نبيل منصر: لا وجود لمفهوم "أجيال شعرية"

الشاعر المغربي نبيل منصر يمضي في ضبطه لعملية السيرورة الشعرية مؤكدا أنه ثمة تجارب تقوم على حوار عميق مع الثقافة العربية والكونية.
الأربعاء 2020/07/08
الوطن الشعري وطن لغوي

يعيش الشعر العربي اليوم حالا خانقة من تقلص حظوظه في النشر وعدم تطور جوائزه وتراجع مقروئيته، ولكن المفارقة أنه يتطور بشكل كبير في شكله ومضامينه، حيث انفتح الشعر في جل الأقطار العربية على عوالم لم يكن له عهد بها. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الشاعر والناقد المغربي نبيل منصر حول واقع الشعر اليوم.

كبداية لهذا الحوار، ارتأينا استطلاع رأي الشاعر نبيل منصر حول الجدال الذي طارت شظاياه شرقا وغربا بعدما فجر مقال للشاعر سليم بركات ما خفي من حياة صديقه وزميله الشاعر محمود درويش، وكشاعر مغربي متابع للشأن الأدبي، حاولنا معرفة كيف تفاعل مع مخلفات القضية والانقسام الذي حدث والذي أظهر عصبية مفرطة لطرف دون آخر بعيدا عن التفهم الفني والجمالي للنص بغض النظر عن طبيعة علاقة الشاعرين ووزنهما الثقافي.

وفي تقديره، ينبغي التمييز بين أدب الكاتب أو الشاعر وحياته الشخصية، فالأصدقاء إذا اؤتمنوا على الأسرار يتعين عليهم الحفاظ عليها كون المجالس أمانات، ويعتقد أن كتّاب السيرة يمكنهم التنقيب في الحياة الشخصية للشعراء ولكن بشرط تحري الصدق والحقيقة وتجنب السقوط في شراك النزعة الفضائحية.

 وهناك الحسد الأدبي أحيانا يلعب لعبة مدمرة، يقول نبيل منصر في حواره مع “العرب”، “خاصة عندما يكون الشاعر قد وقع خطواته الأخيرة في ما وراء الأرض، وتلك حال محمود درويش الشاعر العربي الكبير الذي لن يتسنى له الرد. لذلك، فهو الأجدر بالتصديق في هذه الرواية الناقصة، مشددا على أنه علينا احترام صمت الشعراء وأن لا نسيء إلى سكينتهم، فهم في لغتهم الشعرية أحياء، فعلينا أن نفتح كتبهم ونقرأ حتى الهزيع الأخير من الحب والفتنة”.

سيرورة شعرية

إحساس الشاعر بالكتابة يمد جذورا بعيدة في شعرية العربية بكل زخمها وتحولاتها اللاحقة
إحساس الشاعر بالكتابة يمد جذورا بعيدة في شعرية العربية بكل زخمها وتحولاتها اللاحقة

هناك من يعتبر الجيل الشعري الجديد يشتغل داخل سيرورة ممتدّة من الأجيال السابقة فنيا وتذوقا ونظما، والشاعر نبيل منصر، يحبذ فكرة السيرورة على فكرة الجيل في كل رؤية أو مقاربة شعرية أو فنية بشكل عام، موضحا أن مفهوم الجيل ينضبط لحدود سوسيو – ثقافية تغلب عليها عوامل خارجية في الرؤية للأثر الشعري، لكنها غير حاسمة في ما يخص مغامرة الكتابة ولانهائية نداءاتها ومجهولها، “لذلك، أصدر في رؤيتي الشعرية عميقا عن فكرة السيرورة التي تضع التجربة في زخم شعري وجمالي كبير ومتلاطم”.

