نبيل معلول مدرب يمتهن إدارة اللعبة شفاهيا

السبت 2017/05/20
نبيل معلول اختيار مر في زمن عودة كرة القدم التونسية

تونس- عالم التدريب في كرة القدم متغيّر ولا يقف عند حدود معينة. فن إدارة اللعبة والتحكم في نواميسها وخوض غمارها لا يدخله إلا الفنيون الأكفاء ممن تعرّقت أزياؤهم وخبروا الأرضية جيدا. الكثير من الأسماء اللامعة في عالم التدريب خطت طريقها بثبات في مختلف الدوريات شعارها العمل والنضج وابتكار أساليب جديدة.

عندما نستمع إلى أبرز المدربين اللامعين في أوروبا خلال الندوات الصحافية وأثناء التعاليق التي تتبع المباريات نصاب بالحرج لشدة وقوفهم على نقاط الفشل قبل النجاح. المدرب المتمرّس يتلفظ بالأخطاء التي وقع فيها لاعبوه قبل الثناء على المردود الإيجابي الذي قدموه.

الأمر مختلف في البلدان العربية. أول من تطاله مقصلة النقد داخل الملعب الحكم، فأرضية الملعب ودرجة حرارة الطقس وغيرها من التعلات والأسباب الواهية. خارج الملعب شيء ثان.

مدربون يمتهنون أشياء كثيرة مثل التعليق والتحليل الفني على المباريات وغيرها على غرار المدرب الجديد لمنتخب تونس نبيل معول، الذي برز اسمه مع قناة الجزيرة الرياضة قبل أن تتحول إلى بين سبورت أكثر من بروزه في أمم أفريقيا 2004 بتونس كمدرب مساعد للفرنسي روجي لومار.

اختيار على المقاس

طرق المدير الفني الجديد-القديم نبيل معلول باب الاتحاد التونسي لكرة القدم وسط تبادل للضحكات مع الرئيس وديع الجريء مؤخراً، تخلله مؤتمر صحافي أعلن فيه الأخير عن تنصيب معلول رسميا على رأس الإدارة الفنية لمنتخب تونس لكرة القدم. وأنهى نبيل معلول بذلك مسلسل البحث عن خليفة للفرنسي البولوني هنري كاسبارجاك.

المزاد انتهى فعليا على معلول خصوصا بعد رفض رئيس الترجي التونسي حمدي المؤدب الترخيص لفوزي البنزرتي للإشراف على حظوظ “نسور قرطاج” في أعقاب الجلسة التي جمعته بوديع الجريء الذي أبدى رغبة ملحة في الظفر بخدمات مدرب الترجي الرياضي، لكنه خيّر عدم التصعيد مع إدارة الأحمر والأصفر لأنه يدرك العواقب جيّدا.

لم يجد الجريء ما يبرر به اختياره لنبيل معلول في الوقت الراهن سوى تواجده في حل من كل ارتباط مع رفض نادي باب سويقة تسريح مدربه بعد أن تذرّع بتواصل التزامات سامي الطرابلسي مع السيلية القطري رغم تأكيد الأخير على أنه جاهز لتلبية النداء، وهو ما جعل رئيس الجامعة يعتبر “الكابتن” معلول خياره الأوحد والوحيد.

ولأن حجة العاطل قد لا تكفي فقد كان لا بد من مستند جديد لذلك فقد تم تسريب خبر رفض معلول لعرض المنتخب العراقي تدليلا على أن الأخير رفض “أسود الرافدين” من أجل عيون نسور تونس.

السجل الخالد للمدير الفني الجديد، الذي لا ينكره أي كان سواء كلاعب أو كمدرب على فترات، لا يشفع له حسن الاختيار والتوقيت والظرفية المناسبة لتولي القيادة لجهة حساسية المرحلة والانتظارات المعلقة على المنتخب في الفترة المقبلة

بدا الجريء مصرا على مساعدة تونس في أزمتها الخانقة التي تعاني منها منذ أمد بعيد وهي البطالة. فبعد أن اخترع مشروعا للمساهمة في تقليص بطالة خريجي معاهد الرياضة، من خزينة الوزارة طبعا، جاء الدور على “الحاج”، كما يلقب في تونس، نبيل معلول ليخلصه من البطالة رغم أنه لم يكن كذلك باعتبار ما يتقاضاه من التحليل الفني داخل أستوديوهات البين سبورت القطرية ليوفر موطن شغل لصديقه ورفيق دربه.

