ذات صدفة جمعته بصورة شرارة للثورة والإبداع معا. الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي يزور محمد البوعزيزي بمركز الحروق البليغة بتونس: صورة تداولتها وسائل الإعلام الرسمية آلاف المرات عسى سلطتها الرمزية تمنع عنهم الحريق.

هي أوّل الصور السياسية المباشرة التي دخلت ورشة الفنان، وأدخلت معها مشروعا جديدا وما زالت إلى اليوم لم تبرحه، فقد وجد فيها ضالته كمن كان في انتظارها.

فكان البدء صورة إعلامية من الواقع المعيش، تلتها صور يختارها بحذر شديد خشية وقوعه في محاذير البروباغاندا أو النوستالجيا أو الأيديولوجيا.

ينوي الفنّان الاستفادة من الرّاهن الآن وهنا فيعمل على تكثيف الهمّ السياسي، بشحنه جماليا ودلاليا مستعيدا الخيط الرابط بين وقْعِ الواقع والفنّ، كأنه يرغب في التستّر على حقيقة الفعل السياسي وتلبيسه رداء من صميم الاستعارة والرمزية.

يأخذ من الصور أكثرها تداولا وانتشارا. يختزل في وجاهة الوجه ومكانته الحدث أو المرحلة التاريخية كاملة في صور شخصيات كارزمية. نجومية هذه الوجوه إشكالية فهي علامات مكثفة للمعنى يستحضر فيها الفرد تاريخ الجماعة، ويلامس فيها المرئي مناطق من اللاوعي الجمعي. حمل مقصود من التناقضات والمنظومات الشفراتية المتنوعة، يجعلنا نتساءل ما الذي يجمع بورقيبة والقذافي وياسر عرفات وتشي غيفارا والموناليزا؟ كلهم مجتمعون في فضاء واحد.

البورتريه فنّ للخطابة البصرية و”الجثث الحلوة” التي يقترحها نبيل إذا جاز لنا استعارة هذه العبارة السريالية، لما في لقاءاتهم من غرائبية وصدفوية نابعة من الاختلافات الماهوية العميقة بين هذه الوجوه.

تتجاوز اللقاءات بين هذه الشخصيات السياسية حدودها المتعارفة في خلق الأزمات إلى خلق الانفراج والفرجة، فاللوحة عند نبيل الصوابي مشروع ديالكتيكي جدلي وفضاء للنقاش والحوار بين الاختلافات.

يستعيد نبيل شخوصه من صور الموت ألبوما تذكّريا يتنقل بين صفحاته، يفتح القبور في وجوهنا أرشيفا لذاكرة جماعية. ينظر إلينا من خلال موتهم.

لا تنسوا، لن ننسى، لن أنسى أنهم كانوا هنا وأنّ الموت ليس نهاية مطلقة يعقبها الفراغ. فقد كانت الرواية الأسطورية الإغريقية لولادة الرسم رفضا للغياب حتّم على الخزّاف بيتاداس وابنته رسما توثيقيا خلّد صورة الراحل.

البورتريه فن للخطابة البصرية و"الجثث الحلوة" التي يقترحها نبيل إذا جاز لنا استعارة هذه العبارة السريالية

هذا مشروع ضد النسيان يحظى فيه الموتى بمركز الاهتمام الإيكونوقرافي وأركيولوجيا القبور هي الرواية التشكيلية الحرة لهذه المرحلة التاريخية من حياة الفنّان والمواطن والبلاد.

لقاؤنا مع الحقيقة مؤلم إلاّ أنّ “الدراما تعلمنا كيف نبقى على قيد الحياة”، حسبما ذهب إليه برتولد بريشت مما يجعل الرسالة عكسية ارتدادية من الأموات إلى الأحياء، خاصة وأنّ أغلب البورتريهات المرسومة في التاريخ تخاطب المشاهد وتنظر إليه.

يعْرِف نبيل الصوّابي جيِّدا أن ورشة فرانسيس بايكون، كانت مليئة بالصور الفوتوغرافية ويعي أهمية الورشة فضاء للتفكير لا لمجرد الإنجاز والتنفيذ.علاقة عضوية تربطه بها، فيها يقضي أغلب وقته، يتمثل العالم من خلالها وفيها، هي فضاؤه الحميم، حيث يشتغل ويحلم ويسهر ويتذكر.

وهي الورشة الفكرة والمخبر متعدِّد الاختصاصات الذي عمل فيه بنفَس تجريبي كبير، بلغ حدود تصوير بعض المحاولات السينمائية التي تحوم حول الممارسة مما يجعل منها فلسفة للوجــود لا فضاء للحضور.

لم تكن الصورة غائبة تماما عن مشاريع نبيل الصوّابي السابقة، حيث نجدها متسترة مخفية وراء التأطير والإخراج، حاضرة في شكل طقس عام يخيّم على التكوين وفلسفة ينظر من ورائها الفنان إلى الرسم، إلّا أنها في هذا المشروع تقفِز جليَّة للعيان لتُصبح “مودالا” يُرسم، وضرورة داخلية تتأسّس حولها ومن صلبها الممارسة التشكيلية.

يحررها من اللون كمن يسلخها من جلدها. يفسخ نضارتها فتتقادم وتتعتّق. يعود بها إلى مراحل تاريخية للفوتوغرافيا ما قبل الألوان متراوحة بين رماديات القيم الضوئية.

يغيّر حجمها تكبيرا أو تصغيرا، يحذف خلفياتها لا يترك منها إلا الوجوه، جملة من إجراءات بين التعرية والتورية والتغطية تكشف أن الصورة هي النّواة المؤسسة وهي وسيلته في تعقُّل الممارسة.

يولد العمل عبر مراحل وفي أشكال مختلفة تنطلق من فكرة أو نوايا أولية يتحدث عنها الفنان كمن يفكِّر بصوت عال، تليها الممارسة التي تجمع الرسم الخطي واللوني إلى أنْ تتكثّف المادة وتتماسك.

يرسم نبيل مستبطنا في فعله إجراءات لمعالجة الصورة كالتقطيع والتلصيق والتركيب، بهدف بلوغ إخراج فضائي للعناصر الصورية قائم على مسرحة اللوحة وتحويلها إلى ركح، تتقدم فيه الشخصيات وتتأخر حسب الإضاءة المسلّطة عليها، وحسب موقعها في المشهد الممثّل.

تتجاور الفضاءات داخل مساحة اللوحة بطريقة لا تُحيل إلى مرجع واقعي، بقدر ما تكشف استضافة الرسم لهذه الشخصيات في اللامكان، حيث الحضور المحض دون متممات مكانية أو زمانية.

16