نبيل المالح: السلطات تزول ولا يبقى إلا الفن

الأحد 2014/06/01
نبيل المالح: أحيي كل من حمل الكاميرا ونقل إلى العالم ما يجري في سوريا

نبيل المالح صاحب فيلم “الفهد”، أنهى مؤخرا سيناريو فيلمه الجديد “الوشم السابع"، وهو يعدّ من المثيرين للجدل في سوريا، أفلامه دائماً تحوي انتقادا لما هو قائم، تقترب من الإنسان لتخاطب إنسانيته، دائم الانتقاد للنظام السوري ومؤسساته وبالأخص المؤسسة العامة للسينما التي لم تؤصّل سينما سوريّة حقيقية، بل هي مرتع ومحترف للفساد. حول هذه المواضيع حاورته صحيفة “العرب”.

المخرج نبيل المالح المعروف بمواقفه ضد النظام السوري، هو أحد دعامات السينما السورية، ويرى أن النظام السوري كرّس الطائفية وأن الترف الذي اعتاد عليه بعض الفنانين جعل مواقفهم متذبذبة على حساب الوطن.


مجتمع المواطنة


المالح من المعارضين القدامى للنظام السوري ولمؤسساته وللفساد الذي ينخرها، وحول قدرة الثورة في سوريا على إعادة هيكلة هذه المؤسسات لتتلاءم مع روح الشعب الجديدة، وبالأخص مؤسسة السينما التي يعلم الجميع آليات العمل بها يقول المالح: “تكمن المشكلة المستقبلية في هذا التخريب للنسيج الاجتماعي السوري نتيجة لأحداث السنوات الثلاث الماضية حيث تجذرت عوامل طائفية لم تكن في حسابات الثورة ولا في حسابات المجتمع، وكانت نتيجة ذلك تمزق بنية مجتمع المواطنة الذي يصبو إليه الشعب، وهو الأمر الذي حاربته أجهزة الدولة على مدى عقود، هذه الأجهزة التي كرست فكرة الرعية كبديل مستديم لفكرة المواطنة، وتحول الصراع الطبقي إلى صراع طائفي، خاصة وأن الحالة التي نتجت، قد أنتجت الطائفة = الطبقة. ولكنني مؤمن بأن سوريا الحرة المقبلة ستكون قادرة على تجاوز هذا المأزق التاريخي والتشوه الذي صبغ علاقاتنا، ولا شك في أن سوريا الجديدة ستتعلم من هذا المنعطف التاريخي وتصنع مجتمع المواطنة والمؤسسات، خاصة وأن الثمن كان باهظا للغاية”.

إعادة كشف تاريخ العقود الماضية التي قادت إلى الثورة تأخذ أولوية استثنائية وهكذا كتبت سيناريو فيلم "الوشم السابع"


صيغة ثقافية للثورة


الأحداث في سوريا فتحت الباب أمام العديدين الذين يدّعون أنهم مخرجون فقط لامتلاكهم كاميرا، فقد أًصبح كل ما يصور في سوريا “سينما” وبعض من هؤلاء وصلوا إلى مهرجانات عالمية، فما هو تفسيرك لهذه الظاهرة؟ وما رأيك في الجيل الجديد من المخرجين الهواة الذي أصبحوا يفرضون آراءهم الفنية بالرغم من سطحية الكثير منها؟ عن هذين السؤالين يجيب المالح قائلا: “في الحقيقة، أنا أحيّي كل من ساهم في نقل صورة لما يجري… فلقد استطاع العديد منهم أن يتواجدوا في قلب الحدث، بل إن الكثيرين قد دفعوا حياتهم ثمنا للقطات سريعة قلقة، ولكنهم يستحقون كل الاحترام لذلك.

وطبعا، لا يمكن تسمية ذلك بأنها كانت أعمالا سينمائية ولا جعلت من أصحابها مخرجين، ولكنها مجموعة من الوثائق التي تسجل حراك البشر من أجل الحرية، وآلة القتل التي جابهتهم. وفي هذا المجال، فالأمر لا يتجاوز أن يكون تحقيقا تلفزيونيا ولا يرقى إلى اللغة السينمائية. وبالرغم من ذلك، يجب علينا أن نفهم تعطش العالم لمشاهدة صورة عمّا يجري في سوريا من الداخل، وكان الرصيد الناتج ثريّا إلى أبعد الحدود. ولكنها أعمال لا تتجاوز أن تكون مواد إخبارية ولقطات يتيمة. والسينما هي أمر آخر… إنها رؤية وصناعة للحقائق في سبيل أن تقول من خلالها حقائق جديدة. وذلك باستثناء أعمال ذات أهمية خاصة مثل ( الطريق إلى حمص ) لطلال ديركي و(مشوار) لميار الرومي وعدد ضئيل آخر من الأعمال السينمائية التي استطاعت أن تكون صيغة ثقافية وإبداعية للثورة”.


