نبيل علي يزاوج الألم بالأمل في لوحات سريالية

بين التعبيرية والسريالية تحضر في لوحات الفنان التشكيلي نبيل علي ملامح من ملحمة جلجامش وكأنه يؤسّس عبرها إلى نوستالجيا مضت.
السبت 2020/10/31
كرسيّ تسيّد عالما يرزح تحت الخراب

تحضر معاناة الشعب العراقي ومشاغله اليومية بقوة في أعمال الفنان التشكيلي نبيل علي، وهو الذي تناول في أحد معارضه الشخصية الذي أقامه بالعاصمة المصرية القاهرة، مفردة القارب الورقي في تعبير عن المعاناة الدائمة للعراقيين، وما يتعرّضون له من مخاطر وأهوال خلال محاولاتهم الهجرة، بحثا عن أمن وأمان مشتهيين طال انتظارهما.

يسعى الفنان التشكيلي الشاب نبيل علي من خلال أعماله الفنية سواء تلك التي يُشارك بها في معارض فردية وأخرى جماعية أو التي ينشرها دوريا على صفحته الخاصة بفيسبوك، إلى توثيق ما يجري على الأرض في وطنه العراق منذ سقوط بغداد في العام 2003، وحتى الآن، جاعلا من الفن ملهاته عن مأساته الشخصية والجماعية إزاء وطن يرزح تحت وابل من جرائم القتل والفساد والمحسوبية.

وهو الذي يقول في حواره مع “العرب”، “الفنان هو ابن بيئته ويتأثّر بالأحداث التي تدور حوله وهو جزء من المجتمع، لذلك أنا أرى من واجبه أن يكون صاحب رسالة من خلال طرح أعمال فنية يعكس فيها ما يدور من أحداث سياسية، وأن يفضح ويكشف الوجه الآخر القبيح للسياسيين، لأن من غير المعقول أن يتخذ الحياد، هنا يصبح فنانا متواطئا وغير حقيقي. لذلك على الفن أن ينقل الأحداث بكل حذافيرها ويحاول إيجاد حلول من خلال طرح أعمال فنية تؤثر في المجتمع”.

وهذا الطرح نجده عميقا في لوحات علي السياسية، إن صحّ التوصيف، وربما تأتي اللوحة التي رسم فيها الفنان العراقي رجلا بدا في هيئة مسؤول سياسي نافذ، وهو يقفز على جثة أحد الموتى، من خلال لعبة القفز بالحبل التي طالما استمتعنا بها ونحن يافعون، فأنّى لذاك المسؤول أن يستمتع بلعبته في حضرة الموت وسكراته الأخيرة؟

سؤال مُربك يُجيب عنه أثر فني آخر اجتمع فيه خليط من الناس، شيب وشباب في غياب كليّ لحضور المرأة وسط مجتمع ذكوري إلى النخاع، وهم يشيرون إلى كرسيّ خاو من جالسه في جزء قصيّ من اللوحة، ما يحيلنا إلى تلك الرمزية المتوارثة في ثقافتنا العربية عن الكرسيّ بأبعاده الشمولية، فهو عين الداء وسبب شقاء الشعوب.

عن الجائحة وأهوالها

نبيل علي: من واجبي كفنان أن أكشف وأفضح الوجه الآخر القبيح للسياسيين
نبيل علي: من واجبي كفنان أن أكشف وأفضح الوجه الآخر القبيح للسياسيين

لوحات تناولت الأوضاع المتردية بالبلد وتفشيها أكثر فأكثر عاما بعد عام، حالها في ذلك حال وباء كورونا الذي عمّ العالم فأربك الناس وحرّاس صحتهم على السواء.

وباء تناوله الرسام العراقي الشاب بشيء من التهكّم الأليم في آخر أعماله الفنية، فنرى في إحدى لوحاته باذخة الألوان رجلا يجلس على كرسي وثير، كرسيّ تسيّد العالم، وهو بكامل أناقته وألقه الشكلي إلاّ على مستوى الرأس الذي جاء دائريا/ فايروسيا في إشارة صريحة إلى الحرب الجرثومية التي يعيشها العالم الاستهلاكي المنهك اقتصاديا واجتماعيا، بل وصحيا، اليوم.

فايروس مقيت يأتينا في لوحة أخرى على شكل فقاقيع من الصابون ينفثها رجل/ مسخ في الهواء الطلق من رئتين مريضتين، ناشرا الوباء على الجميع وهو يمرح بلعبته القاتلة.

وفي ثالثة تتقيّأ فيها ثلاثة رؤوس من بعضها البعض مُستفرغة ما في أحشائها من الوباء علّها تنجو بنفسها، والحال أنها لن تنجوا أبدا، طالما رمت ما في جوفها على أرض ستدوسها أقدام أخرى، تُعيد عجلة دوران الفايروس إلى المربّع الأول من العدوى المرضية.

وهو ما عبرّت عنه لوحة رابعة تظهر فيها مدينة، ربما عربية أو غربية، فهذا غير مهم، إنما المهم هنا أنها خالية من سكانها عدا أرواح محلّقة بكمامات طبية متجهة إلى مكان بات معلوما للجميع، إنه الفناء الأزلي.

لوحة معبّرة تشي بعالم ديستوبي سيشمل الأرض وما عليها، وإن ظلت القطط والكلاب الشاردة تعبث في فضاء المدينة المهجور، فالأكيد أن تسكّعها الحيني لن يطول.

