نبيل نحاس رسام بلاد تُرى في أصغر ما فيها

رسام لبناني يصوغ عالمه الفني من الزخرفة الإسلامية والتجريد الهندسي.
الأحد 2021/06/20
رسام ذو هوية فنية مميّزة

بالرغم من كل النظريات التي سعى أصحابها إلى إثبات صحة الفكرة التي تربط بين التجريد الهندسي “تجارب مالافيتش وموندريان وفازرلي ومن بعدهم حشود من الرسامين” والزخرفة الإسلامية باعتبارها فنا ذا هوية عربية فإن عددا محدودا من الرسامين انتقل بتلك الفكرة إلى المجال العملي وصاغ عالمه الفني على أساسها.

الذاهب إلى الينابيع

يقف اللبناني نبيل نحاس في مقدمة أولئك الرسامين، بل يمكن اعتباره الأكثر عمقا من خلال إصراره على الذهاب إلى المنابع الأصلية إضافة إلى أنه الأكثر شهرة بسبب ظروفه الشخصية التي سمحت له بالانتشار في الولايات المتحدة وفي نيويورك بالأخص لأنه درس هناك ويتمتع بالمواطنة الأميركية.

كانت المرجعية الزخرفية أساسا لتعامل نحاس مع تجارب التجريديين الأميركان في النصف الثاني من القرن العشرين. وهو إذ جمع بين عالمين فإنه نجح في أن يلقي نظرة على العالم عبر منظورين سعى إلى أن يبقي الممرات بينهما مفتوحة.

لم يكن غريبا في حالة من ذلك النوع أن يلجأ الرسام إلى استعمال المواد المختلفة من غير أن يؤثر ذلك الاستعمال سلبا على الأشكال المتناغمة في ما بينها في حدود ما تطلقه من موسيقى تنعش البصر وهي واحدة من أعظم ميزات الزخرفة الهندسية الإسلامية التي ازدهرت مع تطور الحاجة إلى فن العمارة إبان نمو وازدهار الحضارة العربية.

وفي خضم تلك العلاقة الصعبة عرف نحاس كيف يستعيد لبنانه الشخصي. الشيء الصغير الذي يمكن أن يُلهمه حدثا عظيما.

شجرة الأرز والحياة النباتية التي تشكل الجزء الأكبر من جغرافيا لبنان. لا ترمي الفكرة إلى استثمار المفردة لإغراض نفعية كأن تكون مجرد شعار يشير إلى الانتماء الوطني. ما سعى إليه نحاس أكثر عمقا وأشد كثافة. لقد سعى إلى أن يقبض على لبنانه في عالمه وهو لا يعرف لبنان في السياسة أو في لغة الخطابات اليومية. إنه يعيشه مثل فكرة في البلد البعيد.

لذلك سيكون من شأن استحضار مفرداته الطبيعية باعتبارها مواقع لجمال محتمل في سياق بحث فني على درجة من الخصوصية إنما يمثل نوعا من العثور على حياة ثانية. بمعنى أن يصل الرسام إلى قناعة مفادها أنه يولد من جديد مع كل واحدة من مفردات الطبيعة.

جمهرة الحواس

المتلقي ذو العين الخبيرة يلاحظ أن فلسفة نحاس البصرية تقوم أصلا على تقنيتي الطبقات والملمس الخشن. الطبقات التي يشف بعضها عن البعض الآخر أحيانا وأحيانا يغطيه والملمس الذي يعمل على تمييز أجزاء من اللوحة دون الأجزاء الأخرى
المتلقي ذو العين الخبيرة يلاحظ أن فلسفة نحاس البصرية تقوم أصلا على تقنيتي الطبقات والملمس الخشن. الطبقات التي يشف بعضها عن البعض الآخر أحيانا وأحيانا يغطيه والملمس الذي يعمل على تمييز أجزاء من اللوحة دون الأجزاء الأخرى

ولد نحاس في بيروت عام 1949. قضى سنوات تكوينه ما بين القاهرة وبيروت. بعدها التحق بالجامعة في الولايات المتحدة وحصل على بكالوريوس الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا عام 1971. ثم نال درجة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة ييل. بعد التخرج انتقل نحاس إلى نيويورك للعيش والعمل ولا يزال يقيم

هناك. بالرغم من ذلك فإنه يقضي وقتا طويلا في لبنان، هناك حيث أقيم له أول معرض استعادي كبير عام 2010 في مركز بيروت للمعارض. أقام أول معرض شخصي عام 1997 في سبيرون ويست. كان ذلك المعرض مفتتحا لإقامة معارض شخصية عديدة. أدرجت أعماله في غلاستريس 2011 وهو حدث مصاحب لبينالي فينيسيا الرابع والخمسين. تم اقتناء أعماله من قبل متاحف كثيرة حول العالم. منها متحف متروبوليتان بمنهاتن ومتحف تيت مودرن والمتحف البريطاني بلندن وغوغنهايم أبوظبي وأكاديمية بنسلفانيا للفنون. عام 2013 حصل نحاس على وسام الأرز الوطني لخدمات الثقافة اللبنانية.