خبز المذلة


تنوعت مواقف الفنانين والعاملين في الحقل الثقافي، وتراوحت بين الطرفين، هل من المعقول أن يفقد الفنان حساسيته تجاه الإنسان ورسالة الفن المطالبة بالتغيير والثورة ليلوم الضحية نفسها على موتها؟ يجيب المالح بقوله: “هنالك اعتقاد بأن الفنان هو صورة عصره ونبيه، ونحن لسنا مصنوعين من دارات وأسلاك، وإنما من شبكة من الأعصاب والمشاعر والأحاسيس وضغوط الحياة… ولا يمكن أن يكون الفن الذي ننتجه إلا نتاجا من بيئة ما نحن أبناؤها، وهنا، لا يقل الإنسان العادي عن الفنان سوى في أن الفنان يملك أدوات لا يملكها الآخر…

وأعتقد بأن النظام قد نجح في تكريس فكرة الطائفية، الأمر الذي انعكس وأفرز الكثير من المواقف. كما يجب أن لا ننسى أن لقمة الخبز مذلة في كثير من الأحيان، والعديد من الفنانين قد اعتاد نمطا مفاجئا من حياة مريحة، وهو لن يتنازل عنها ولو كان الثمن خيانة ضميره.

الثورة هي منظومة فكرية أخلاقية، وتستدعي أجمل ما فينا من علاقتنا بالواقع المعيش، وفي هذا الصدد، لدي إيمان بأن سوريا تمر الآن في أهم مراحل حياتها كوجود، ولا يمكن أن نقف كمتفرجين، فالموقف الآن هو موقف من سوريا الغد التي يريدها البشر… سوريا الكرامة والحرية، وهي ليست مسرحا نقف فيه في كراسي المتفرجين، فإما أن نصنع الغد الذي نتمناه أو يرمى بنا إلى مزبلة التاريخ. وفي الحقيقة، أنا لست في موقع محاكمة الآخرين على مواقفهم من الثورة، وبقناعتي أن كل سوري هو وطني حتى العظم، وفي نهاية الأمر، علينا أن نقبل بالآخر بشرط ألا يكون قد تاجر بالأمور، الديموقراطية التي أطالب بها تعني أنني لا أملك الحق في محاكمة الآخرين وإنما أن أسعى لأن نبني سوية سوريا التي نحلم بها، والتي آن الأوان لخلقها”.

يجب علينا أن نفهم تعطش العالم لمشاهدة صورة عمّا يجري في سوريا من الداخل وكان الرصيد الناتج ثريّا إلى أبعد الحدود


المواقف لا تتغير


من أين تستوحي لغتك السينمائية بشكل عام، وعند الحديث عن سوريا الآن، هل تغيرت حساسيتك البصرية والعاطفية تجاه الأشياء والأفكار وكيفية التعامل معها في سوريا؟ عن هذا يجيب المالح: “السينما هي اللغة الأسرع تطورا وتحولا وتأثيرا، بل إنها تبتكر بشكل دائم مفردات ولغويات وتعابير جديدة، ولا يضاهيها الآن سوى المبتكرات الممكنة لوسائل التواصل الاجتماعي، ولقد كنت واعيا لذلك منذ البدء، وكما أن هنالك مستجدات في لغة التخاطب، فهنالك مستجدات أيضا في وسائل التعبير، وأعتقد أننا لا نستطيع الحديث عن واقعنا المعاصر بلغة مقعرة تاريخية. لقد اختلفت الأدوات والوسائل، وعلينا أن نكون فنانين معاصرين على مختلف المستويات.