ويمضي الشاعر المغربي، في ضبطه لعملية السيرورة الشعرية مؤكدا أن ثمة تجارب فكرية وشعرية وأدبية ونقدية وحتى ترجمية في غاية الأهمية بالمغرب الثقافي، تجارب تقوم على حوار عميق مع الثقافة العربية والكونية، وهي تتغذى في كل مرة بوافدين جدد حاملين حقيقيين للمشاعل الروحية المتقدة.

وفي هذا الصدد يذكر الشاعر المغربي، أنه نشر نصوصه الأولى في بداية التسعينات، وهي التجربة التي أثمرت ديوانه الأول “غمغمات قاطفي الموت”، لكن إحساسه بالكتابة يمد جذورا بعيدة في شعرية العربية بكل زخمها وتحولاتها اللاحقة، إحساس يتجاوز الإحساس، لأنه يستدعي وجوديا وفلسفيا هوية شعرية تنتمي لشعرية اللغة في كينونتها واختراقاتها.

وفي هذا الأفق يكتب نبيل منصر قصيدته، ولكن ضمن ضيافة شعرية كريمة وخلاقة، حيث يؤكد أن شعرية العربية متفردة بتاريخها وعبقرياتها الفردية وتحسن الإنصات لذبيب الثقافة والشعر الإنسانيين، قديما كما في اللحظة الراهنة، وبهذا المعنى، ينظر شاعرنا لمفهوم السيرورة منتقلا من السياق السوسيولوجي إلى السياق الشعري والثقافي الأكثر طموحا ورحابة.

برأيه الشعر كشف مستمر، لأنه دهشة مستمرة، تنتهي عندها حدود العالم المعروف والحاجة للشعر ضرورة قصوى، وهذا إيمان الشاعر نبيل منصر العميق بدونه لن نكتب قصيدة طموحة، ترغب بالتفوق على سياقها العام والخاص، مضيفا أن الشعر، في العمق، يواكب مجهولها وهواجسها وقلقها، حيث يفكر هنا في الطرح “الهايدغري” وهواجس التقنية المرعبة كونه يحتضن هذه الهواجس ويتجه نحو تركيب رؤيته الخاصة عبر اللغة ومن خلالها.

وهكذا يصر منصر، على أن الشعر مدعو لصياغة أجوبة شعرية بالدرجة الأولى حتى لا يسقط في نزعة تفاؤلية أو حتى تشاؤمية بسيطة ومدغدغة، على اعتبار أن الشعر في قلق دائم على المصير ولكن بالمعنى الشعري العميق، وتلك المضايقة التي يبني من داخلها رحابة رؤيته للموجود وللعالم.

والتجربة الشعرية، برأي نبيل منصر، تتكثف بتجربة الحياة والكتابة والتأمل والقراءة، فضلا عن ساعات العزلة الطويلة، التي تختمر في ليلها الرؤى والأخيلة والتصورات حيث أن ما هو جسدي وروحي، بالمعنى الكبير، ينصهر في أتون اللغة ليصبح تجربة شعرية.

فالشعر في كل لغاته مقروء، لكنها مقروئية مقرونة بمعرفة شعرية وفلسفية وثقافية واسعة، القارئ في حاجة ماسة إليها، وهذا الشرط جزء من جينيالوجية النص الشعري على امتداد تاريخه الطويل، يقول نبيل منصر، كون الشعر فن صعب ومتطلب ولهذا تتعثر الخطوات المستعجلة، وتجفل بعيدا منه، لأنه يضعها أمام رعب الجدارة الإنسانية.

ليس ثمة، برأي نبيل منصر، موضوعات شعرية جديرة بالكتابة دون أخرى ولهذا فقد طور حساسيته الشعرية فأصبحت تكتب عن الأشياء وتعمل على تسميتها، هو نوع من “آدم شعري ينهض من أنقاض كتابتي ليرى العالم ويجترح له تسمية، ولعل التنويع الذي يشغل أكثر حساسيتي الشعرية يتصل بالمراوحة بين التعتيم والشفافية، بين الملحمية والغنائية المثقفة، فضلا عن افتتاح مسالك لتأمل سؤال الشعر والكتابة في الكتابة الشعرية ذاتها”.

