نبيل فهمي.. دبلوماسي بدرجة مفكر

السبت 2013/09/28
نبيل فهمي: "30 يونيو فرصة ثانية للديمقراطية في مصر"

لم يتم اختيار السفير نبيل فهمي وزيرا للخارجية المصرية في أعقاب ثورة 30 يونيو، اعتباطيا، ولكن بناء على رؤية صحيحة وثاقبة تتوافق وما تستلزمه المرحلة القادمة في تاريخ مصر من عمل دبلوماسي وطني واع يقوم على فكر وخبرة ودراسة نظرية وعملية للساحة العربية والإقليمية والدولية وخاصة الساحتين الغربية والأميركية، واطّلاع واسع على مجريات الأمور في القضايا العربية والإسلامية، وموقف واضح مما يتهدد أمن مصر داخليا وخارجيا، ويستطيع قراءة الأهداف والمصالح واستيعابها ومواجهتها بما يحمي مصالح مصر وأهدافها ويحافظ على استقلالية إرادتها الوطنية.

وهو ما يتحقق في «فهمي» الذي ولد وتعلم في أمريكا ونشأ وعاش في كنف الدبلوماسية ممثلة في والده السفير إسماعيل فهمي وزير خارجية مصر في عهد الرئيس أنور السادات، ثم عمله الرسمي الحكومي بدءا من عام 1974 حيث تم توظفيفه في رئاسة الجمهورية في مكتب مدير مكتب الرئيس السادات للمعلومات والعمل السياسي أشرف مروان.

وبعد سنوات انتقل للعمل لستة أشهر في مكتب الرئيس مبارك، قبل أن تبدأ رحلته داخل الدبلوماسية حيث عمل في ديوان وزارة الخارجية في عدة إدارات منها التخطيط السياسي فعمل مستشارا سياسيا لوزير الخارجية عمرو موسى في التسعينات قبل تعيينه سفيرا لمصر في الولايات المتحدة لعدة سنوات بين عامي 1999 و2008.

وعلى مدار ما يزيد على أربعين عاما كان لـ «فهمي» مواقفه الثابتة والواضحة، انطلاقا من قناعته التي لخصها في قوله إن «المصلحة المصرية لها أولوية بصرف النظر عن أهواء المسؤولين أو إرضاء الأجانب، وقد التزمت بذلك طوال عملي الدبلوماسي وما بعده».

وقد تجلى ذلك في طلبه من الرئيس مبارك إلغاء زيارته لأميركا في عام 2004 بسبب نية الرئيس جورج بوش الإبن تسليم رئيس الوزراء الإسرائيلى شارون خطابات ضمان تؤكد تأييد أميركا لاحتفاظ إسرائيل بالتجمعات الاستيطانية الكبرى وعدم عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى إسرائيل.

إلا أن الرد جاءه بأنه لا يمكن الاعتذار عن دعوة لزيارة الرئيس في مزرعته الخاصة، وهكذا فعل قبل الغزو الأميركي للعراق بتسعة أشهر حين أبلغ مبارك، فما كان من الأخير إلا أن أرسل آخرين لإقناع بوش بعدم الغزو.

وأخيرا رفضه طلب مبارك أن يكون وزيرا للخارجية لشعوره بأن مصر تمضي فى طريق الانكماش الخارجى، وأن المهمة المطلوبة هي إدارة هذا الانكماش على المستوى الإقليمي والدولي مع تحسين الصورة بقدر الإمكان.

ومثّل «فهمي» مصر عضوا في البعثات المصرية للعديد من المؤتمرات والاجتماعات الحكومية الدولية لعملية السلام في الشرق الأوسط بما في ذلك مؤتمر مدريد للسلام عام 1991. وأيضاَ الأمن الدولي وقضايا نزع السلاح والطاقة النووية، وكذلك مؤتمرات مراجعة معاهدات الحد من الانتشار النووي؛ ومقرر بلجنة المبادئ في مؤتمر الأمم المتحدة حول تعزيز التعاون الدولي في مجال استخدامات الطاقة النووية للأغراض السلمية؛ ومجلس الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومؤتمرات عامة والكثير من جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 1977.