اسم ثان يتردد بكثرة في الأوساط الرياضية في تونس وهو من بين الأسماء المطروحة التي ستنضم للعمل مع الجهاز الفني المعاون لنبيل معلول هو المحلل الفني نادر داود الذي لوحظ غيابه عن حصص الأحد الرياضي في القناة التلفزيونية الأولى في الفترة الأخيرة، حيث تشير العديد من المعطيات إلى أنه من المنتظر أن يكون ضمن الإطار الفني المساعد للمنتخب، علما وأنه كان موعودا بمنصب صلب الإدارة الفنية من قبل.

داود الذي كان سجله خاليا كلاعب والذي فشل كمدرب أينما حلّ خط له مسيرة طويلة من الطأطأة واتباع أسلوب المهادنة مع الجامعة التونسية لكرة القدم، فجاءت مكافأته الأولى بمنحه فرصة التواجد إلى جانب معلول ضمن الإطار الفني للمنتخب الكويتي ليبتسم له الحظ من جديد ويحظى بفرصة أخرى لتزيين سجله التدريبي.

نادر داود استوعب الدرس جيّدا منذ سنوات وتحديدا خلال تجربة معلول الأولى مع المنتخب وبعد أن انتقده في مناسبات قليلة عاقبه من أجلها “الحاج” تاب المحلل وعاد إلى رشده ليقرر الالتحاق بجوقة “المطبلين” ومن هنا عادت أسهمه إلى الارتفاع من جديد.

في عالم كرة القدم وفي جميع الفرق العريقة والمنتخبات العالمية الكبرى تقول القاعدة إنه عندما يكون الفشل عنوانا لمرحلة ما فإن التغيير العميق والجذري يجب أن يفرض نفسه وبشدة، وبما أن منتخبنا في حلّ من كل قاعدة وبعيد عن المعايير التي تسير عليها اللعبة، فإن عناوين الفشل تظل ثابتة طالما أن العنوان الوحيد لاختيارها منذ البداية يظل قائما على الوفاء والمحاباة وضرب فروض الولاء والطاعة.

منتخب تونس فشل في “كان” 2015 فتم الاستغناء عن البلجيكي جورج ليكنس ثم جاءت خيبة الخروج المبكر من أمم أفريقيا 2017 فتم التخلي عن البولوني هنري كاسبارجاك، فماذا لو لم يتحقق الترشح لكأس العالم في روسيا 2018، وكل الأمل والجهد منصب على دعم المنتخب أينما حل، فهل ستجدد الجامعة التونسية ثقتها في نبيل معلول أم سيجد نفسه خارج الإطار مثل أسلافه؟

المزاد يغلق فعليا على معلول

سياسة تدوير الوجوه نفسها لم تعد تنفع في مجال التدريب الفني. جميع المدربين الذين قادوا المنتخب التونسي وجربوا الكرّة ثانية خرجوا صاغرين. مما لا شك فيه أنه طالما تقر الجامعة، ممثلة في رئيسها وديع الجريء، بالفشل وتثبت أحد عناوينه في كيفية اختيارها فلن تكون النتيجة سوى إعادة الفشل من جديد وبعناوين سمتها الخيبات وربما مع تغيير طفيف في طريقة الإخراج.

عنوان الكابتن

ولد المدير الفني الجديد نبيل معلول في 25 ديسمبر 1962 بتونس العاصمة. وهو يحظى بسيرة ذاتية إيجابية كلاعب مقارنة بغيره، حيث دافع عن ألوان الترجي التونسي أعوام (1975-1989 و1991-1994) والنادي البنزرتي عام (1994-1995) والنادي الأفريقي (1995-1999) وهانوفر الألماني (1989-1991) وأهلي جدة السعودي (1999-2000) قبل أن يمتهن التدريب كمدرب مساعد للمنتخب التونسي في عهد المدرب الفرنسي روجيه لومار خلال كأس أمم أفريقيا 2004 التي توج “نسور قرطاج” بلقبها، ثم شغل المنصب ذاته في سبتمبر 2006 إلى جانب طارق ثابت. كما تولّى تدريب النادي البنزرتي في بداية موسم 2005-2006 ثم الترجي الذي قاده إلى ثلاثية تاريخية عام 2011.

استقال معلول من منصبه في العام ذاته قبل أن يعود بعد أشهر قليلة ليخلف السويسري ميشال ديكاستال ونجح في قيادة فريق باب سويقة إلى اللقب المحلي والدور النهائي لمسابقة دوري أبطال أفريقيا، حيث خسر أمام الأهلي المصري.