راهن الشعر المغربي، برأي نبيل منصر، موصول براهن الشعر العربي ومتفاعل معه لأن الوطن الشعري وطن لغوي بالدرجة الأولى، ولكن ضمن سيرورة حداثية تأخذ بعين الاعتبار رهان ابتكار الشكل بوصفه قضية جمالية وأنطولوجية أيضا، فاللغة العربية تنغرس في هذا العمق وتنهض بمصيره ومآلاته ولكنه مآل شعري وشخصي ضمن حدوده تمارس الفرادة باختراقاتها المؤلمة والسعيدة.

الشعر المغربي والنشر

نصر يصر على أن الشعر مدعو لصياغة أجوبة شعرية بالدرجة الأولى
منصر يصر على أن الشعر مدعو لصياغة أجوبة شعرية بالدرجة الأولى

من هذا المنطلق فتأثير البيئة والثقافة بمختلف مصادرها وواجهاتها مقترن بشدة بحساسية الشاعر تجاه التجارب والعناصر والأشياء، وعليه فالشعر المغربي، في أفق هذه الرؤية، لم يستوعب فحسب تجارب أجيال من الكتابة، بل انغرس في سيرورتها وفي أفق المحتمل الحداثي العربي والكوني.

في ما يخص طقس الكتابة يقول نبيل منصر “صرت أكثر خبرة بلحظة الكتابة، أتهيأ لها بالليل والعزلة ودفتر جميل يكون دائما بجانبي، وتأهبي مقترن بلحظات فوران للكتابة قد تستغرق بضعة شهور خاصة بين فصلي الربيع والخريف، فأكتب محموما بين يوم وآخر في سياق هواجس وجودية وشعرية مهيمنة، وما يهمني كثيرا وحدة التجربة ضمن منظور فني متكامل، وأكتب غالبا بلا كثير من التشطيب لهذا أفضل الحبر الجاف بالألوان وأحرص على عدم تلطيخ فضاء الصفحة ولا أتردد في الانتقال إلى صفحة أخرى بيضاء إذا تعذر علي أمر الاسترسال في الكتابة”.

وبنوع من الصوفية الشعرية، يقول نبيل منصر “ثمة دافع ميتافيزيقي يجعل القصيدة تنمو أمامي وكأن يدي تتلقفها عن يد علوية تسطر حروفها النارية في صدري، أترك ما أكتب غافيا في الدفتر لفترة طويلة ثم أقرأه مستكشفا ما خطته يداي في غموض الليل، وحينئذ قد أمارس نوعا من المحو وإعادة كتابة بعض الجمل حتى تستقيم القصيدة لما يشبع خبرتي وذائقتي الشعرية”.

“لا أنشر كل ما أكتب”، يلفت الشاعر المغربي، “بل أستغني عن كثير من النصوص، بل حتى عن بعض الدواوين فالشعر يحتاج إلى هكذا صرامة ثم في النهاية لا شيء يضيع ما دامت اللغة الشعرية تحول بكيميائها العجيبة كل التجارب والنصوص والشذرات، بشكل يجعلها تحيا في سمت شعري جديد”.

يعترف نبيل منصر أن القارئ يهمه، لكن في الوقت نفسه لا يفعل الكثير لأجل التواصل معه إذ الرهان عنده شعري أساسا وليس تواصليا، فهو يكتب بدون تنازل عن قوة الشعر وربما غموضه المعرفي والأنطولوجي، “وعليه إذا اندمجت آفاق الكتابة والتلقي على نحو خلاق، فأنا أكون في غاية السعادة. ولكني أراهن كثيرا على لحظة مستقبلي”.