وتم انتخابه نائب رئيس اللجنة الأولى المعنية بنزع السلاح وشؤون الأمن الدولي في الدورة الرابعة والأربعين للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1989، وفي 2009 أصبح عميدا مؤسسا وأستاذا ممارسا بكلية الدبلوماسية الدولية للشؤون العالمية والسياسات العامة، الجامعة الأميركية في القاهرة.

يملك فهمي منهجا وفكرا خاصين في الدبلوماسية الدولية للشؤون العالمية يمكن التعرف على ملامحهما من خلال قراءة مقالاته وبحوثه وكتبه ومتابعة محاضراته التي تناولت على نطاق واسع سياسة الشرق الأوسط والتنمية وصنع السلام والأمن الإقليمي ونزع السلاح ووضع الدبلوماسية المصرية قبل ثورة 25 يناير ومستقبلها بعدها.

كما أن لديه تصورات متكاملة ومتجددة للشأن الداخلي المصري وما يجري على الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية تكشف عن رؤية ثاقبة، ومما يؤسف له أن الكثيرين من السياسيين وأصحاب القرار في الفترة التي أعقبت ثورة 25 يناير وحتى سقوط الرئيس المعزول محمد مرسي لم يلتفتوا لما يمكن أن يلعبه فهمي من دور وطني مهم في السياسة الخارجية، فضلا عن إغفالهم قراءة كتاباته ودراساته حول المشهد الداخلي العام وتأثير مجرياته على العالم الخارجي ومتابعتها.

بعد ثورة 25 يناير حدد «فهمي» في مقال نشره في أغسطس 2011 وأعاد نشره بتوسع في يناير 2012، أن أول مرحلة تطوير مطلوبة في سياستنا الخارجية تقع خلال المرحلة الانتقالية «في ظل وجود المجلس العسكري وحتى انتهاء الانتخابات الرئاسية في يونيو 2012».

وخلال الأشهر القادمة، مطلوب أن تركز السياسة الخارجية المصرية على وضع أرضية متينة وسوية لانطلاقة مصرية في السياسة الخارجية، عقب انتهاء سلسلة الانتخابات، وذلك من خلال التركيز على الخطوات التالية:

1 - مراجعة علاقات مصر بمختلف دول العالم واتفاقياتنا الخارجية لتحديد أوجه القصور والتمييز فيها.

2 - تقويم هيكل وآليات العمل في إطار وزارة الخارجية المصرية، حيث اتسم الأداء في نهاية العقد الأول من هذا القرن بالسطحية ورد الفعل، واقتصر على الإدانة والشجب دون منهجية أو ابتكار أو مبادرة، وخلقت وظائف وألقابا لمراعاة أفراد، بدلا من تأهيل أفراد لأداء مهام محددة.

3 - التواصل مع مواقف مصر التقليدية عربيا، خاصة القضية الفلسطينية، سواء كان ذلك في الأمم المتحدة أو في التواصل مع كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.

4 - تقويم العلاقة بين مصر ودول حوض النيل، حيث تكون العلاقة قائمة على الاحترام، سعيا لتحقيق حلول تحقق المصلحة المشتركة.

5 - إعداد دراسة جادة وموثقة عن التحديات والأولويات المصرية من 2012 إلى 2022، لتكون أمام النخبة السياسية المصرية التي سيتم انتخابها في الأشهر القادمة، بمن في ذلك المرشحون للرئاسة، مع نشر ملخص لها على الرأي العام، والذي من حقه أن يكون على دراية كاملة بالتحديات والفرص المتاحة لمصر مستقبلا.

وطالب فهمي أن تكون السياسة الخارجية متسقة مع الأحداث التاريخية التي شهدتها الساحة المصرية، حيث تعكس مبادئ الثورة وقيمها وأهدافها، وأهمها المشاركة المجتمعية، والحرية، والعدل الاجتماعي. وهي مبادئ يجب أن نتبناها ونحن نعيد تصدر مكانتنا في العالم العربي وإفريقيا، ونسعى إلى قيادة المنطقتين إلى مواقع أفضل من المنظومة الدولية.