سردية بصرية موجعة للجائحة، يقدّمها نبيل علي بشكل كاريكاتيري ساخر أحيانا وصادم في الغالب، حفّزت فينا السؤال التالي: هل ما عاد الوباء مُخيفا بالنسبة للمواطن العراقي الذي جُبل على المآسي، لتقدّمه بكل هذا التهكّم؟

وعنه يجيب “كما أسلفت وقلت، الفنان جزء من المجتمع، ووجب عليه أن يتفاعل مع هذه الأزمة الصحية العالمية، ويُسهم في توعية الناس ويُغيّر من سلوكياتهم في أضعف الحالات، من هناك شعرت أنه من واجبي تناول الجائحة بشكل كاريكاتيري صادم، كي تصل الفكرة بسهولة لكل الفئات المجتمعية والشرائح العمرية وتكون رسالة واضحة وحقيقية”.

أزمات متعاقبة

عراق التاريخ والحضارة الذي كان
عراق التاريخ والحضارة الذي كان

بين التعبيرية والسريالية تحضر في لوحات نبيل علي ملامح من ملحمة جلجامش، وكأنه يؤسّس من خلالها إلى نوستالجيا مضت، وعن ذلك يقول الفنان العراقي الشاب “من الطبيعي في بلد مثل العراق له حضارة عظيمة ومؤثرة في العالم القديم والحديث، أن تحضر تأثيراتها بشكل مقصود أو غير مقصود في أعمالي من خلال توارث الجينات، فالإنسان العراقي القديم كان مبدعا في مجال فن الرسم والنحت وقدّم أعمالا مهمة أثْرت العالم”.

ويسترسل “في بعض الأحيان عندما أرسم تخرج أشكال وموضوعات ترتبط عفويا بالرسوم الجدارية القديمة مثل الأجنحة على الأشخاص، وهي موجودة في الرسوم والمنحوتات الأثرية وتمثل الإله والملك وأيضا طريقة اللحى والإكسسوارات، والألوان الترابية في بعض الأعمال هي امتداد لحضارتنا العريقة، واختياري لثيمة الرجل والمرأة وهما يمتطيان ظهر حصان، فيه إشارة لسعيهما الدؤوب نحو الخلود والحياة الأبدية، وهذا طبعا غير مقصود، فعندما أضع اللوحة وأبدأ بالرسم لا أعلم ماذا أريد أن أرسم ولا أحضر سكيتش، فتخرج هذه الأشكال بشكل عفوي، وهنا أترك للمتلقي حرية قراءة العمل وتأويله”.

وإن بدت إجابة نبيل علي عن سؤال “العرب” منفتحة على التأويل والقراءات المتعددّة من قبل المتلقي حسب ثقافته ومدى إلمامه بتاريخية التشكيل العراقي، فالثابت أن تاريخ العراق وأحياءه الشعبية، موضوعات حاضرة وبقوّة في أعماله التشكيلية، مثل رموز الحضارات العراقية المتعاقبة كالبابلية والسومرية، وعمارة “الشناشيل”،
وهي العمارة البغدادية التي يزيد عمرها على 150 عاما، وغيرها من اللوحات التي تحضر فيها روح العراق القديمة.

وهو الذي يؤكّد أن “الشرق بثرائه وغناه من حيث موضوعاته وطبيعته وتاريخه ومعالمه، هو الأقرب إلى قلبه”، مشيرا إلى أنه يستهويه الشرق بكل تفاصيله وهو الملهم له، وأنه كثيرا ما يرسم الخيل العربي كأحد المفردات العربية والشرقية البارزة.

وغير بعيد عن الاستلهام من الشرق في أشكاله ومفرداته التشكيلية يحضر اللون في لوحات علي مزيجا بين الضوء الساطع المتفائل وبين الترابي الفاتر الذي يحيل إلى القتامة والألم، لتسأله “العرب”، أي قصدية من وراء هذا المزج؟

الرسام يجعل من الفن ملهاته عن مأساته الشخصية والجماعية إزاء وطن يرزح تحت وابل من جرائم القتل والفساد والمحسوبية

ويجيب “الألوان في العادة تعبّر عن حالتي لحظة الرسم، فإذا كان المزاج والوضع العام ملؤه السعادة والأجواء الإيجابية تنعكس تلك الحالة على لوحتي بألوان مفرحة ومضيئة، وأما إذا كان الجو العام حزينا بسبب الظروف القاسية الذي يعيشها المواطن العراقي ومن ثم العراق، هنا تكون الألوان قاتمة وحركات الفرشاة فيها انفعال قوي، وفي بعض الأحيان تنكسر الفرشاة بين أناملي أثناء الضغط القويّ عليها، نتيجة المزاج الذي أمرّ به حينها، فلكل لوحة قصة ومزاج مختلفين ولكل لون إحساسه الخاص”.

ويضيف “الألوان في النهاية، عندي بمثابة رسائل أودّ من خلالها التعبير عمّا يدور حولنا من أحداث اجتماعية وسياسية وأيضا صحية، كما هو حالنا الآن مع جائحة كورونا”.

ونبيل علي من مواليد بغداد في العام 1980، متحصل على دبلوم معهد الفنون الجميلة 2003، وبكالوريوس كلية الفنون الجميلة ببغداد 2009، وهو عضو جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين وعضو نقابة الفنانين التشكيليين العراقيين وأستاذ في كلية التربية الفنية الجامعة المستنصرية.

له العديد من المعارض الشخصية منها “للأنثى حديث وموسيقى” في العاصمة الأردنية عمّان (2016)، و”قوارب ورقية” في القاهرة (2017)، و”أسفار” في القاهرة (2020)، كما له معرض شخصي افتراضي على موقع وزارة الثقافة العراقية (2020). وأعماله مقتناة في العديد من دول العالم كتركيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والأردن والإمارات وقطر.

تشكيل

14