توج كلاعب بلقب الدوري المحلي 6 مرات مع الترجي (1982 و1985 و1988 و1989 و1993 و1994) ومرة واحدة مع النادي الأفريقي (1996)، وكأس تونس مرتين (1986 و1989) وكأس السوبر المحلية ودوري أبطال العرب مع الفريق ذاته (1993) وكأس الكؤوس العربية مع النادي الأفريقي عام 1995، وخاض 74 مباراة دولية.

مهمة مستحيلة

السجل الخالد للمدير الفني الجديد، الذي لا ينكره أيّ كان سواء كلاعب أو كمدرب على فترات، لا يشفع له حسن الاختيار والتوقيت والظرفية المناسبة لتولي القيادة لجهة حساسية المرحلة والانتظارات المعلقة على المنتخب في الفترة المقبلة وأولها كأس العالم 2018. معلول كتب على حسابه الشخصي بموقع تويتر يقول “بمشيئة الله وفضله تم تعييني مدربا لمنتخب تونس في مهمة وطنية نسأل الله التوفيق فيها”.

ليأتي الرد سريعا من زميله في التحليل الفني واللاعب السابق للأهلي المصري محمد أبوتريكة عبر الموقع نفسه مباركا ومهنئا “كل التوفيق للكابتن نبيل معلول، شخصية محترمة جدا، ومدرب صاحب فكر على أعلى مستوى”. فيما أبدى أحد الإعلاميين والمحللين البارزين في مجال كرة القدم في اتصال مباشر مع إذاعة خاصة في تونس استغرابه من لحظات السعادة التي تغمر المدرب معلول ليرد بالقول “لو كنت مكانك، لما قبلت المهمّة أصلا”.

المدرب الجديد وضع له عنوانا عريضا مع المنتخب في أول مؤتمر صحافي له هو الوصول إلى مونديال روسيا 2018. الحلم الذي تم تعيين الفني التونسي لأجله ليس مستحيلا بالنظر إلى المجموعة المتواضعة التي يلعب ضمنها منتخب تونس. الحلم مشروع في كل الأحوال لكنه يتطلب عملا إضافيا لتحقيقه.

معلول خير عدم التصعيد مع إدارة الأحمر والأصفر

معلول يدرك ذلك جيدا ويقر بأن المهمة ليست هيّنة بالنظر إلى عوالم التغيير التي طالت كرة القدم الأفريقية في السنوات الأخيرة. الخارطة الأفريقية في مجال اللعبة الشعبية تغيرت كثيرا. الأسماء لم يعد لها معنى في تقييم هذا المنتخب أو ذاك. أفريقيا في تغيّر دائم في رياضة كرة القدم كما الدول العربية وخاصة دول الخليج، مثل الإمارات والمملكة العربية السعودية، التي أصبحت تحظى بأفضل الدوريات في العالم. يقول معلول “كرة القدم الأفريقية تغيّرت كثيرا في السنوات الماضية، ولا يمكن أن نحكم على منتخبات مثل بوركينا فاسو والكونغو وغيرهما بالاسم”.

المعنى الحقيقي للتجربة الناجحة في أيّ ميدان، خصوصا في عالم التدريب، يتطلب تغييرا راديكاليا على كافة المستويات، لكن ما نشهده في تونس أن التغيير يكون سطحيا مقتصرا على عنصر أو اثنين يضحي بهما رئيس الاتحاد في كل مرة. الدول التي قطعت مع نهج الولاءات وأسلوب الطاعة وتدوير الأسماء حققت نقلة فعلية في مجال كرة القدم.

أفريقيا التي أصبحت مثالا لمعلول وغيره طورت مدارس وأكاديميات لتكوين اللاعبين الشبان واختارت الانفتاح على الأندية الأوروبية الكبرى التي تضخ أموالا كبيرة للاستفادة من هذه الثروات الشبابية.

ماذا عن الجامعة التونسية التي تدير الظهر لبعض الأكاديميات (الملعب التونسي، شبيبة القيروان، حمام الأنف، النادي الصفاقسي..) كانت في ما مضى تطعّم الأندية التونسية بطاقات كبيرة من اللاعبين الذين كتبوا تاريخا طويلا مع المنتخب التونسي من أمثال خالد بدرة ورياض البوعزيزي وزياد الجزيري وغيرهم.

المهمة الأساسية رغم كونها مستحيلة إلا أنها تبدو ممكنة شريطة أن تكون مبنية على الإصلاح والإصلاح يجب أن يكون أفقيا. ينطلق من القاعدة ويعود إليها. إصلاح العقول قبل الأقدام.

14