وهذا واجب ممكن ومتاح، بتبني مصر- علي سبيل المثال- مبادرة شعبية سلمية بالتعاون بين الحكومات والمجتمع المدني للتحضر الفكري والمجتمعي، تترجم من خلال حركات فكرية تتبناها «جامعة القاهرة» على سبيل المثال، أو تحالف من المجتمع المدني، بدعم من الحكومة المصرية، أو «مكتبة الاسكندرية»، لتؤثر تدريجيا في تنوير الفكر المجتمعي العربي والإفريقي، ومن ثم العلاقة بين مختلف فئات المجتمع، وفقا للتقاليد والظروف والمعدلات المقبولة في كل مجتمع.

لكن هذا لم يحدث وغرق الجميع وأغرقوا البلاد والعباد في الصراع السياسي والديني والشخصي، فكانت النتيجة التي أدركها كارثية، لقد ورط الرئيس الإخواني وجماعته وحلفاؤه وفشل النخب السياسية المدنية مصر سياسيا في الداخل والخارج، فكتب في يناير 2013 تحت عنوان «هل أفلست مصر سياسيـًا؟» مؤكدا أن «مصر وصلت إلى منعطف خطير لأن الداخل والخارج فقدا ثقتهما في المنظومة السياسية».

وكتب في أبريل من نفس العام تحت عنوان «مصارحة الشعب ضرورة واحترامه واجب قبل فوات الأوان» «عامان بعد ثورة 25 يناير ومصر تعيش نصرا بطعم الهزيمة لسوء إدارة المجلس العسكرى للجزء الأول من المرحلة الانتقالية، بمفهوم أمني على حساب النظرة السياسية الواجبة ولإخفاق التيار السياسى غير الديني في التوحّد فبعثر مؤيديه بين المرشحين في الانتخابات، ولسعي التيارات السياسية الدينية الإخوانية والسلفية فرض فلسفتهما السياسية على الآخرين، بدلا من تحمل مسؤولية قيادة البلاد، بمختلف طوائفها وفئاتها دون تفرقة أو تمييز».

مع تزايد تصريحات بعض الدول عن وقف المساعدات أكد "فهمي" أن القرار المصري لن يخضع لأي ضغط خارجي، معلنا أن التهديد بوقف المساعدات مرفوض، لأن الكرامة المصرية عالية ولن تهتز

وإذا كان اختيار فهمي أمرا موفقا فإن موافقته كذلك على قبول المنصب الذي رفضه أكثر من مرة قبل ثورة 25 يناير وبعدها ليست إلا تلبية الجندي لندء الواجب الوطني وإدراكا ووعيا منه بخطورة ما يتهدد البلاد خارجيا، حيث كانت المواقف الأميركية والأوروبية منذ 3 يوليو تصعد ضد القوات المسلحة وقياداتها معتبرة أن ما جرى ليس ثورة شعبية ولكنه انقلاب عسكري، مهددة بقطع العلاقات والمساعدات ووقف بيع الأسلحة، حتى بدا التدخل في الشأن المصري تآمريا بامتياز.

وقبل «فهمي» ووضع كامل إمكانياته في السياسة الخارجية تحت إمرة الواجب الوطني وبدأ التحرك على كافة المحاور العربية والإقليمية والدولية منذ 17 يوليو 2013 اليوم الأول لتوليه الوزارة، مؤكدا أن مصر تمر بمرحلة انتقالية ليست سهلة، ولكن هذا لا يمنعها عن تأدية دورها الإقليمي والدولي وعن مسؤولياتها التي اضطلعت بها دائماً تجاه جيرانها والعالم العربي والقضية الفلسطينية والقارة الأفريقية .

وخلال الأيام الأولى اتصل وتلقى اتصالات من وزراء خارجية أميركا والدول الغربية، وأجرى العديد من الحوارات مع وسائل الإعلام الغربية والأميركية، واجه فيها المعلومات المغلوطة التي تصل للإعلام الغربي عن تطورات المشهد السياسي المصري عقب ثورة الثلاثين من يونيو، فقدم فيها شرحاً لحقيقة التطورات التي تمر بها مصر، وأكد التزام الحكومة بإقامة ديمقراطية حقيقية راسخة لأن هذا يعد مطلبا أساسياً للشعب المصري وبما يضمن مشاركة جميع القوى السياسية، بما في ذلك التيار الإسلامي، دون إقصاء أو استبعاد لأي فصيل طالما كان هناك التزام بالسلمية واحترام القانون الذي يطبق على الجميع دون استثناء.