ويضيف “ذلك وهمي الصغير أو الكبير، الذي يعفيني من ضغط السياق واللحظة، إذ الشعر يسلك سبلا متشعبة للكتابة، وهي السبل التي تبني رهانا صعبا مع قارئ الشعر المنتظر ولكني بذات الوقت أعتز بقراءات نقدية في تجربتي الشعرية قليلة بالمغرب والمشرق لكن كاشفة بالمعنى العميق للكشف”.

نبيل نصر: مشكلة نشر الشعر هي جزء من مشكلة نشر الأدب بشكل عام
نبيل منصر: مشكلة نشر الشعر هي جزء من مشكلة نشر الأدب بشكل عام

يبدو لنبيل منصر، أن مشكلة نشر الشعر هي جزء من مشكلة نشر الأدب بشكل عام، لأن آليات النشر العربية ما تزال رهينة مطلب المبيعات في سياستها الثقافية العامة، ولذلك، فالأدب العالمي ومنه الشعر يتطور مع دور النشر الصغيرة التي تملك حس المغامرة وتسعى للاكتشاف وليس للربح المادي.

يقول الشاعر المغربي “أعرف إكراهات المقاولة الثقافية ولكنها إكراهات ينبغي أن تحل ضمن منظور ثقافي نهضوي وتحديثي، ذلك، برأيي هو الربح الكبير. ومن منطلق تجربتي الشخصية لا أنشر الكتاب الشعري إلا عندما تنضج شروطه حتى يتأتى للكتاب حظه الكامل من الإخراج الفني الجميل. والمال الشخصي لا يحل في اعتقادي مشكلة النشر بل يزيدها تعقيدا ويفسح للتداول نصوصا ضعيفة”.

ويضيف “الناشر مسؤول بشكل كبير عن القيم الشعرية، ولذلك يتعين عليه التوفر على رؤية فنية حداثية من خلال لجان قراءة حرة وناضجة لتبث في أمر النشر من عدمه”. يقول نبيل منصر، “وتدبيري الشخصي يراهن على جودة الشعر والنشر وأحيانا تتقاطع الرؤى وتكون سعادتي في الموعد”. الملاحظ أن دور النشر العربية الكبرى تحتفي بالنص المترجم وغير خافية أهمية الترجمة عن الفكر والأدب العالمي في التحديث الثقافي الشامل. لكن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب حظ الأدب العربي في النشر والتداول، كما يرى نبيل منصر، فثمة جسر محطم لا يسمح بالعبور بين الضفتين، وبعض الناشرين ساهموا في ذلك بسبب الافتقار إلى رؤية ثقافية وطنية وعربية.

مهنة النشر، كما يرى الشاعر، بالغة الحساسية وعلى الدول العربية أن تتحمل مسؤوليتها الثقافية تجاه الآداب الوطنية والقومية ودعم الناشر مشروط بدوره التحديثي وغاياته التنويرية، فالناشر المثقف هو الذي يقيم مثل هذه الجسور إذا ارتفع بدوره عن أنانيته الصغيرة إلى مقام مسؤوليته التاريخية.

وفي سياقات النشر يأتي دور الجرائد وخاصة الملاحق الثقافية والمجلات في نشر الأدب وتطويره، ويعتقد منصر أن ثمة محطات تاريخية في الثقافة العربية الحديثة مقترنة بعناوين مجلات وصحافة ثقافية كان لها دور تحديثي حاسم.

لكن النشر السهل والحامل الإلكتروني ساهم في نوع من بلبلة القيم الشعرية والجمالية، يقول نبيل منصر، موضحا أن هذه البلبلة كانت ناتجة سابقا عن هيمنة السياسي في صناعة الثقافة والأوضاع الاعتبارية، لكنها أصبحت الآن أصبحت صنيعة الإنترنت وجماعات التواصل الآنية، التي تكيل المديح بلا رَوية لكن، مع ذلك الأدب الجميل لا يحيا بدون مقاومة جمالية لشروطه غير الأدبية.

15