لا أدري إذا كنت قادرا على التعبير المعاصر، ولكنني أتذكر أنني في كل أعمالي السينمائية كنت أحاول أن أكون مجددا، وكان السؤال هو كيف وليس ماذا، ولنتذكر أفلام “إكليل الشوك” (1968) و”نابالم” ( 1970 ) و”الفهد” (1972) و”النافذة” وغيرها، لقد كانت كلها محاولات لاستنباط أشكال فنية مبتكرة وغير مسبوقة في السينما العربية حيث يكون الشكل الفني والأسلوب جزءا من مكونات المضمون وليسا أداة استعراضية شكلية. والآن، أحاول أن أجد اللغة والأسلوب المعاصرين لما يحدث اليوم. لقد اختلفت الأمور، وكثير من المفاهيم التعبيرية والجمالية في العقود الماضية كانت مبنية على أسس أيديولوجية صرفة أو على فقر في الثقافة، وكانت وسائل التعبير لا تتجاوز في مستواها المدرسة الابتدائية، ولكننا غدونا نعرف أن الفن المعاصر هو اكتشاف لمفردات جديدة تتواءم مع المستجدات على مختلف الصعد، حيث غدت وسائل التعبير أكثر اختزالا، كما أن هنالك الكثير من الرموز والإشارات قد غدت موحدة عالميا، وبذلك تجددت لغات التواصل البصري، ولكن المواقف الأساسية لا تتغير في النضال من أجل مجتمع حرّ كريم ومن أجل عالم جديد… سوريا التي نحلم بها”.

أرغب في حكاية قصص صغيرة وهنالك الآلاف منها عن مصائر البشر البسطاء الباقون منهم والذين تحت رحمة الحدث اليومي


براميل عمياء


في ظل كثرة الأعمال السينمائية الهاوية وشبه المحترفة هل ترى أنه من الممكن أن تقدم الثورة في سوريا صوتا سينمائيا أصيلا قادرا على التعبير عن المرحلة، يعلّق المالح قائلا: “لم يحصل أن أفلاما أنجزت عن ثورات في وقت حصولها. إذ أن هنالك ضرورة لاستيعاب وهضم المجريات وقراءة الأمور بمنظور تحليلي لا تسمح به الأحداث الساخنة والموت والدمار. ولكنني مؤمن بأن الحدث السوري سيكون مركزا للكثير من الأعمال.

الصوت السينمائي الأصيل ممكن، ولكنه يبقى غالبا في إطار إعادة صياغة للأخبار المصورة المتوفرة والتي هي غالبا ما تكون حافلة بشحنات إنسانية وحدثية غامرة، مثل ضحايا السلاح الكيميائي، أو جموع الناس النازحة على غير هدى، أو البراميل العمياء التي تدمّر، أو الأطفال الذين قتلهم الجوع أو البرد، كل هذا يقع في خانة الأخبار أو الأفلام القصيرة، وما زالت أقل من أعمال سينمائية. فالسينما هي استقراء للعديد من الجوانب ووضعها في سياق فكري ذي دلالة ومعنى تاريخي”.


الذي سيأتي


هل وجدت طريقة للتعبير عما يجري الآن وما تمر به سوريا..؟ يستطرد المالح :”أنا واقع مثل الكثيرين غيري في إشكالية إيجاد وسيلة للتعبير عما جرى ويجري… نحن في حالة البحث عن الأولويات… فالمشهد العام معقد للغاية… هنالك في الأصل ثورة من أجل الحرية والكرامة، وتمت مجابهتها بالحديد والنار والاتهامات. حاصرتني هذه الأفكار لمدة طويلة، واستقر بي المقام أخيرا على فكرة أن الثوار الذين يستشهدون يوميا هم في العشرينات من العمر، وهم في الغالب لم يعيشوا هذا التاريخ الأسود لهذا النظام، ولكنهم اتفقوا على أنه لا يمكنهم متابعة الحياة في ظل هذا الخراب… وهكذا كان شعارهم الأول هو ” الموت ولا المذلّة” الذي يختصر الكثير من القضايا المصيرية… وهكذا اكتشفت أن إعادة كشف تاريخ العقود الماضية التي قادت إلى الثورة تأخذ أولوية استثنائية، وهكذا كتبت سيناريو فيلم “الوشم السابع" وهو بانتظار الإنتاج. كم أرغب في حكاية قصص صغيرة، وهنالك الآلاف منها، عن مصائر البشر البسطاء، الباقون منهم، والذين تحت رحمة الحدث اليومي أو الذين انتشروا في بقاع الأرض يبحثون عن كرامة العيش، ولكنني أجد نفسي مدفوعا إلى محاولة رؤية الصورة الكلية، لنفهم ما الذي جرى ومحاولة استنباط ما سيجري”.

15