كما عقد مؤتمرا صحفيا أعلن خلاله عن خطته لإعادة هيكلة وزارة الخارجية بما يتناسب مع التحديات الداخلية والإقليمية والدولية التي تواجه البلاد ومع مطالب المصريين بالخارج. وتشمل تمكين شباب الدبلوماسيين من المشاركة الفعالة في عملية اتخاذ القرار بالوزارة وإنشاء وحدة مستقلة ومتخصصة في مجال نقل التكنولوجيا في مصر وتوطينها.

وكتب مقالا كاشفا واجه فيه الادعاءات الأميركية ضد ثورة 30 يونيو، نشر بـ"واشنطن تايمز" تحت عنوان «فرصة ثانية للديمقراطية في مصر»، أشار فيه بوضوح إلى أن ثورة الثلاثين من يونيو مثلت فرصة ثانية لتحقيق الديمقراطية في مصر بعد أن ثار الشعب المصري مجدداً لاستكمال تحقيق أهداف ثورة الخامس والعشرين من يناير المجيدة، وهو أمر نادر الحدوث في تاريخ الأمم.

إضافة إلى أن الملايين من جماهير الشعب المصري خرجت في واحدة من أكبر المظاهرات الاحتجاجية في التاريخ الحديث لتعبر عن سخطها الشديد إزاء فشل النظام السابق في إدارة البلاد والذي تراكم على مدار أشهر عدة، حيث بات الاقتصاد على شفا الانهيار، وتعرضت الحياة السياسية لشلل تام، وتفاقم الانفلات الأمني، وتمثلت أكبر المساوئ في سعي جماعة الإخوان المسلمين لاحتكار السلطة وتقسيم المجتمع وفق رؤية دينية انعزالية وضيقة، الأمر الذي نزع الشرعية عن الرئيس السابق وكان سبباً مباشراً في تحريك الموجة الثانية من الثورة.

أكد «فهمي» أن تدخل القوات المسلحة تجاوباً مع الإرادة الشعبية بعزل الرئيس السابق لم يكن الخيار الأفضل لدى القوى السياسية المعارضة للنظام السابق ولا للقوات المسلحة نفسها.

فقد تمثلت المطالب الشعبية والسياسية في المطالبة بالتغيير عبر الآليات الديمقراطية من خلال انتخابات رئاسية مبكرة، وهو المطلب الذي لم يلق استجابة من النظام السياسي السابق، الأمر الذي وضع القوات المسلحة أمام بديلين إما التدخل بعد اندلاع حرب أهلية بين أبناء الشعب المصري أو التدخل مبكراً بدافع وطني لدرء هذه المخاطر الكارثية المؤكدة، وقد اختارت القوات المسلحة البديل الثاني.

وقال إن كلا من القيادة السياسية المؤقتة والحكومة التي تشكلت مؤخراً والمؤسسة العسكرية يدرك تماماً المهام الموكلة إليه بضرورة الالتزام بتنفيذ خريطة الطريق التي توافقت عليها القوى السياسية والأزهر والكنيسة والتي تتضمن تعطيل الدستور مؤقتا وإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية وفقاً للتوقيتات الزمنية الواردة في الإعلان الدستوري حتى يمكن إنهاء المرحلة الانتقالية بنجاح وسرعة تسليم السلطة لقيادة مدنية منتخبة.

وأوضح أن أولويات الحكومة في مقدمتها إنقاذ الاقتصاد المصري ومواجهة عجز الموازنة وتحسين مستوى الخدمات التي تقدم للمواطنين واستعادة الأمن وحكم القانون في الشارع المصري.

وبعد فض اعتصاميْ رابعة والنهضة وقيام جماعة الإخوان وحلفائها بإعلان حرب منظمة على المصريين مسلمين وأقباطا والتعدي على الكنائس وأقسام الشرطة والمنشآت الحكومية والممتلكات الخاصة، وسط تواطؤ أميركي أوروبي واضح، قام «فهمي» بحملة قوية من الاتصالات المكثفة والمتواصلة مع نظرائه في العالم كاشفا حقائق الأعمال الإجرامية، بما يمثل تصعيداً خطيراً ضد الدولة ومؤسساتها وتهديداً للأمن والسلم الأهلي.

14