نبيل قديش: العمى يدفعنا هنا إلى نهاية النفق المضيء

الكاتب التونسي يعتبر أن الرواية تحاكي بشكل غير مقصود الحالة التونسية على جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

الأربعاء 2019/08/28
العمى الحقيقي هو عمى القلب والبصيرة

هناك ثيمات أدبية وفنية يعاد الاشتغال عليها دائما ولكنها لا تنضب حيث تنمو مع الإنسان وبه، فثيمة مثل الحب أو الشجاعة أو الوطن وغيرها، كلها لا تزال إلى اليوم محل اشتغال المبدعين على اختلاف انتماءاتهم من كتاب وشعراء ومسرحيين ورسامين وغيرهم. من الثيمات الخالدة كذلك نجد ثيمة العمى، وربما يتبادر إلى أذهاننا مباشرة رواية “العمى” للكاتب البرتغالي خوسي ساراماغو أو الدور البديع الذي أداه ألباتشينو كأعمى في فيلم “عطر امرأة”، وكثيرة هي الأعمال التي كان العمى فيها ثيمة خلاقة أضاء من خلالها المبدعون على أكثر المناطق عتمة في الذوات البشرية. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الكاتب التونسي نبيل قديش الذي اختار ثيمة العمى محورا لروايته الأخيرة.

تونس - بعد “العبث مع نيتشه” و“زهرة عباد الشمس” و“شارلي” يصدر للكاتب التونسي الشاب نبيل قديش عمل روائي جديد يحمل عنوان “بياض العين”. وتصدر الرواية عن مؤسسة الانتشار العربي ببيروت ومن المنتظر أن تطرح في المكتبات ومعارض الكتب العربية قريبا.

الرواية من الحجم المتوسط في مئتين وستين صفحة اختار الكاتب أن يبوبها في ثلاثة أقسام أو أبواب وفيها يتابع السارد أمجد الطبيب الحالي استعراض فترة مفصلية من عمره، كما يفرد جلدا فوق طاولة جراحة التجميل، متتبعا بمشرط الجراح وعين الطبيب النفسي تشوهات وكدمات الماضي.

أمجد يكتشف في سن التاسعة أن أباه أعمى وأن لطخة بيضاء كبيرة تفيض على سواد كل من عينيه، حين سقطا في حفرة عميقة وقد عول أحدهما على الآخر.

عشر سنوات كاملة يقضيها أمجد في حفرة الحيرة والسؤال حتى نجاحه في الثانوية العامة وذهابه لدراسة الطب من أجل تحقيق الحلم في أن يصبح جراح عيون، وهنا نكتشف الكثير لا عن واقع أمجد وعلاقته بأبيه فحسب بل أيضا عن واقع حياة اجتماعية كاملة، تشوبها الضبابية والعمى.

العمى والضوء

"بياض العين" رواية تحاكي واقعا تونسيا ضبابيا
"بياض العين" رواية تحاكي واقعا تونسيا ضبابيا

العمى ثيمة روائية ثرية اشتغل عليها أكثر من كاتب، يقول نبيل قديش في تصريح خاص لـ”العرب” إن “العمى ثيمة قديمة وقع الاشتغال عليها ليس أدبيا فقط من قبل كتاب كخوسي سراماغو في رواية العمى أو في مالك الحزين للكاتب المصري إبراهيم أصلان، بل في السينما والموسيقى والرسم وغيرها من الفنون. لا ننسى رائعة الكيت كات وهو فيلم لداود عبدالسلام اقتباسا عن مالك الحزين. طبعا هي ثيمة كلاسيكية متجددة ومتقلبة ما دامت مرتبطة بالإنسان على اعتباره كائنا متقلبا. وفي رواية ‘بياض العين‘ ثيمة العمى تناولتها من الجانب المضيء والحميمي فيها. العمى يدفعنا هنا إلى نهاية النفق المضيء”.

في سؤال “العرب” لقديش إن كان يمكن اعتبار “بياض العين” إسقاطا لواقع تونسي يعيش بياضا ضبابيا بلا دليل أو وجهة واضحة؟

يجيب الكاتب “ربما تكون تحاكي بشكل غير مقصود وبريء الحالة التونسية على جميع الأصعدة، بما فيها السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، ألسنا نتخبط ونتقلب متلمسين دربنا بصعوبة؟ ألم نكن عميانا ديمقراطيا على الأقل طيلة نصف قرن أو ما يزيد؟ الآن يبهرنا ضوء الانتقال الديمقراطي بعدما ظللنا مغمضي الأعين لعقود. أعتقد أنني كتبت الرواية بخليط من الأمل واليأس والتردد، فيه ما هو متأت من داخلي وفيه ما جاء من تأثيرات الواقع المحيط بي. لكنني أظن في النهاية سنبصر الطريق كوطن وكأمة”. إذا كان البياض عند محمود درويش مثلا يعني عالم الموات، فالبياض بالنسبة إلى قديش يعني خزان حياة. إنه، كما يقول، لا يعني الموت أبدا. مضيفا “تعرف حين تقترب جدا من فاقدي البصر تكتشف أن حاسة السمع عندهم قوية جدا مثل حاسة اللمس أيضا. هم يعوضون فيكتسبون مدارك أخرى نفتقدها نحن الأصحاء كما نعتقد. بالنهاية العمى الحقيقي هو عمى القلب والبصيرة”.

الاختلاف عن الذات

ينطلق قديش في أعماله الروائية من جانب مهمل وجزئي مثلما هو الأمر في روايته “شارلي”، ليقحم من خلالها رؤى أوسع، أما هذه الرواية فقد حاول فيها أن يكون مختلفا عن نفسه في المرات السابقة.

يتابع الكاتب “في ‘العبث مع نيتشه‘ و‘زهرة عباد الشمس‘ و‘شارلي‘ شعرت أن نفسي الروائي قصير ومتلهف نوعا ما. في بياض العين سردت على مهل. سيلاحظ القارئ الذكي الفروق”.

وفي ختام حديثه لـ“العرب” يلفت قديش إلى أن له رواية ستنشر قريبا بعنوان “الركض في المنخفض” وستكون بوتيرة مختلفة أيضا، كما يعد قراءه. مضيفا “أكره أن أكرر نفسي في كل مرة. وأحاول أن أجعل السارد يتخلى عن جبة نبيل قديش في كل مرة ليلبس جبته الخاصة به”.

يذكر أن نبيل قديش قاص وروائي وإعلامي ثقافي تونسي، نشرت مقالاته في عدة صحف ونشريات عربية. حازت مجموعته القصصية “العبث مع نيتشه” 2014 على جائزة الكتام آر للقصة، فيما نالت روايته “زهرة عباد الشمس” جائزة الكومار الذهبي فرع المؤلف الشاب لأحسن الروايات التونسية سنة 2015 كما وصلت روايته “شارلي” إلى القائمة القصيرة لجائزة معرض تونس الدولي للكتاب خلال دورة 2016.

وتحصل قديش على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون لكتابة الرواية وشارك في ورشة البوكر للكتّاب الشبان العرب في عمان 2017.

15