أول ما يلاحظه المتلقي ذو العين الخبيرة أن فلسفة نحاس البصرية تقوم أصلا على تقنيتي الطبقات والملمس الخشن. الطبقات التي يشف بعضها عن البعض الآخر أحيانا وأحيانا يغطيه والملمس الذي يعمل على تمييز أجزاء من اللوحة دون الأجزاء الأخرى، كما أنه يطلق خبرة منفصلة تتعلق بمادية الأشياء حتى بعد أن تنتقل من مجالها الطبيعي إلى الفضاء الفني.

لقد تعلم من الحياة العضوية الشيء الكثير الذي لم يكن من اليسير اكتشافه عن طريق البصر المجرد وحده. إن جمهرة من الحواس هي وسيلة قد تسبب الاضطراب النفسي غير أنها ضرورية من أجل الإبقاء على مادية حياة لا تُرى إلا عن قرب.

بسبب تقنيتي الطبقات المتراكمة والملمس الخشن توصل نحاس إلى عالم ثلاثي الأبعاد يمكن التعرف عليه واكتشافه هو الآخر عن قرب. لقد سمح له اكتشاف ذلك العالم أن يتوسع في استعمال المواد المختلفة ليكون الاستلهام مشابها للواقع الذي لا يمكن استدراجه بصريا بطريقة ميسرة. وإذا ما كان الفنان اللبناني الأميركي قد نجح في استخراج الكائنات المجهرية من أعماق عالمها فذلك لم يقع إلا لأنه يرغب في الانفتاح على عالم كوني. الكون الذي يتسع لكل أنوع الحيوات، الصغيرة والكبيرة من غير استثناء. وهو كون يمتد نسيجه من تحت الطبقات التي تتألف منها لوحات نحاس.

كتب الناقد كارتر رادكليف عام 2010 “بين هذه الأشكال المتجمعة بشكل وثيق توجد شقوق ضيقة، بعضها عميق ومعقد لدرجة أنه من المستحيل رؤية كل الطرق فيها” يتابع رادكليف “فقط حين ترى هذه الأعمال عن قرب تبدو ثلاثية الأبعاد. حتى عن مسافة قصيرة يسيطير اللون ويصبح مصوَرا تماما. كل مجالات الطاقة النابضة”.

ما يقصده الناقد أن الحياة التي يمكن اكتشافها حين يتم النظر إلى لوحات نحاس عن قرب إنما هي طاقة متجددة وليست صورا يمكن استلهامها جماليا. ذلك ما يجعل نحاس على تماس دائم مع هندسة وراثية لعالم في طريقه إلى التحول أو الفناء.

لبنان الذي لا يُرى

نحاس لا يرسم المكان، بل ينقل عالمه الكوني إلى المكان
نحاس لا يرسم المكان، بل ينقل عالمه الكوني إلى المكان

في عودته إلى تصوير أشجار بلاده لم ير نحاس مشاهد طبيعية بل مضى في اتجاه عاطفة، يمكن النظر إليها من جهة ما تنطوي عليه من توجه عقلاني يندر العثور عليه في علاقة تنشأ بين غريب ومقتنيات وطنه الأثيرة إلى نفسه وهي المقتنيات التي سيرى الرسام وهو ذلك الغريب عاطفته وقد امتزجت بها من غير أن تحتاج إلى أي نوع من الاسترسال الغنائي للتعرف عليها.

سيكون عليه أن يراها عن قرب فتبدو لقاه البصرية أشبه بالكائنات العضوية التي سبق له وأن صورها مقتفيا أثرها عبر العين الثالثة وهي عين المجهر. غير أن الأمر مع أشجار لبنان يبدو مختلفا تماما. هل سنرى الحب وهو الذي لا يُرى؟ أعتقد أن نحاس بالرغم من ثقته بالتجريد الهندسي البارد يحمل في أعماقه روحا تبحث عما يهبها نوعا من الثقة. إنها تبحث عن طمأنينة في ماض تعرفت عليه من خلال الزخرفة بما انطوت عليه من حس موسيقي رفيع. وهو في حقيقة الأمر يبحث عن أناه التي لم يكن متأكدا من العثور عليها إلا بين الغابات. كانت طفولته صغيرة مثل عشبة. لذلك يمكن أن تكون الشجرة صغيرة كما لو أنها تسعى إلى إقناع ذلك التائه بأنها كانت شجرة طفولته التي يحاول استحضارها.

لا يرسم نحاس المكان بل ينقل عالمه الكوني إلى المكان. سيكون عليه أن يرسم عن قرب فيما يكون علينا أن نرى عن قرب أيضا. فعالمه يمكن أن يكون جميلا من بعيد غير أنه بالتأكيد لن يكون العالم الذي أفنى العمر من أجل صياغته.

في أعماله سنرى لبنان الذي يعيننا على الانفتاح على عالم، كان نحاس قد تعرف عليه قبل أن يعي لبنانيته. ذلك هو لبنانه الذي يعيد اكتشافه من خلال أصغر ما فيه. نحاس رسام مشاهد صغيرة، يمكن أن لا تقع في مجال النظر غير أنها تقع دائما في مجال الحب.

9